الهوية الوطنية كما صاغتها الرواية الفلسطينية

فخري صالح |

تسعى الرواية التي تدور حول القضية الفلسطينية إلى استعادة فلسطين التي كانت وجرى تدميرها ومحوها عام 1948، وإحلال إسرائيل محلّها، من خلال عملية التدمير والاقتلاع الممنهج. وتستخدم الكتابة الروائية المصادر التاريخية، وكتب الرحالة، والوثائق، والشهادات الشخصية للفلسطينيين الذين عاشوا قبل النكبة، والتجارب الشخصية للروائيين أنفسهم، من أجل بناء مادتها السردية التي تعمل- عبر التخييل وابتداع الشخصيات وتصوير الأحداث- على تركيب صور الحياة الفلسطينية التي انقطع تسلسلها وتدفقها بفعل حدث النكبة.


تعود بعض الأعمال الروائية إلى الفترة التي امتدَّ خلالها حكم العثمانيين للمنطقة العربية، وصولاً إلى فترة السفر برلك وتجنيد الفلسطينيين في الجيش العثماني للمشاركة في الحرب مع القوات التركية في الحرب العالمية الأولى، لتتولى وصفَ الحياة الممتدة على أرض فلسطين، تخييلياً. وهذا ما نعثر عليه بصفة خاصة في رواية «زمن الخيول البيضاء» لإبراهيم نصر الله التي تغطي مساحة واسعة من الزمن الفلسطيني وصولاً إلى لحظة السقوط وتفرّق الفلسطينيين «أيدي سبأ» بتعبير إميل حبيبي. وهي تبدأ سردها من لحظةٍ في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حيث يربض الاحتلال التركي لفلسطين، والمشرق العربي عامة، ويعاني سكان قرية الهادية، التي تبدو في السرد موازياً لفلسطين، من ظلم العثمانيين وقهرهم. ثمّ تنتقل الرواية بعدها إلى زمن الانتداب وصولاً إلى لحظة سقوط فلسطين التي دافع فيها أهالي الهادية عن قريتهم، على رغم خيانة الزعامات العربية وفشل الزعامات الفلسطينية التقليدية، ومساعدة الإنكليز اليهود للاستيلاء على فلسطين بعد انتهاء الانتداب. وتشترك رواية حسن حميد «أنين القصب» مع «زمن الخيول البيضاء» في تصوير الحياة الفلسطينية قبل النكبة، وفي زمن يبدو أقرب إلى الحياة الفلسطينية في جريانها قبل انفجار الصراع بين العرب واليهود خلال فترة الانتداب البريطاني. الأمر نفسه نعثر عليه في رواية عبدالله تايه «قمر في بيت دراس» التي تبدأ سردها من لحظة انهيار القوات العثمانية على مشارف مدينة غزة، وعودة أحد أبناء قرية بيت دراس، الذي كان جنديًّا في الجيش العثماني، إلى قريته مهزوماً حالماً بالذهاب إلى إسطنبول مع قائده التركي. ويفعل جمال ناجي الشيء نفسه في روايته «غريب النهر» التي تحكي عن عائلة هاجرت من قرية العباسية عام 1948، والتجأت إلى منطقة غور الأردن. لكنّ الرواية تعود بنا إلى زمن العثمانيين ساردةً حكاية أحد أبناء العائلة الذي ضاع في السفر برلك وعاد أبناؤه باحثين عن جذورهم ووطنهم.

الفردوس الفلسطيني

تشترك معظم السردية الروائية الفلسطينية في تقديم مشهد الحياة المستقرة، وحياة ما قبل العاصفة، أو الفردوس أو الجنة الفلسطينية، من خلال بناء عالم يُستقى بعضه من المادة التاريخية المتوافرة، بأشكالها المختلفة، من كتابات تاريخية ومذكرات الرحالة وسير الأفراد الفلسطينيين والأجانب الذين عاشوا في تلك الفترة، بحيث يسعى الروائيون إلى تصوير مأساة الخروج والشتات والدفع العنيف باتجاه المنفى. هكذا تبدو الحياة، على رغم متاعبها اليومية وصراعاتها وهزائمها الفردية، في نصوص تعيد بناء الحياة الفلسطينية قبل صدور وعد بلفور وحلول الانتداب البريطاني محلّ الدولة العثمانية الراحلة. إنها الحياة الطبيعية التي يحياها البشر في أوطانهم التي عاش فيها أجدادهم منذ مئات السنوات. واستطاعت الرواية الفلسطينية، وبعض الروايات العربية المكتوبة عن فلسطين، أن تستعيد الحياة المتدفقة في مدن فلسطين وقراها، في سردية مضادة للمقولة الصهيونية التي تتحدث عن «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض».

