حول جدل المصطلح وتأثيره في الممارسة الإعلامية العربية وغرف الأخبار

إبراهيم الصياد * |

تفرض الحاجة إلى تأصيل المصطلحات الإعلامية- معنى ولغة- نفسها على العمل الإعلامي؛ السمعي والبصري تحديداً، على أمل ترسيخ إطار مرجعي في هذا الصدد. ومن مظاهر هذه القضية أن إدارة العمل اليومي في الاستديوات وغرف تحرير الأخبار، تتم بمفردات إنكليزية (زووم، توتال، بان، كلوز...). وأنا شخصياً، أميل إلى استخدام تلك المفردات، لأنها تسهل التواصل بين أطراف المنتج الإعلامي، مقارنة بما إذا ترجمناها إلى اللغة العربية. ونلاحظ مثلاً أن كلمة «الإعلامي» بمعنى الشخص وليس الصفة ربما تختلف حتى الآن في دلالتها المهنية من دولة عربية إلى أخرى. في مصر يعرف الإعلامي بأنه كل من يعمل في مجال الإعلام المتصل بوسيطي الإذاعة والتلفزيون، في حين أن دولة مثل تونس تعتبر الإعلامي صحافياً، حتى أن من حق المذيع أو المحرر أو المراسل أن يكون عضواً في نقابة الصحافيين. وهو ما دعا الإذاعيين والتلفزيونيين في مصر إلى السعي نحو إنشاء نقابة خاصة بهم منفصلة عن نقابة الصحافيين التي تضم في عضويتها العاملين في الصحافة المكتوبة. وهذا جعل البعض يقع في خطأ شائع وهو أن كلمة «ميديا» Media تعني الإعلام السمعي والبصري فقط! ولا تشمل الصحافة الورقية والإلكترونية.


والواقع أن المفهوم ينصرف إلى المؤسسة أو الهيئة الإعلامية، وليس الشخص القائم بالرسالة الإعلامية. إذن عندما نتحدث عن مصطلح «ميديا»، فإننا نقصد به قناة تلفزيونية أو شبكة إذاعية أو جريدة مطبوعة أو موقعاً إلكترونياً. إن قصر المفهوم يعد خطأ لغوياً ومهنياً وقانونياً، ويقود إلى مأزق يتمثل في اختلاف يحدث بين المتخصصين في ترجمة كلمة «إعلامي» من اللغة العربية إلى اللغة الإنكليزية، إذ لا يوجد مرادف لها يدل على الشخص وليس الصفة، فهي عندنا اختراع للتفرقة بين مَن يعمل في الصحافة الورقية ومَن يعمل في الإذاعة والتلفزيون، كما أسلفنا. ويلاحظ أن جميع مَن يعملون في وسائل الإعلام يسمون صحافيين. بعبارة أخرى: إن المسمى الوظيفي واحدٌ، وتختلف طبيعة الوسيط الإعلامي أو الميديا. وحتى نخرج من هذه الإشكالية، نرى أن من الأفضل في الإعلام السمعي البصري تسمية العاملين وفقاً لطبيعة عمل كل منهم، بمعنى مذيع ومخرج ومراسل ومصور ومحرر ومعد ومُنتِج. فالواقع العملي في الإذاعة والتلفزيون يقسم الوظائف إلى أعمال برامجية وأخرى فنية أو تقنية، وهو مختلف عن العمل في الصحف، سواء كانت ورقية أو إلكترونية.

وتواجه نقابة الإعلاميين في مصر، والتي لم تمارس دورها بعد، إشكالية التسمية، لأن من الضروري، ترجمة مسمى النقابة الوليدة إلى اللغة الإنكليزية، حتى لا يضل منا المعنى. ولن يتحقق ذلك إلا إذا اتفقنا على تعريف مسمى الإعلامي (الشخص وليس الصفة) وفي تصوري أن مسمى صحافي هو الأقرب إلى المعنى الذي يمكن أن يتفق عليه الجميع، أو هكذا نتمنى.

وقد تعامل الكثيرون مع الكلمة على اعتبار أنها صفة لعمل يتصل بالإعلام بما فيها الصحافة المكتوبة، بينما في مصر تعتبر كلمة صحافي، خاصة بالإعلام المطبوع Printed Media رغم أنها تشمل جميع مَن يعملون في المهن الإعلامية. وفي الوقت نفسه فإن كلمة إعلامي تنسحب أيضاً على الصحافي.

وعليه نقترح تغيير مسمى «نقابة الإعلاميين» إلى مسمى آخر، مثل نقابة الإذاعيين والتلفزيونيين، وهو يتفق ونص القانون.

وبالتالي نقترح تسمية النقابة باللغة الإنجليزية Syndicate of Radio TV Journalists ، أو Broadcast Media Journalists Syndicate .

ويمكن في المستقبل تكوين اتحاد نقابات المهن الإعلامية ليضم نقابتي الصحافيين والإذاعيين والتلفزيونيين، على غرار اتحاد نقابات المهن الفنية، وأعتقد أن الموضوع يحتاج بعض الوقت لفتح حوار متخصص في شأنه، نظراً إلى أنه يتطلب موافقة الحكومة والبرلمان، وذلك أفضل من إعلان النقابة في شكل قد يُطعَن فيه أمام القضاء. وهناك إشكالية تواجه العاملين في غرف تحرير الأخبار، وهي تأثير التقيد بقيمة الحيادية أو النزاهة Impartiality أو عدمها، على استخدام المصطلحات السياسية في الصياغة الصحافية. ومثال ذلك كلمة لها استخدام واحد تكتب بأكثر من مسمى «فدائي، إرهابي، مسلح»، ويمكن تفسير اللجوء إلى إحدى هذه المسميات بأن الكاتب يصيغ من منطلق أيديولوجي، فيستخدم المسمى الأول أو الثاني. أما إذا كان يكتب من منطلق محايد، فإنه يستخدم المسمى الثالث. خلاصة القول، إن جدل الخلافات الفكرية في شأن المصطلحات الإعلامية لن ينتهي، لكن الذي لا خلاف عليه هو أنه لا بد من وجود حد أدنى من الالتزام بالقواعد والقيم المهنية في إعلامنا العربي.

* كاتب مصري