شباب تونس والانتخابات البلدية: مشاركة في الترشح لا الاقتراع

تقترع في الانتخابات التونسية (أ ف ب)
تونس - فرات الحطاب |

في السادس من أيار (مايو) 2018 شارك التونسيون في حدث يعتبر من أهم المحطات في مسيرة بلدهم الديموقراطية: أول انتخابات بلدية منذ قيام الثورة. لكن الطريق نحوه لم تكن سهلة.


منذ عام أو أكثر والمخاوف من تأجيل الانتخابات البلدية تتصدر كل حديث، كل هذا في انتظار الإجابة عن سؤال: ما هي صلاحيات البلديات ومهماتها؟

فما الذي حدث؟

لنعد إلى قانون البلديات القديم الذي صدر عام 1975. هذا القانون ينظم عمل البلديات معتمداً على مبدأ المركزية، فيربط سلطة رئيس البلدية بالسلطة التنفيذية/ المركز في القرارات والموازنة التي يجب أن يوافق عليها والي الجهة (الجهة تشبه الناحية). لكن بعد الثورة نصّ دستور 2014 على لا مركزية السلطات المحلية (التي تندرج البلديات ضمنها) وطُرح مشروع قانون الجماعات المحلية في 2015. منذ ثلاث سنوات والقانون عالق في البرلمان، بين أخذ ورد. البعض يعزو الأمر لكون اللامركزية مبدأ جديداً ويجب أخذ الوقت الكافي لدراسة البنود والتفكر فيها. والبعض الآخر يقول أن الخلاف السياسي في البرلمان بين الأحزاب التي قد تستفيد من اللامركزية وبين من ستٌضر منها هو السبب الرئيسي لتعطيل صدور القرار.

يجدر القول إنّ قانون السلطات المحلية ليست له علاقة مباشرة بتحديد تاريخ الانتخابات. ولكن تخيل أنك كناخب لا تعرف على أي أساس سوف تُدير بلديتك شؤونها، لا تعرف ما هي السلطات الممنوحة لها ولا كيفية إدارة مهماتها. بناء على ماذا سيكون قرارك؟ عدا عن أنّ قانون 75 القديم يعتبر مناقضاً للدستور.

في النهاية صادق البرلمان قبل أسبوع فقط من إجراء الانتخابات على قانون الجماعات المحلية الجديد الذي يدعم لا مركزية سلطة البلديات ويخلّصها من سلطة الإشراف المركزية ويفتح المجالس المنتخبة على سلطة المواطنين.

هل كان الشباب متواجدا في القوائم الانتخابية؟

المشاركة الشبابية في قوائم المرشحين كانت عالية في هذه الانتخابات. 52.1% من المرشحين أعمارهم أقل من 35 عاما بحسب Tunisie Elections

ويمكن نسب الفضل أولا إلى القانون الانتخابي التونسي العام الصادر في 2014 الذي يفرض على اللوائح الانتخابية إدراج الشباب. وينص القانون على أن «تضم كل قائمة مرشحة أصلية من بين ال-3 الأوائل ومن بين كل 06 مرشحين تباعاً حتى اخر القائمة مرشحا عمره أقل من 35 سنة». أي تقريبا، يجب أن يكون ثلث اللائحة (أو أقل وفق عدد المرشحين فيها) من الشباب. وتسقط القائمة كلها إذا لم يتم احترام شروط إدراج الشباب.

أمل الحمروني (26 سنة) فائزة في الانتخابات البلدية عن لائحة الجبهة الشعبية في بلدية سكرة قالت: «ترشحت لأني معنية بالشأن المحلي نظراً إلى عضويتي في الحزب ولأنني كشابة أعتقد أننا أكثر قدرة على التغيير، فالشباب حركيون أكثر ويصلون للناس في شكل أفضل. الأمر الآن ليس كما كان قبل عندما كانت تأتي الترشيحات من الحكومة. اليوم إذا لم نكن نحن موجودين في السلطة المحلية لن نتمكن من التغيير في المركز». وأضافت: «أحببنا أو كرهنا، لو لم تكن هنالك قوانين تجبر الأحزاب على إدخال الشباب والنساء على قوائمهم لكانوا استغنوا عن وجودنا».

