«سارقو الحوانيت»: الياباني كوري - إيدا صوّر السعادة العائلية من منطلق مدهش ونال السعفة

كوري - إيدا يحمل السعفة الذهبية (الحياة)
إبراهيم العريس |

عائلات كثيرة حضرت هذا العام على شاشات مهرجان كان، منها ما لا يقل عن ستة معظمها أساسي وحضر بـ «كامل» أعضائه، في المسابقة الرسمية وحدها: عائلات مفككة إنما غفلة الهوية (كما في اللبناني «كفارناحوم»- راجع مكاناً آخر في هذه الصفحة -)، عائلات دمّرها الأب ربما من دون أن يدرك ما تجنيه يداه (كما في تحفة التركي نوري بلغي جيلان الجديدة «شجرة الإجاص البري»، الفيلم الذي سحر كل محبي السينما حين عُرض في اليوم الأخير، لكنه كما يبدو لم يتمكن من لفت أنظار السيدات والسادة المحكّمين الذين يبدو أنهم لم يشاؤوا أن يرفعوا أنظارهم إلى أعلى من أنوفهم!)، وعائلات تعيش أكاذيبها ونسيانها ماضٍ لا يريد أن يمضي (عائلة بينيلوبي كروز وخافيير بارديم في «الكل يعرفون» للإيراني أصغر فرهادي). وعائلات عجائبية تعرف كيف تعبر الأحداث والأزمنة (كما في تحفة أليس رورفاشر الإيطالية «لازارو السعيد»). ولكن خاصة كان هناك العائلة «الأكثر سعادة» وتماسكاً... تلك التي عبْرها عاد الياباني المبدع هيروكاوزو كوري - إيدا إلى مواضيعه العائلية المفضلة، فتمكن- ويا لغرابة الأمر!- من أن يلفت نظر لجنة تحكيم أعطته السعفة الذهبية. وكان من شأن الفضيحة أن تكون كبيرة لو لم تفعل. فيلم السعفة الياباني إذاً عنوانه الإنكليزي- والياباني- «سارقو الحوانيت»، لكنه قُدّم بالفرنسية بعنوان أكثر حياداً هو «قضية عائلية». العنوانان على أي حال لا يفيان الفيلم حقه. فسرقة الحوانيت جزء ضئيل فقط من حبكة الفيلم. أما القضية العائلية فعنوان خادع تماماً.


بحثا عن عائلة مثالية

منذ عقد التسعينات، وكان بالكاد بلغ الثلاثين من عمره، ظهر كوري إيدا على مسرح السينما العالمية، لا سيما في المهرجانات الأوروبية، بأفلام بدأت وثائقية لتزداد روائيّتها بالتدريج، وتكاد جميعاً تدور في أجواء عائلية وتتمحور حول علاقات الصغار بالكبار أو علاقات الأول ببعضهم البعض. أو علاقة العائلة بأحداث طارئة مثل إبدال طفل بآخر في مستشفى الولادة، أو منع أم أولادها من مبارحة المنزل سنوات طويلة خوفاً عليهم. وبهذه المواضيع التي غالباً ما تبدو بالنسبة إلى مستعرضيها بسرعة، مواضيع عائلية عادية، تمكن كوري إيدا عبر أفلام مثل «بعد الحياة» (1998) و «لا أحد يعلم» (2004) أو «هانا» و «السير متواصل» (2006 و2008 على التوالي) وخاصة «الولد سر أبيه» (2013) و «بعد العاصفة» (2016)، وهي أفلام حققت له جوائز ونجاحات عديدة في «كان» وغيره، تمكن في عمق سينماه أن يطرح بقوة موضوع العلاقات العائلية في عالم اليوم، متسائلاً عمّا يكوّن العائلة: تكوينها البيولوجي أو تماسكها العاطفي. ومن هنا لم يبد غريباً أن يعود اليوم في «سارقو الحوانيت» إلى موضوعه نفسه ولكن فيما يشبه التلخيص المكثف والفلسفي لمجمل المواضيع المتعلقة التي كان طرحها في أفلامه السابقة.

