«كفرناحوم» مهارة الإيحاء بقول كل شيء وأنت لا تقول شيئاً

من «كفرناحوم» (الحياة)
إبراهيم العريس |

سؤال: ما هو أكثر شيء يشبهه فيلم اللبنانية نادين لبكي الأخير «كفرناحوم» الفائز قبل أيام بجائزة النقاد في الدورة الحادية والسبعين لمهرجان «كان» السينمائي؟

جواب: بيان انتخابي لمرشحة طيبة النيات عن مقعد في المجلس البلدي لمدينة بيروت في لائحة للمجتمع المدني كانت مدعومة من الاتحاد الأوروبي لكنها لم توفّق في الفوز. ونعرف أن لبكي كانت تلك المرشحة بالفعل، كما نذكر أنها بكت كثيراً أمام الكاميرات التلفزيونية، فهي إذ رأت مشاهدها المصورة لاحقاً وأحسّت ببعض الخجل مما فعلت، قررت أن تثأر من أهل بيروت الذين خذلوها في معركتها البلدية. ولربما كان «كفرناحوم» سلاحها في ذلك الثأر. لسنا نجزم طبعاً، لكن تأكيد هذا مغر بالنظر إلى أن الفنانة اللبنانية الشابة وسيدة المجتمع المعروفة، دنت في هذا الفيلم الثالث في مسيرتها الروائية الطويلة مما يشبه «كاتالوغ» متكامل يستعرض كل الأمراض والمنغصّات والشوائب التي يعيشها المجتمع البيروتي حتى وإن لم تسمّ المدينة باسمها. وحتى وإن لم تلتقط لها أي صور توحي بأننا في بيروت حقاً. ومع هذا تتعدد الإشارات في طول «كفرناحوم» وعرضه إلى أن مدينة التنك هذه- والتي صورتها لبكي على شاكلة تصوَّر بها مدن التنك في البرازيل («مدينة الله» لموراليس) أو الدار البيضاء («علي زاوا» الرائع، ثم «ياخيل الله» والاثنان للمغربي نبيل عيوش) أو حتى بومباي («سلامدوغ مليونير» لداني بويل) في أفلام تعرف كنوع سينمائي بـ «بورنوغرافيا البؤس»!-، هي بيروت بقضّها وقضيضها. لكن «بيروت» هذه لا تشبه بيروت إلا في مخيلة مبدع يريد أن يثأر من مدينة خيّبته!

حق المبدع وحقوق الإنسان

لكن المسألة ليست هنا تماماً. ففي الحقيقة من حق المبدع، أيّ مبدع، أن ينظر إلى موضوعه من أي زاوية يشاء. ومن حقه أن يزحم موضوعه بأي أفكار وحوادث وشخصيات وعلاقات. ولبكي ليس عليها هنا أن تشذ عن هذه القاعدة الفنية المقدسة. المشكلة ليست في صدقية الأحداث أو عدمها. المشكلة في داخل الفيلم نفسه وفي الإثارة المحيطة به وصولا الى التلقي الذي كان من نصيبه والجائزة الطيبة التي أُعطيت له. والمنطلق هنا بالنسبة إلينا فنيّ خالص: فهل نحن هنا حقا أمام مبدَع يمكن للجنة تحكيم في مهرجان كبير كـ»كان» أن تفضّله على بعض التحف التي تبارى معها وبدت علامات في تاريخ السينما، مثل فيلم نوري بلغي جيلان الجديد «شجرة الإجاص البري» أم تحفة جيا جانكي «الرماد أنقى البياض» أو حتى «الكلّ» يعرفون» لأصغر فرهادي... أو «احتراق» للي تشانغ دونغ؟ وفي الحقيقة أننا لم نذكر هنا سوى عدد قليل من أفلام شاركت في المسابقة الرسمية للمهرجان وغادرته خالية الوفاض. فيما أجمع النقاد، بشكل متفاوت بين فيلم وآخر على أن كلاً منها يستحق جائزة أكثر ألف مرة من الفيلم «اللبناني». ولكن ما العمل ونحن نعرف أنها قواعد اللعبة. اللعبة التي تبدأ من قبل العروض ومن الصعب القول أن الأبعاد الإبداعية تتحكم بها تماماً. ونعرف دائماً أنك حين تختار لجنة التحكيم تكون قد حددت الفائزين سلفاً. أو التوجه العام للنتائج بصرف النظر عن قوة الأفلام وجودتها.


