الأصولية بين برنارد لويس وإدوارد سعيد

الكاتب والناقد والأكاديمي الفلسطيني إدوارد سعيد. (تويتر)
محمد عبدالرحمن عريف |

بداية يجب الاعتراف بأن تأثير برنارد لويس يمتد إلى ما وراء العمل الأكاديمي، ليبلغ الناس. فهو باحث رائد في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي الشرق أوسطي، ومعروف ببحوثه الشاملة في الأرشيف العثماني. ابتدأ مهامه البحثية بدراسة عرب القرون الوسطى، لا سيما تاريخ السوريين. ولكنه اضطر لتغيير اختصاصه بعد اندلاع الصراع العربي الإسرائيلي واتجه إلى الدراسات التركية نتيجة منع معظم الدول العربية من دخوله إلى أراضيها للدراسة والبحث التاريخي لأنه يهودي. وعدت محاضرته الأولى التي كرست للنقابات المهنية لدى مسلمي القرون الوسطى العمل الأكثر اعتماداً عليه لما يناهز الثلاثين سنة.


لقد عُرِفَ برنارد لويس بنقاشاته الأدبية مع المنظر الأدبي الأميركي ذو الأصول الفلسطينية إدوارد سعيد، وقد هدف سعيد إلى تفكيك ما أطلق عليه الدراسات الاستشراقية. اعتبر إدوارد سعيد الذي كان أستاذاً في جامعة كولومبيا النيويوركية أعمال لويس بأنها مثال أولي على الاستشراق في كتابه «استشراق» الذي يعود لعام 1978 وكتابه «تغطية الإسلام».

الواقع أن إدورد سعيد اعتبر أن مجال الدراسات الاستشراقية كان ممارسات ثقافية سياسية تحوّرت بصور التأكيد الذاتي وليس الدراسة الموضوعية، وزاد عليه أن اعتبرها ضرباً من ضروب العنصرية وأداةً للهيمنة الاستعمارية. وشكك سعيد في الحيادية العلمية إزاء العالم العربي لبعض وليس جميع الباحثين المختصين بمنطقة الشرق الأوسط وكان منهم لويس.

سبق ولمّح إدوارد سعيد في مقابلة له مع «الأهرام» الأسبوعية إلى اعتبار معرفة لويس بالمنطقة بأنها منحازة إلى درجة أنه لا يستطيع أخذها على محمل الجد، وأدعى قائلاً «لم تطأ قدم برنارد لويس الشرق الأوسط والعالم العربي لمدة أربعين عاماً. يخبرونني أنه يعلم أشياءً عن تركيا ولا يعلمُ شيئاً أبداً عن العالم العربي». واعتبر سعيد أن قرينه لويس يعامل الإسلام بصفته كياناً ووحدة واحدة متناغمة دون حدٍ أدنى من التعددية والديناميكيات الداخلية لهذا الدين، وتعقيداته التاريخية، كما واتهمه «بالغوغائية والجهل الصريح».

ما حدث هو أنه سبق وأطل إدوارد سعيد، في شجاعته، وبعد مقدمة مستفيضة عن تاريخ الإسلام وصراع أوروبا معه بادئ الأمر، يقول إن 11 أيلول (سبتمبر) أيقظ في أميركا وأحيا جميع الكليشهات المسطحة والسخيفة دفعة واحدة. وقد ناسب ذلك كثيراً الأكاديميين المؤيدين لإسرائيل، خصوصاً أولئك الذين تبنوا فكرة «صراع الحضارات» التي أثارها صامويل هانتنغتون العام 1993. غير أن أحداً لم يدرك أن هذا العنوان الذي أصبح أشهر العناوين السياسية في العقد الماضي مأخوذ من مقال وضعه عام 1990 لويس تحت عنوان «جذور الغضب الإسلامي». وقد جاء لويس إلى أميركا في السبعينات وجند على الفور كمقاتل في الحرب الباردة، حيث استخدم تدريبه التقليدي كمستشرق في قضايا أبعد مدى كان هدفها صنع صورة أيديولوجية للإسلام والعرب، تناسب التيارات المؤيدة للصهيونية والإمبريالية في سياسة أميركا الخارجية.

يتابع بقوله «الإسلام الذي يقدمه لويس يتكرر لكنه لا يتغير حيث الميل إلى العنف والحنق ومعاداة الحداثة، وخصوصاً إسلام العرب المنغلقين المنشغلين بأنفسهم دون سواها والغارقين في تجارة الرق». وبعد 11 أيلول (سبتمبر) وجد لويس أمامه منابر كثيرة. سواء في الصحافة المكتوبة، أو في البرامج التلفزيونية تطلب «شهاداته». وآراءه في الأسباب والدوافع. وتحولت معظم تلك البرامج، كما يقول إدورد سعيد، إلى منتدى يردد فيه لويس سخرياته ودعاباته وقصصه عن التخلف الإسلامي. بسبب ذلك كله، يؤكد سعيد، أصبح كتاب لويس «أين وقع الخطأ» بين الكتب الأكثر مبيعاً. «إنه يلبي رغبة لدى الكثير من الأميركيين، إذ يؤكد لهم لماذا هاجمهم الإسلام بمثل هذا العنف والتعمد في 11 أيلول ؟، ولماذا يجب مقاومة أخطاء الإسلام؟».

