التدخل العسكري الخارجي افتراضات ودعاوى يدحضها الواقع

محمد فايز فرحات |

استندت سياسة التدخل العسكري الأميركي بدعوى نشر الديموقراطية، أو إصلاح «الدول الفاشلة»، أو نشر الحريات وقيم حقوق الإنسان، إلى مقولات عدة. بعض هذه المقولات ذو طابع تاريخي- قيمي، أسس لهذه السياسة استناداً إلى خبرة نشأة المجتمع الأميركي والدولة الأميركية ذاتها، والتي جعلت من الاستناد إلى عوامل العِرق، أو الدين، أو اللغة، أو التاريخ المشترك كأساس للهوية أو «القومية» الأميركية أمراً مستحيلاً.


في المقابل تأسس مفهوم الأمة أو «القومية» الأميركية على قيم «الدستورية»، و «الفردية»، و «الديموقراطية»، و «الليبيرالية». وأضحى الالتزام بنشر هذه القيم – في أحد أبعاده- جزءاً أو شرطاً للحفاظ على الهوية الأميركية ذاتها. أضف إلى ذلك تجذُر فكرة «الاستثنائية الأميركية» في الثقافة الأميركية، التي أسست بدورها لمسؤولية أميركية استثنائية تجاه العالم الخارجي. لكن مع أهمية هذه العوامل، ظل للدوافع الأمنية والمصالح المادية تأثير كبير في التمسك بسياسة نشر الديموقراطية، حتى ولو اقتضى ذلك التدخل العسكري. أبرز هذه الدوافع العلاقة المفترضة التي تم نسجها بين نشر الديموقراطية، والأمن العالمي والأمن القومي الأميركي. ويُثار في هذا الإطار عدد من الافتراضات. منها القول إن انتشار الديموقراطيات يقلل من مستوى التهديدات الأمنية، ويعزز الأمن العالمي والأميركي. وبرزت هنا الأدبيات الكثيرة التي روّجت لمفهوم «السلام الديموقراطي»، والتي تشير إلى أن الدول الديموقراطية تتمتع بخصائص هيكلية تجعلها أكثر ميلاً للالتزام بقواعد عمل المؤسسات الدولية والقانون الدولي. وافتراض ثان يقول إن الديموقراطيات تميل في علاقاتها مع الديموقراطيات الأخرى إلى عدم اللجوء إلى القوة، أو حتى التهديد باستخدامها، أو كما ذهبت المقولة الشهيرة إلى القول إن «الديموقراطيات لا تتحارب»، سواء بسبب وجود مصالح مشتركة في ما بينها، أو بسبب خضوع قرار الحرب لقيود وضوابط دستورية وسياسية تجعل اتخاذ هذا القرار شديد التعقيد، أو استناداً إلى ملاحظة البعض أن مناطق انتشار الديموقراطيات هي الأقرب إلى «مناطق السلام»، التي تقل فيها حالات الغموض وعدم اليقين ويقل فيها استخدام القوة أو التهديد باستخدامها. وتعتبر المدرسة الليبيرالية من أكثر المدافعين عن هذه المقولات. ويتفق معهم بعض أنصار المدرسة الواقعية، الذين يرون أن التغيير في خصائص الوحدات الدولية يستتبعه تغيير مماثل في خصائص النظام العالمي والسياسات العالمية؛ بمعنى أن السياسات الدولية السائدة في ظل نظام عالمي يتسم بانتشار وحدات دولية ذات نظم سياسية ديموقراطية تختلف عن السياسات الدولية السائدة في حالة نظام عالمي يتسم بانتشار وحدات سياسية ذات نظم سياسية سلطوية.

وقد ساهمت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 في رواج هذه المقولات، والتي انتهت إلى أن انتشار الأنظمة السلطوية وظاهرة الدولة الفاشلة كان عاملاً في انتشار التنظيمات الإرهابية التي باتت تمثل التهديد الأول للأمن العالمي والأمن القومي الأميركي. ودعت هذه الكتابات إلى ضرورة التوسع الأميركي في سياسة التدخل العسكري لإعادة هذه الدول إلى «المسار الطبيعي»، ونشر الديموقراطية. بعض هذه الكتابات طرح مفاهيم مثل «الوصاية الجديدة»، و «التشارك في السيادة»، و «إمبريالية ما بعد الحداثة»، وغيرها من المفاهيم المؤسسة للتدخل العسكري. واستعاد البعض كتابات روبرت جاكسون في بداية التسعينات، والتي أكد فيها أن استمرار تمتع الدول الفاشلة بمفهوم «السيادة» على المستوى الخارجي أدى إلى تشجيع الأنظمة في هذه الدول على التوسع في انتهاك وقمع الحريات السياسية الداخلية، منتهياً إلى أن استحداث ترتيبات بديلة للسيادة الخارجية «الكاملة» لهذه الفئة من الدول يمكن أن يكون مفيداً. وطرح جاكسون هنا مفهوم «أشباه الدول» quasi-states.