وهنا إذا كنا نرى، من وجهة نظر فنية خالصة أن «كفرناحوم» فيلم لا يرقى فنياً إلى مستوى عمل لبكي الأول والبديع «كاراميل»، وليس فيه من التماسك والإيقاع ما يجعله متفوقاً حتى على فيلمها الثاني «وهلق لوين؟»، فإن ما يعزز نظرتنا هذه هو افتقار الفيلم إلى أي لحظة سينمائية كبيرة تبرره. فهو في نهاية الأمر أشبه بريبورتاج تلفزيوني عن مدينة ما وعن بؤس هذه المدينة وسكانها يتحلق- وهنا الميزة الأساسية التي عرفت لبكي كيف تشتغل عليها بشطارتها اللبنانية الواضحة- من حول صبي رائع وفي ركابه طفل من النوع الذي يكفي أن تلتقط الكاميرا صورة لنظراته حتى يذوب المتفرجون حناناً وتنهمر الدموع من المآقي. وفي يقيننا أن الفيلم لولا وجود الطفلين في كل لحظة من لحظاته، ما كان أحد ليعبأ به باستثناء مناضلي حقوق الإنسان. وبالطبع من ناحية أخرى، باستثناء لجنة تحكيم لسنا ندري شيئاً عن الثقافة السينمائية لأعضائها وإن كنا نعرف أن اثنين من هؤلاء (ديني فيلنوف وروبير غيديغيان وهما مخرجان كيبيكي وفرنسي على التوالي صوّر أولهما فيلماً عن لبنان والثاني فيلماً فيه) كان يهمهما التعبير عن حبهما لوطن الأرز، كما نعرف أن غالبية الأعضاء النساء (خمس نساء بما فيهن السيدة الرئيسة، قيل أن معظمهن مناضلات من أجل قضية المرأة)، كن يجدن لزاماً عليهن أن تعطى جائزة ما لامرأة، في عام «التحرّش» الشهير هذا (!)، ولم يكن لديهن سوى ثلاث منهن واحدة (إيفا هونسون) مُرّغ فيلمها «بنات الشمس» في التراب منذ عرضه، والثانية إيطالية أُعطيت على أي حال جائزة السيناريو مناصفة (أليس رورفاشر عن التحفة السينمائية «لازارو السعيد»). وهكذا بقي في الغربال فيلم نادين لبكي اللبناني، النسوي، والمتحدث فوق هذا عن «قضية القضايا» في أيامنا هذه، المهاجرين والأطفال، بين هموم أخرى. في الحقيقة كان إعطاء جائزة ما لهذا الفيلم آمن شيء للجنة تحكيم تريد أن تعبر عن التضامن مع البائسين والمشردين والمعنفّات والمعنّفين، والمقموعين وسكان المناطق القذرة والمتروكين دون عون والأطفال البائسين والقصّر المتزوجات قسراً، ونصف دزينة من هموم أخرى عرفت نادين لبكي كيف تجمعها من ذلك الكاتالوغ الذي أشرنا إليه أول هذا الكلام من دون أن تكون وشركاؤها في الكتابة قادرين على خلق إيقاع موحّد لحبكة تبدو في معظم الأحيان غير منطقية، وفي إخراج يفشل مرة أخرى، بعد سنوات من «هلق لوين؟» في التأكيد على أن نادين لبكي سينمائية حقيقية. لكنها لا تفشل في التأكيد على نضاليتها في مجال حقوق الإنسان حتى وإن بدت هذه النضالية محدودة، نتيجة اختيارها الميلودراما الوعظية ونتيجة لجوئها إلى تجهيل كل شيء: فبعد كل شيء من هم هؤلاء المضطهدون أطفالاً ونساءاً وربما رجالاً أيضاً؟ هل هم لبنانيون؟ سوريون؟ فلسطينيون؟ إنهم بلا أسماء وبلا هويات تماماً كالمدينة التي تحتويهم. وأكثر من هذا كالفيلم الذي احتوى كل شيء لينتهي به الأمر إلى ألا يقول أي شيء وهو يعتقد، أو يوحي بشطارة فائقة، أنه يقول كل شيء!