هل يضع ائتلاف الموالاة في البرلمان حداً لأزمة الأحزاب في مصر؟

القاهرة – رحاب عليوة، «الحياة» |

تترقب الساحة السياسية في مصر تغيرات جوهرية بتدشين حزب منبثق من ائتلاف الموالاة في البرلمان (دعم مصر)، ليصبح حزباً «للأغلبية»، لكن الخطوة التي عدها الائتلاف ضرورة لإصلاح الحياة الحزبية الراكدة في مصر، لا تخلو من تحديات عدة وتخوفات من نتائج عكسية.


ومنذ حُل الحزب الوطني الحاكم في أعقاب ثورة كانون الثاني (يناير)2011، لم يقم حزب للأغلبية في مصر، إذ ظلت الأحزاب في مجملها على هامش العملية السياسية غير ذات فاعلية حتى وهي تتجاوز الـ100 حزب؛ برز ذلك خلال الاقتراع البرلماني 2015، إذ قررت غالبية الأحزاب مقاطعة الاقتراع، ومن خاضوه (19 حزباً) عجزوا عن حصد نصف المقاعد وحازوا نحو 40 المئة فقط، فيما حاز الأكثرية المستقلون.

ولم يشغل حال الأحزاب الساحة في مصر سوى مع الاقتراع الرئاسي الأخير، بعدما وضعت الأحزاب في حرج شديد مع عجزها عن تقديم منافس قوي للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

فكان مشهد اضطراب الأحزاب لافتاً ما أن أعلن المحامي الحقوقي خالد علي انسحابه من الاقتراع (لم يكن ذا ثقل في الشارع)، وبه خلت الساحة من المرشحين قبل أيام من غلق باب الترشح. حزب «الوفد» من جهته، وهو أكبر الأحزاب في القواعد الجماهيرية وأقدمها (يحتفل بمرور 100 عام على تأسيسه في تشرين الثاني- نوفمبر المقبل) حاول إنقاذ الموقف بطرح رئيسه السيد البدوي للمنافسة، ما كان سيمثل تراجعاً عن موقفه السابق بدعم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لتولي فترة ثانية، لكن هيئته العليا رفضت ذلك، فتقدم رئيس حزب «الغد» موسى مصطفى موسى في اللحظات الأخيرة، ولم يكن موسى بالمنافس ذي الشعبية، ما انعكس على النتيجة التي حصد فيها أقل من 700 ألف صوت، بنسبة نحو 3 في المئة فقط من مجمل الأصوات الصحيحة.

هنا تحديداً أدرك السياسيون في مصر ضرورة التحرك نحو إنعاش الحياة السياسية خصوصاً وأن الاقتراع الرئاسي المقبل (2022) تحديه مضاعف، إذ ينص الدستور على تولي الرئيس فترتين فقط، ما يعني ضرورة إعداد كوادر قادرة على قيادة البلاد أو المنافسة على ذلك في غضون أربع سنوات. وعقب الاقتراع مباشرة تصدرت الساحة فكرة «اندماج الأحزاب»، والتي اقترحها السيسي في مناسبات عدة لتفعيلها، وكان التصور أن تندمج الكيانات الحزبية الكثيرة في ثلاثة كيانات ضخمة تمثل توجهات «اليمين واليسار والوسط».

لكن الأحزاب في أغلبها رفضت الفكرة، كل يسعى إلى الحفاظ على كيانه الخاص، في الوقت نفسه كان لائتلاف الموالاة والذي يترأسه رجل الأعمال ورئيس اتحاد الصناعات المصرية محمد السويدي، تصور آخر، يفرض تغييرات على الساحة، وآنذاك ستسعى الأحزاب أو كوادرها على الأقل إلى موضع قدم في الخريطة الجديدة والتي يتصدرها «حزب الأغلبية» (كيان جديد يولد بقواعده).

و «حزب الأغلبية»، وهو المصطلح نفسه الذي طرحه الائتلاف في بيان حول بحثه التحول إلى حزب، سرعان ما آثار تخوفات الكثيرين، وأعاد إلى الأذهان «الحزب الوطني» الذي سيطر على الحياة السياسية في مصر طيلة عقود، لكن رئيس الائتلاف السويدي، استدرك ذلك قائلاً في تصريحات على هامش اجتماع داخلي للائتلاف تداولتها وسائل إعلام محلية: «لا يمكن أن يستنسخ أحد تجربة سابقة ويخرج بنتيجة مختلفة... لن نكرر تجربة الوطني»، وشدد: «هدفنا دعم الدولة وليس الحكومة».