لكن مع أهمية المنطق الذي استند إليه أنصار هذا الاتجاه، فقد انتهى الواقع العملي للسياسة التدخلية الأميركية منذ أيلول (سبتمبر)2001 وحتى الآن إلى نتائج مغايرة تماماً، تدحض كل الأسس والمقولات النظرية التي استندت إليها هذه السياسة. فعلى العكس مما روجت له الكثير من الكتابات حول حتمية التدخل العسكري كآلية لإصلاح الدول الفاشلة، كشرط رئيس للقضاء على ظاهرة الإرهاب، فإن دراسة كمية وكيفية لهذه الظاهرة تدحض هذه المقولة. عملياً انتهى التدخل العسكري إلى انتشار التنظيمات الإرهابية على نطاق أوسع من الناحية الجغرافية، فلم يعد تنظيم القاعدة مقصوراً على التنظيم الأم في أفغانستان، ولم يتم القضاء على حركة طالبان. كما ظهرت موجة من التنظيمات الإرهابية أكثر قوة وتطرفاً من القاعدة.

وكان التدخل العسكري عاملاً مهماً في تعميق أزمة الدولة الفاشلة وانتشار الفوضى، ذلك أن الأخطاء السياسية التي وقعت فيها الولايات المتحدة انتهت إما إلى بناء سلام «هش»، أو فرض نموذج سياسي لا ينسجم مع الواقع الاجتماعي والديموغرافي والثقافي القائم، أو إلى بناء نظام سياسي طائفي، أو بناء نخبة غير مؤمنة بمسألة الديموقراطية ذاتها، ولديها تحيزات ومواقف أيديولوجية مسبقة تجاه مكونات عرقية ومذهبية محددة... إلخ. فضلاً عما يعنيه التدخل العسكري- مبدئياً- من تعطيل مسار التطور السياسي الطبيعي الذي يجب أن تمر به عمليات بناء الدولة على غرار ما حدث في أوروبا والولايات المتحدة نفسها. وحتى مع العودة إلى الخبرة التاريخية لسياسة نشر الديموقراطية عبر التدخل العسكري إلى ما قبل أيلول2001، فإن هذه الخبرة تؤكد عدم فعالية هذه الأداة. إذ تظل الحالات التي نجح فيها التدخل العسكري في بناء ديموقراطيات مستدامة هي حالات محدودة جداً، ارتبط نجاحها بشروط معقدة يصعب تكرارها أو إعادة انتاجها.

وهكذا، وفي مواجهة تيار سياسي وأكاديمي أميركي روّج بشدة لسياسة التدخل العسكري الخارجي كآلية لمعالجة ظاهرة «الدولة الفاشلة» أو نشر الديموقراطية، فإن الواقع العملي لا يؤكد ذلك؛ فالتدخل الخارجي لمعالجة أزمة الدولة الفاشلة، والذي يقوم على جواز تعطيل ممارسة الدولة لسيادتها الخارجية – حتى ولو موقتاً- بهدف استعادة أو إعادة بناء سيادتها الداخلية، ينطلق من افتراض أن سلطة التدخل العسكري الخارجي لن تواجه هي الأخرى المشكلات ذاتها التي أدت إلى افتقاد الدولة الفاشلة لسيادتها على المستوى الداخلي؛ وسرعان ما تكتشف أنها هي الأخرى غير قادرة على ممارسة مظاهر هذه السيادة، بما في ذلك الحق المشروع في استخدام القوة (وهو ما يعكسه سرعة ظهور المقاومة العنيفة للوجود العسكري الأجنبي). ويرجع ذلك إلى أن حالة «الدولة الفاشلة» غالباً ما تعود إلى مصادر هيكلية داخل الدولة والمجتمع أكثر مما تعود إلى سياسات النظام السياسي القائم. وقد استندت العديد من الكتابات التي روجت لسياسة التدخل إلى الخبرتين اليابانية والألمانية كنموذجين تاريخيين لنجاح التدخل العسكري الخارجي في بناء أنظمة سياسية ديموقراطية، وهو ما انعكس في العدد الضخم من الكتابات والدراسات التي صدرت عقب أيلول2001 والتي أعادت قراءة هذه الخبرة للتأسيس لموجة أميركية جديدة من التدخل العسكري لإصلاح الدول الفاشلة ونشر الديموقراطية، وما انعكس أيضاً في الخطاب الأميركي عقب أيلول2001، والذي أشار إلى سعي الولايات المتحدة إلى إعادة انتاج هذه الخبرة. غير أن هذه الكتابات، وهذا الخطاب الأميركي، تجاهلت البيئة الاجتماعية والثقافية والدولية التي جرى فيها هذا التدخل. والأهم أنها تجاهلت أن ما حدث في اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية لم يتعد كونه إعادة تعريف لمصادر الشرعية السياسية، وإعادة تعريف للوظائف السياسية والاقتصادية والثقافية للأبنية والمؤسسات القائمة، أكثر منه إعادة بناء لهذه المؤسسات أو إعادة بناء للثقافة السياسية. ويصعب سحب مفهوم «الدولة الفاشلة» على أي من هاتين الحالتين.

هذه الخبرة التطبيقية لسياسة التدخل العسكري تدعو إلى البحث إما عن مداخل أخرى لفهم هذه السياسة، بما في ذلك دقة وحقيقة الأسس الفلسفية والقيمية المرتبطة بالخبرة الأميركية والنموذج الأميركي، أو إلى إعادة النظر في هذه السياسة إذا ما افترضنا صدق الأهداف المعلنة، سواء إصلاح الدولة الفاشلة أو نشر الديموقراطية أو القضاء على الإرهاب.

* كاتب مصري