ويمكن أن نعثر في هذه المرحلة على الحضور الكثيف لرمزية الخيل في عدد كبير من النصوص الروائية الفلسطينية، بدءاً من غسان كنفاني، في روايته غير المكتملة «العاشق»، وصولاً إلى روايات يحيى يخلف ورشاد أبو شاور وحسن حميد وإبراهيم نصر الله وسوزان أبو الهوى. ففي معظم هذه الروايات، يفسح الروائيون حيِّزاً واسعاً للحديث عن الخيل وبناء علاقة حميمية بين الفرس وفارسها، لتصوير المشهد الفردوسي الذي ينقطع بشدة عندما يموت الفارس أو تموت الفرس أو يتشرّد الفارس وتبقى الفرس في الأرض المتروكة.

يبني يحيى يخلف في روايته «بحيرة وراء الريح» سرديته للنكبة ومشهد الخروج على الفرس وما تعنيه بالنسبة إلى فارسها الفلسطيني، كما أنّ موت الفرس قبل اندلاع القتال بين أهل سمخ والعصابات الصهيونية يمثل نذير شؤم في الرواية. وفي المقابل، فإنّ لحاق الفرس بصاحبها بعد الرحيل يمثل إشارة لبزوغ المقاومة في صفوف الفلسطينيين المشردين في المستقبل. وقد عمل إبراهيم نصر الله في «زمن الخيول البيضاء» على وضع الفرس في بؤرة المشهد الروائي، بادئاً المشهد الأول من عمله بفرس مسروقة تعدو بسارقها وصولاً إلى قرية الهادية، وكأنها تستجير بسكان القرية من السارق.

صراع مع الانتداب البريطاني

تسجل رواية النكبة زمن الصراع مع الانتداب بعد حلول القوات البريطانية محل العثمانيين في فلسطين. ونعثر في روايتي سحر خليفة «أصل وفصل» و «حبي الأول» وإبراهيم نصر الله «زمن الخيول البيضاء» وعبد الله تايه «قمر على بيت دراس»، على سبيل المثل، على تصوير فترة الانتقال من زمن احتلال إلى زمن احتلال آخر. لكنّ الصراع مع الانتداب البريطاني وتصوير الهبّات الفلسطينية بدءاً من عام 1917، وكذلك ثورة 1936، وما بعدها من صدامات قامت بين الفلسطينيين من جهة والقوات البريطانية والعصابات الصهيونية من جهة أخرى، حاضرٌ بقوة في رواية النكبة، فهو العصب الرئيس للمادة السردية في روايات غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا وإبراهيم نصر الله وسحر خليفة ويحيى يخلف ورشاد أبو شاور وفيصل حوراني، من بين روائيين آخرين.

فالصراع مع الانتداب هو في وجهه الآخر صراع مع المشروع الصهيوني الذي كان يتهيأ للاستيلاء على فلسطين، وتهجير أهلها وإحلال المهاجرين اليهود من أوروبا ومناطق أخرى من العالم محل السكان الفلسطينيين. ويسعى المتن الروائي إلى استعادة الانتفاضات ضد الاحتلال البريطاني، وبصورة خاصة ثورة 1936، بغية إيجاد تسلسل وتفسير تاريخي لهزيمة 1948. ولتحقيق هذا الغرض، تدرج تلك الروايات عدداً من الشخصيات التاريخية الواقعية في صلب نسيجها الروائي أحياناً، أو أن شخوص تلك الروايات تشير في سردها وحواراتها إلى تلك الشخصيات التاريخية. عبدالرحيم الحاج محمد والشيخ عز الدين القسام وفوزي القاوقجي والحاج أمين الحسيني وعبد القادر الحسيني، هم شخصيات روائية في الأعمال المكتوبة عن النكبة. إن سحر خليفة تكرس في روايتيها «أصل وفصل» و «حبي الأول» مساحة واسعة لثورة 1936 والنضال ضد قوات الانتداب والعصابات الصهيونية عام 1939، كما تروي معارك عبد القادر الحسيني ضد الانتداب واليهود، مكرسةً مساحة واسعة في السرد لمعركة القسطل، واستشهاد القائد الفلسطيني، وسقوط الجزء الغربي من مدينة القدس. وفي رواية «موفيولا»، يتابع تيسير خلف رحلات الحاج أمين الحسيني إلى ألمانيا وإيطاليا طلباً للدعم من هتلر وموسوليني. ومن ثمَّ يرصد رحيله إلى القاهرة وليبيا بعد سقوط فلسطين، معتمداً في سرده على مواد وثائقية وأرشيفات شخصية وعامة. كذلك نعثر على ذكر لتلك الشخصيات التاريخية في متن السرد الروائي في معظم الروايات الفلسطينية التي كتبت عن النكبة وسقوط فلسطين، كنوع من الربط الذي يجريه الروائي بين المادة التاريخية المتوافرة وسرده الروائي التخييلي. ويفرد الروائيون مساحة واسعة من السرد لتصوير مشهد ما قبل السقوط من خلال المعارك التي دارت بين الفلسطينيين والعصابات الصهيونية، التي تميزت بالتنظيم والتخطيط الدقيقين وكثافة التسليح. إننا نعثر في روايات النكبة على وصف لمعارك حقيقية دارت بين الفلسطينيين والانتداب البريطاني والعصابات والتشكيلات العسكرية الصهيونية، كما في روايتي سحر خليفة «أصل وفصل»، التي تصور ثورة 1936، و «حبي الأول» لسحر خليفة التي تسجل المعارك التي دارت بين ثوار 1936، وكذلك معارك عبد القادر الحسيني التي خاضها لمنع سقوط القدس في أيدي اليهود.