وتظل نقطة ميلاد الحزب بأغلبية الائتلاف، غير محسومة، والمقصود هنا أن يحتفظ بكتلته الحالية نفسها في البرلمان بنحو 400 نائب، وهي كتلة تمنحه أغلبية مطلقة وتمكنه من تمرير القوانين كافة بما في ذلك المكملة للدستور والتي تستوجب موافقة ثلثي الأعضاء (مجمل الأعضاء 596)، إذ تذهب المؤشرات الأولى إلى تفكك كتلته القديمة عند الميلاد المرتقب للائتلاف كحزب، وذلك أن الائتلاف يضم أحزاباً ومستقلين، وأبدى أكبر الأحزاب المنخرطة فيه «مستقبل وطن»، ويمثله في البرلمان أكثر من 50 نائباً، رفضه الاندماج في حزب «دعم مصر»، فيما أرجأ حزب «حماة وطن» (18 نائباً) الأمر لحين عرض مقترح الاندماج رسمياً عليه.

ومن ثم، فالساحة السياسية في مصر تترقب ليس فقط ميلاد حزب جديد، لكن تغيراً في خريطة التحالفات والقوى داخل البرلمان وخارجه، ذلك أن ائتلاف أو حزب (مستقبلاً) «دعم مصر» إذا انسلخت عنه بعض الأحزاب المنخرطة فيه الآن يظل قادراً على جذب آخرين حتى من بين الحزبين أسفل القبة وليس المستقلين فقط، وهذا ما حدث في اليوم التالي لإعلان بحثه التحول لحزب، إذ انضم إليه 30 نائباً بينهم أعضاء في أحزاب «الوفد» و «المصريين الأحرار»، وكلا الحزبين أعلنا رفضهما الاندماج.

وهذا يثير إشكالية «تفتيت الأحزاب»، فهل سيؤدي الحزب الوليد ذو الأغلبية القادرة على تمرير ما ترغب من قوانين وإنفاذ ما ترى من سياسات، إلى تفتيت الأحزاب القائمة بالفعل، ولو بصورة غير مباشرة، إذ قد ينجذب السياسيون إلى «الكيان الأقوى» خصوصاً وإن الايديولوجيات ليست واضحة أو مؤثرة في الساحة أخيراً؟ الواقع أن أحزاباً تتخوف بالفعل من ذلك السيناريو. وحذر نائب رئيس حزب «حماة وطن» محمد الغباشي من ربط اسم حزب الجديد بالرئيس، قائلاً: «آنذاك سيهرول جميع الحزبيين إلى ذلك الحزب وتُجرف بقية الأحزاب وتتدهور».

وبخلاف الإشكاليات السياسية، يواجه الحزب جدلية دستورية وقانونية بارزة، تتمثل في مشروعية تحول الائتلاف البرلماني إلى حزب سياسي، ومدى تأثير ذلك في صحة عضوية النواب، إذ إن الدستور نص في المادة 110 على أنه إذا فقد (النائب) أحد شروط العضوية التي انتخب على أساسها تسقط عضويته بقرار من ثلثي البرلمان، ونص القانون على أنه «يشترط لاستمرار العضوية في مجلس النواب أن يظل العضو محتفظاً بالصفة التي تم انتخابه على أساسها، فإن فقد هذه الصفة، أو غيَّر انتماءه الحزبي المنتخب على أساسه أو أصبح مستقلاً، أو صار المستقل حزبياً، تسقط عنه العضوية بقرار من مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس».

لكن رئيس مجلس النواب علي عبد العال كلف اللجنة التشريعية في البرلمان بتعديل قانون انتخاب مجلس النواب، ويُتوقع أن تعالج التعديلات الجديدة تلك المسألة. ودعت نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا السابقة تهاني الجبالي البرلمان إلى طلب استيضاح من المحكمة الدستورية العليا للنص الدستوري؛ حتى لا يتم اتخاذ قرار تنتابه شبه عدم الدستورية. وقالت الجبالي لـ «الحياة»: تحول ائتلاف برلماني لحزب هو سابقة في الحياة السياسية، ويعد إشكالية دستورية وقانونية مترتبة على أوضاع النائب أثناء الدورة البرلمانية.