يقول سعيد «أما الخطأ الحقيقي، فهو في كتاب لويس «هذه الكارثة الثقافية والأخلاقية» يرتكبها أكاديمي مدع، لا تجربة مباشرة له مع الإسلام على الإطلاق «تجتر ويكرر أنصاف الحقائق الاستشراقية، أو أقل من نصف الحقائق». يكتفي لويس في الحديث عن بليون مسلم حول العالم بالاستناد إلى بعض المراجع التركية وعدد قليل جداً من المصادر العربية أو الأوروبية، لكي ينطلق منها إلى رسم حقائقه المطلقة التي يريد أن يملأ بها رؤوس النخب الغربية وخصوصاً الأميركية. تتحرك في إدوارد سعيد حمية الأستاذ الجامعي ليقول إن «المرء لا يسمح حتى لطالب في السنوات الأولى بأن يكتب بمثل هذه الخفة» الخالية من الإسناد والتوثيق والمراجع. «لا يتوقف لويس عن اجترار جهله ولا عن تغذيته».

هنا يقتطف إدورد سعيد مقاطع من الكتاب المذكور، كدليل على ذلك. ويقول «يخطر لي أن لويس كان نائماً عندما كتب بعض هذه المقاطع، وقد تعرضت إلى كل هذه التفاصيل لأعطي فكرة سريعة عن القمامة التي يتألف منها كتاب لويس، فهو بدل أن يجعل دأبه درس الحضارات وعناصرها يحول المسلمين إلى شعب عدو يجب النظر إليهم جماعياً بالاحتقار والتوبيخ. ومثل هذا العمل لا علاقة له بالمعرفة أو بالتفهم، ويجب صرفه فوراً على أنه مجهود لدفع القراء الأبرياء نحو التفكير في الإسلام على أنه شيء يجب الحكم عليه بقسوة وعدم محبته وبالتالي الحذر منه».

هنا يجب ألا ننسى أن لويس هو صاحب أول مخطط مكتوب ومدعم بالخرائط لتقسيم المنطقة، حيث وضعه في عام 1980 في أعقاب تصريحات أدلى بها مستشار الأمن القومي الأميركي بريجيسينكي، قال فيها إن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة من الآن فصاعداً هي كيف ستسعر نيران حرب خليجية ثانية، تستطيع من خلالها تصحيح حدود سايكس- بيكو في المنطقة. في هذه اللحظة كلفت وزارة الدفاع الأميركية لويس شخصياً لوضع مخطط التقسيم، ومنذ هذا الحين وهو مدرج على رأس السياسات المستقبلية للولايات الأمريكية المتحدة. وجاء في هذا المخطط تقسيم 18 دولة عربية إلى مجموعة دويلات صغيرة تعيش إلى جانب دولة إسرائيل الكبرى.

سمعنا سابقاً عن هذا المخطط، وربما كان هذا هو الحال الأقرب إلى حال منطقة الشرق الأوسط، عندما تتردد من حين لآخر تسريبات حول المساعي الغربية بقيادة الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي لتنفيذ مخطط لتقسيم المنطقة إلى عدة دويلات صغيرة وضعيفة على أساس عرقي وطائفي ومذهبي، في سبيل تحقيق حلم دولة إسرائيل الكبرى، والسيطرة على الأماكن الغنية بالنفط والثروات الطبيعية. وقد تجددت خيوط هذا الحديث سابقاً عندما نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» خريطة تظهر فيها خمس دول في الشرق الأوسط وقد قسمت إلى 14 دولة وفقاً لاعتبارات قبلية وطائفية.

الواقع أن الخرائط أظهرت تقسيم سورية إلى ثلاث دويلات، هي: دويلة للعلويين على الساحل، ودويلة كردية في الشمال، ودويلة للسنة. والسعودية تم تمزيقها وتفكيكها إلى خمس دويلات، شمالية، وشرقية شيعية، والحجاز، وجنوبية إسماعيلية، ودويلة الوهابية في الوسط، وتم تقسيم اليمن إلى دويلتين: شمال، وجنوب، وتقسيم ليبيا إلى ثلاث دويلات.

حتى لا يفسدوا عملية التنفيذ تعمدت «نيويورك تايمز» إخفاء خريطة تقسيم مصر والسودان، ولكن الخريطة سربت من قبل وقتلت شرحاً وتفسيراً. فخريطة برنارد لويس تشير إلى تقسيم مصر إلى أربع دول هي: مسيحية في الصحراء الغربية وعاصمتها الإسكندرية، ونوبية في الجنوب، وإسلامية في الدلتا، وسيناء والصحراء الشرقية التي سيتم ضمها إلى إسرائيل الكبرى.

اعتمد لويس في التقسيم على الطوائف والأعراق والمذاهب، وكان الغرض من التقسيم هو مزيد من التفتيت حتى لا تكون للمسلمين دولة واحدة كبيرة أو قوية. وبالنظر لهذه الخرائط الآن نجد تفسيراً لكل ما يجري خلال العقدين الأخيرين، ونفهم لماذا تستخدم أميركا الأقليات والطوائف في العالم الإسلامي ضد الأغلبيات، وإثارة القلاقل للوصول إلى الهدف النهائي وهو تفتيت المنطقة.

رحل لويس الذي قال عنه المؤرخ الأميركي جول بنين من جامعة ستانفورد والمختص بدراسات الشرق الأوسط، إنه «لربما أكثر مناصري الصهيونية المتعلمين ذوي اللسان المبين في الأوساط الأكاديمية المعنية بالدراسات الشرق الأوسطية في قارة أميركا الشمالية». ويبقى أنه كان لاستشارات لويس تأثيرها الملحوظ بفضل سلطانه العلمي بمجاله البحثي. فقال عنه نائب الرئيس ديك تشيني: «إن صانعي السياسة والدبلوماسيين وأقرانه من الأكاديميين والإعلام الجديد يسعون يومياً إلى حكمته في هذا القرن الجديد».