ثمة بالطبع إدراج للوقائع التاريخية في المتن الروائي، واصطناع لمادة تخييلية حول أحداث النكبة. وتتبادل هاتان المادتان الحضور، أحياناً، والتلازم في أحيان أخرى. فإذا كانت روايتا «أصل وفصل» و «حبي الأول» تعتمدان مذكرات ويوميات كتبها أكرم زعيتر ومحمد عزت دروزة وخليل السكاكيني وقاسم الريماوي، فإن الروايات الأخرى تستخدم المعايشة الشخصية والذكريات المكتوبة أو المروية حول المعارك التي حدثت، أو أنها تسعى إلى تقديم عالم تخييلي يحاكي المادة التاريخية لكنه يعيد بناء الأمكنة والأزمنة ويؤثثها بالشخصيات التي تخدم رؤيته ومنظوره للتراجيديا الفلسطينية.

الخروج من الفردوس

تبني روايات النكبة مشهد الخروج التراجيدي من فلسطين في مواضع ومواقع جغرافية مختلفة من فلسطين، وباتجاه بلدات ومدن فلسطينية من أرض فلسطين التاريخية، أو في اتجاه شرق الأردن أو سوريا أو لبنان، أو العراق، راسمةً حدود تفكك الحياة الفلسطينية وتبعثر المواطنين الفلسطينيين إلى جهات الأرض، واللجوء والشتات اللذين لم يعنيا فقط محو فلسطين عن الخريطة بل انهيار حيوات البشر، وموتهم، وتشردهم وفقدانهم أملاكهم، وانقطاع سلسلة حياتهم.

تستعيد روايات جبرا إبراهيم جبرا: «صيادون في شارع ضيق»، و «السفينة»، و «البحث عن وليد مسعود»، في بعض فصولها ملامح الخروج من القدس الغربية، بينما تسجل روايتا يحيى يخلف «بحيرة وراء الريح» و «ماء السماء» الخروج من سمخ ومنطقة طبرية. أما رضوى عاشور في روايتها «الطنطورية» فتستعيد مذبحة الطنطورة والخروج من حيفا، ويسجل رشاد أبو شاور الخروج من قريتي ذكرين وتل الصافي في «أيام الحب والموت». ويتوقف كل من عبدالله تايه في «قمر في بيت دراس» وسوزان أبو الهوى في «الأزرق بين السماء والماء» الخروج من بيت دراس واللجوء إلى غزة.

وتستعيد أبو الهوى أيضاً حكاية الخروج من قرية عين حوض وطرد سكانها في «بينما ينام العالم»، فيما تحكي ليلاس طه الخروج من القدس في روايتها «اللوز المر»، ويصف عاطف أبو سيف مشهد سقوط يافا في روايته «الحاجة كريستينا»، كما يحكي ربعي المدهون عن الرحيل الإشكالي لبطلته الفلسطينية الأرمنية من عكا، من بين أعمال أخرى كتبها فلسطينيون وعرب.

لكنّ هذه الروايات لا تقفل المشهد على الخروج والشتات الأبدي، اللذين لا يمكن عكسهما، بل تفتح المشهد على أمل العودة والمقاومة، لأنها، في معظمها، مكتوبة انطلاقاً من رؤية أيديولوجية مقاومة، وفي زمن ينتمي بصورة عامة إلى ولادة المشروع الوطني، أي زمن ولادة الهوية الفلسطينية المعاصرة.