ولا يعتبر أستاذ القانون الدستوري عبدلله المغازي المادة الدستورية عائقاً في وجه الائتلاف، وقال لـ «الحياة»: المادة الدستورية متعلقة بنواح أدبية أكثر منها نواح عملية، قصدت احترام الصفة الحزبية، لكنها لم تقصد القطع، فإذا قصدت ذلك لنصت صراحة على أنه لا يجوز تغيير الصفة الحزبية، غير أن المادة تركت الأمر بقرار لأغلبية ثلثي البرلمان. وأضاف: «دعم مصر» أغلبية الثلثين بالفعل ومن ثم فمن اليسير تمرير التغيير من دون تأثير في العضوية»، فيما اعتبرت الجبالي الاعتماد على الأغلبية لتمرير التعديل، قد ينتابه عوار دستوري هو الآخر لتغليب مصالح خاصة على النص، مشددة على ضرورة دراسة الأمر بتأنٍ من الناحية القانونية.

وسبق أن شهد المجلس حالات في تغيير الحالة الحزبية من دون أن تسقط عضوية الأعضاء، أبرزها عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان عماد جاد الذي استقال من حزب «المصريين الأحرار» بعدما نال عضوية البرلمان ممثلاً عنه.

في المقابل أشار المغازي إلى إشكاليات قانونية أخرى تواجه الائتلاف وهو في طريقه لتدشين حزب، منها مسمى الحزب الجديد، ففي حال خرج باسم «دعم مصر» يُوجب ذلك تغيير اسم الائتلاف داخل البرلمان وخريطته، أما إذا فضل الائتلاف الاحتفاظ باسمه كما هو فيجب حينذاك اختيار اسم آخر للحزب.

وحول التخوف من تكرار الحزب الوطني قال المغازي: «هذا تخوف صحي والتنبيه منه يجعل الائتلاف في حذر دائم»، مشيراً إلى ترحيبه بالخطوة التي يتوقع معها تنشيط الحياة الحزبية سواء عبر الحزب الجديد أو الأحزاب الأخرى التي ستنشط في منافسته، موضحاً أن ذلك المناخ في غضون 15 عاماً سيكون قادراً على تغيير وجه الحياة السياسية في مصر وترسيخ الحزبية فيها.

«الائتلاف» المصري إذ يتحول إلى حزب التواصل الجماهيري في خطوات لا تتجاوز التحدي

جزء كبير من أزمة الأحزاب في مصر يتمثل في انقطاع أواصر العلاقات مع الشارع، لا لقاءات سوى في غضون المواسم الانتخابية، آنذاك تبدأ الأحزاب العمل في نطاق الدوائر المرشحة فيها، عبر لقاءات جماهيرية غالبيتها تُنصب لها السراديق في الشوارع.

وبعد انقضاء موسم الانتخابات، يعود كل شيء إلى ما كان، حيث واديان منفصلان تماماً، النخبة بأحزابها ونقاشاتها وأطروحاتها المعقدة من جهة، والشارع ببساطته ومطالبه التي تفتقر القدرة على الصوغ سوى بمعانيها الأولى، «العيش الكريم»، من جهة أخرى.

ويتوجه ائتلاف الموالاة في البرلمان إلى تدشين حزب سياسي، يضع نفسه في فوهة اللهب مباشرة. صحيح أن الحزب المرتقب ليس صفرياً في ما يتعلق بالقواعد، إذ لديه على الأقل من ذهبوا وصوتوا له في الاقتراع البرلماني، سواء في قائمة «حب مصر» أو من اختاروا مستقلين انخرطوا في ما بعد ضمن الائتلاف، لكن ذلك لا يعني تجاوز تحدي التواصل مع الشارع، خصوصاً وأن كثيرين من بسطائه لا يكادون يعرفون شيئاً عن «دعم مصر» كائتلاف، فضلاً عن حزب مرتقب.

وكان الائتلاف توجه في نهاية العام الماضي إلى فتح مقار في محافظات عدة، ما عده محللون آنذاك إرهاصاً لتحوله إلى حزب، رغم أن الائتلاف أرجع آنذاك تدشين المقار إلى الرغبة في تدشين حلقة وصل بين «البرلمان والشارع».

لكن حلقة الوصل تلك لم تقنع الكثيرين، خصوصاً أن أعضاء الائتلاف في غضون أسابيع قليلة من الخروج إلى الشارع بمقار، ومبادرات في بعض المحافظات، بدأوا يجمعون استمارات لضمهم إلى صفوفه.

ولا يزال تجاوز تحدي القواعد الجماهيرية يحتاج إلى عمل مضنٍ، خصوصاً أن عدد مقاره لا تتجاوز العشرات على مستوى الجمهورية.