أبعد من البساطة

لكن المسألة لا تبدو على مثل هذه البساطة في مجرى الفيلم. في سياق هذا العمل الذي اشتغل عليه المخرج لغةً سينمائيةً وصورةً وإدارةً للممثلين وغوصاً في الحياة الاجتماعية كما لم يفعل من قبل. فهو، بعد كل شيء، وإذ كان يرغب كما يبدو، في أن يُحمّل هذا العمل كلمته الأخيرة في هذا الموضوع الذي طويلاً ما شغل باله، عاطفيا واجتماعياً وفلسفياً، تعمّد كما يبدو أن يعطي العمل كل طاقاته الفنية فطلع من بين يديه تحفة سينمائية حقيقية، فيلما تسير خبطاته المسرحية مدهشة بل مذهلة أحياناً، حتى الخبطة الأخيرة التي تضعنا مرة واحدة، وربما من دون أن نعرف كيف، وسط سؤال السعادة العائلية التي رصدناها تحيط بحياة تلك العائلة على رغم بؤسها وصعوبات عيشها. السعادة العائلية هي تماماً ما صوّره لنا الفيلم في ثلثيه الأولين. سعادة لا يهزها الفقر ولا الخطر، ولا تعرف شيئاً من التفكك العائلي. ثم أن المخرج يكاد لا يخفي عنا شيئاً منذ البداية حين يأخذ بيدنا لنعيش مع الأفراد الستة، من مختلف الأجيال، الذين يعيشون معاً في ذلك البيت الضيق البائس الفوضوي الذي يعج بساكنيه، لكنه يعرف كيف يخلق حيزاً خاصاً- بل حميماً حتى- لكل واحد من أفراد العائلة. من الأب شيباتا أوسامو إلى الأم شيباتا نوبويو وشقيقتها الصغرى الحسناء شيباتا آكي، والصبي المراهق شيباتا شوتو والجدة العجوز شيباتا هاتسوي، إضافة أخيراً إلى الطفلة التي تنضم متأخرة إلى «العائلة» إلى درجة ستجعل لها اسماً مختلفاً هو يوري هوجو. والحقيقة أننا حين نتعرف إلى طفلة السابعة هذه إذ تنضم إلى العائلة، سرعان ما يدهشنا إندماجها مع الآخرين بعد فترة تردد تلي العثور عليها بردانة جائعة بائسة على شرفة ما، سيتبين لاحقاً أنه بيت أهلها الأصليين الذين سترفض أن تعود إليهم، مفضلة تلك السعادة العائلية التي هبطت عليها كالنعيم ذات ليلة مثلجة، حين يلتقيها الأب وابنه وهما عائدان من «عملهما» اليومي الذي يؤمن لهما عيشهما: سرقة المتاجر!

الحقيقة المدهشة

إذا ستعرف الطفلة يوري سعادة عائلية كانت تفتقر إليها. لكنها لن تعرف إلا بعد زمن أن حالها ليست استثنائية داخل هذه العائلة التي لن ندرك، نحن المتفرجون، إلا في دقائق الفيلم الأخيرة حقيقتها (وهنا نفتح هلالين لننصح قراءنا الذين يريدون أن يشاهدوا الفيلم بألا يكملوا القراءة هنا، لأن معرفة مجريات الحكاية سيفقدهم لذة متابعة هذا الفيلم المشوق!). لقد أشرنا سابقاً أن كوري إيدا يواصل في هذا الفيلم سبره للمسألة العائلية. ولكن من خلال عائلة ستبدو لنا في نهاية الأمر استثنائية. فهل نقول: ستبدو لنا عائلة غير بيولوجية ركّبتها الظروف الاجتماعية واللقاءات غير المتوقعة والتحايل على القانون، وخرق المألوف الاجتماعي، وصولاً إلى كل ما لا يتناسب مع المواثيق الاجتماعية؟ لن نستطرد هنا كثيراً تاركين القارئ ليكتشف الحقائق بنفسه حين يتحول متفرجاً. لكننا نشير على أي حال إلى أن الفيلم سرعان ما يرمي إلينا بإشارات مرتبكة تريد أن تقول ولا تقول. أن تفصح ولا تفصح. وهذا ينتمي إلى نوع من التشويق السيناريستي الذي يمكن اعتباره هنا درساً كبيراً في فن الكتابة السينمائية، حيث يتضافر الإيحاء مع التصريح في دعوة واضحة إلى المتفرج كي يجعل من نفسه جزءاً من اللعبة، بل حتى جزءاً من «العائلة». ولئن كان «انضمام» الطفلة يوري إلى هذه الأخيرة لا يكشف لنا أياً من أسرار الفيلم حتى وإن قُدّم كحدث يطرأ من خارج الإطار العائلي في ليلة ميلادية موحية، ويتضافر مع نفور الصبي من «أخته» الجديدة، كما يحدث عادة في الإطار العائلي حين يولد للأسرة طفل جديد يثير غيرة سابقه، فإن اكتشافنا العمل الذي تمارسه الصبية الحسناء التي يفترض أنها أخت ربة البيت، سيوقعنا في الحيرة: إنها تعمل في الجنس عبر التلفون. وعملها المربح هذا لا يثير أي استغراب داخل العائلة، إسوة بالطعام الذي يتم الحصول عليه من سرقة الحوانيت بواسطة الأب والابن المتعاونين خلال السرقة فيغطي أحدهما الآخر ثم يهربان بالغنيمة.