لكن نسبة المرشحين الشباب في قوائم هذه الانتخابات تجاوزت الحد الأدنى القانوني المذكور وهذا مؤشر جيد الى رغبة الأحزاب بإتاحة المجال للشباب لأخذ فرصتهم (أو اضطرارهم لذلك), ولكنه يعكس أيضاً مبادرة وإرادة الشباب على المشاركة السياسية، وهذا قد يُفسّر بوجود عدد هائل من القوائم المستقلة عن الأحزاب ( 41.46 في المئة) والتي فازت بأكبر نسبة من المقاعد 32.9 في المئة.

لكن ماذا عن التصويت؟

وفق الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، بلغت نسبة التصويت 33.7 في المئة فقط من المسجلين. هذه النسبة تعدّ ضئيلة في البلد الذي ينظر إليه العرب كمثل أعلى في ما يتعلق بانفتاح المجال السياسي وحرية الانتخاب والمشاركة.

لم تظهر بعد الإحصاءات التي تحدد بدقة كم هو عدد الشباب الذين شاركوا في هذا الانتخابات ولكن وفق مراقبين خارجيين وناخبين فإن الشباب عزفوا عن التصويت.

بحسب وسيم المسلمي (23 عاماً مصوّر فوتوغرافي شارك في التصويت): «شاركت في التصويت لأنه واجب ديموقراطي ويجب أن ننتخب لأن مصير البلاد بيدنا نحن الشباب» لكن «كثيرين من شباب خاب أملهم من الانتخابات الرئاسية الأخيرة وهذا سبب عدم تصويتهم. هذه المرة كان الكبار في العمر هم أصحاب الصوت».

تعقيباً على عزوف الشباب، قالت أحلام بوسروال المديرة التنفيذية لمنظمة «لنكن فاعلين وفاعلات» (وهي منظمة عملت على زيادة الوعي في أوساط الشباب حول أهمية التصويت في هذه الانتخابات) : «بعد مرحلتي انتخاب تشريعي ورئاسي، حملت خيبتي أمل كبيرتين ... الحكومات المتعددة أتت بعيدة كل البعد على انتظارات الشباب التونسي».

لكن يضاف إلى الإحباط عدم الوعي الكامل حول دور البلديات والخلط بينها وبين الدولة. عدم وضوح دور السلطات المحلية الفعلي بسبب تأخّر قانون الجـــماعات المحلّية وإقراره فقط قبل أســبوع من بدء الانتخابات. إضافة إلى غياب حملات التوعية حول ما هي اللامركزية التي يطرحها القانون الجديد أساسا وكيف سيختلف دور البلديات وتأثيره في الحياة اليومية في مختلف أرجاء الجمهورية.

عزيز عمّامي (35 عاما) ناشط سياسي لم يشارك في التصويت قال: «لا أرى جدوى، لا في الانتخابات البلدية، ولا في التشريعية، ما دامت المؤسسات القديمة ما زالت طاغية، وما دامت المؤسسات الجديدة ما زالت لم تقم، والنصوص القانونية المتضاربة مع الدستور مازالت سارية التنفيذ. أي أهمية في انتخابات بلدية، بينما لم يتم سن قانون ينظم عمل البلديات ويحدد كل الصلاحيات ومناطق النفوذ والمسؤوليات بوضوح. انتخب التونسيون اشخاصاً لشيء لا يعلمونه، غير واضح، بعد أن وعدوا بعضهم بكل شيء، حتى التشغيل، من أجل الربح. هذا هو الوضع كما أراه».

بين الإقبال على الترشّح والعزوف عن التصويت لا نعرف إن كان علينا التفاؤل أم لا بدور الشباب في المجال السياسي في تونس بعد الثورة. هل يستطيع قانون المجالس المحلية اللامركزية الجديد، عبر تعزيز سلطة المواطن في البلديات، أن يقنع الشباب بدورهم في التغيير المحلي وربما التغيير المركزي أيضاً؟