المتفرج متواطئاً رغماً عنه

بيد أن الإشارات السيناريستية والإخراجية سرعان ما تتكاثر متراكمة حتى من دون أن تدفع المتفرجين، الذين ربما كانوا في تلك الأثناء قد تحولوا إلى متواطئين تسلّيهم بل تطربهم هذه الحياة التي يعيشها أفراد العائلة، لا سيما حين يقيّض لهم أن يقوموا بنزهة بحرية معاً، تعكس عن حق وحقيق مقدار السعادة التي ينعمون بها في ظل تلك الحياة الغريبة التي يعيشون. ثم لاحقاً حين تموت الجدة هادئة مطمئنة إلى مصير ابنها وعائلته، قد يثور شيء من الاستغراب حين تتواطأ العائلة لدفن جثمان الراحلة داخل البيت بدلاً من إيجاد قبر لها. والحال أن هذا الحدث يأتي هنا ليعزز من الإحساس بهامشية العائلة، لا الإحساس بأن ثمة في الأمر ما هو خارج عن المنطق والحسّ السليم. أما هذا الإحساس الأخير فإن الفيلم يتركه لدقائقه الأخيرة. أي لما بعد نهاية تشبه بداية الفيلم، حيث يؤدي حادث صغير إلى انكشاف ما يقترفه الأب والابن من سرقات في المتجر.

وهكذا إذ يلحق الحراس بالصبي في شوارع المدينة ويصاب هذا الأخير إصابة بالغة وهو يقفز هرباً منهما ويُنقل إلى المستشفى، يكون الوقت قد حان لتدخّل الشرطة في الأمر... وبالتالي لانكشاف أسرار تلك العائلة وعودة كل شيء إلى مكانه الطبيعيّ غير باق من تلك السعادة العائلية التي عشناها مع أولئك الأفراد طوال زمن الفيلم، سوى تلك الصورة الملتقطة عند البحر تشي بأعلى درجات التضامن والحب والدعة، حتى وإن كان الصبي سيفاجئنا وهو راقد على سريره بالمستشفى بقوله لأبيه» أنه تعمّد أصلاً أن يكشف أمام الحراس ما يفعله ويهرب أمامهم كي يضع حداً لذلك كله!.

حسنا... قد يكون في انتهاء الفيلم على تلك الشاكلة شيء من الوعظ والزعم، بأن هذه الحياة ليست سوى حياة هامشية غير ممكنة وأن ليس في الإمكان خرق المواثيق الاجتماعية إلى درجة لا يمكن للخطوط الحمر تحملها. ولكن، في أثناء ذلك كان المخرج/ الكاتب قد قال كلمته وقدّم واحداً من أكثر الأفلام سعادة في السينما الحديثة، وبالتأكيد من خلال رسمه على مدى ساعة ونصف الساعة تقريباً صورة لعائلة اختارت أفرادها وحياتها بنفسها واختارت مهنتها وعيشها على سجيّتها. صحيح أنها في النهاية قد دفعت الثمن غالياً. بيد أن الفيلم قال لنا على أي حال إن ما دُفع ثمنه كان يستحق تلك التضحية!