صورة شباب مصر بين عفو رئاسي وحظر سياسي

القاهرة - أمينة خيري |

قال برلماني مصري إن العفو الرئاسي عن 332 شاباً ورجلاً من المحبوسين سيزيد حلقة الثقة بين الدولة والشباب. وقال ائتلاف «دعم مصر» صاحب الغالبية البرلمانية إن قرار الرئيس الإفراج عن دفعة جديدة من المحبوسين يؤكد انحيازه الدائم إلى الشباب وتبني مطالبهم، وأنه يأتي للرد على المزايدين في ملف الحريات في مصر والمتاجرين بقضايا الشباب المصري. وأشار الائتلاف إلى أن قرار العفو يعكس استمرار سياسة الرئيس في فتح قنوات حوار مع الشباب.


عبارات البحث على الشبكة العنكبوتية والتي تحوي كلمتي «العفو» و «الرئاسي» كثيرة جداً، ويبدو أن الباحثين والباحثات مهتمون ومهتمات بـ «العفو الرئاسي اليوم» و «العفو الرئاسي 2018» و «آخر أخبار العفو الرئاسي» و «أسماء الشباب في العفو الرئاسي» و «استمارة العفو الرئاسي» و «موقع لجنة العفو الرئاسي» و «عنوان لجنة العفو الرئاسي» و «العفو الرئاسي القائمة الرابعة».

القائمة الرابعة انتظرها أهالي المحبوسين بشغف، وتعامل معها البعض بصلف، وانتهزها آخرون فرصة للبحث في أسباب وعوامل ابتعاد قطاعات عريضة من الشباب والشابات عن معترك السياسية وعزوفهم عن الإدلاء بدلوهم، أو المطالبة بحقهم، أو حتى الانخراط في الأحزاب التي تأسست بناء على طلبهم.

وبناء على طلب ومن ثم قرار من الدولة، فإن ممارسة العمل السياسي أو الحزبي أو الدعائي في داخل الجامعات أمر غير مسموح به. صحيح أن غض الطرف عن تحويل غالبية الجامعات المصرية ساحات لنشر الفكر الإخواني والسلفي والتكفيري على مدار العقود الماضية، أدى إلى تحول الجامعات مراكز تسويق للأفكار الظلامية وأيديولوجيات القرون الوسطى، إلا أنه كان الوسيلة شبه الوحيدة التي مكنت قطاعات من الشباب من التعبير السياسي والمشاركة ولو بالمعرفة والاطلاع، وهو الاطلاع الذي اجتاز مرحلة المتابعة والمشاهدة إلى المشاركة والحراك بفضل الشبكة العنكبوتية.

لكن الحراك العنكبوتي الذي وصل إلى أوجه بتأجج ثورة كانون الثاني (يناير)2011، وساهم في تسيير دفة الأحداث والحوادث بعدها بصعود جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم، ثم سقوطها عقب ثورة شعبية في 2013، ثم تقوقعها وانكماشها إلى أدنى مستوياتها حالياً في ضوء تضييق وتحجيم يحتم معرفة الإطار الذي تضع فيه الدولة الشباب. أستاذة العلوم السياسية الدكتورة نادين سيكا تشير في بحث لها عنوانه «المشاركة المدنية والسياسية الشبابية في مصر» (2016)، إلى أن السلطات عادة تضع إطارات ثابتة للشباب تحكم تصوراتهم عن هذه الفئة وتملي طريقة تعاملهم معهم. «تحت حكم مبارك، تم الترويج لفكرة أن الشباب عناصر إنتاجية مهمة من أجل تحقيق التقدم لمصر. لكن سياساته الاقتصادية فشلت في دمج أعداد متزايدة من قوة العمل الشبابية، وهي القوة الآخذة في التضخم العددي. لكن الأمر تطور، وأصبحت السلطات والدولة ترى الشباب مشكلة اجتماعية وعرضة للتأثر إما بالراديكالية الدينية أو الثقافات الغربية أو العولمة».

وتضيف سيكا أنه في الوقت نفسه، كانت الأجيال الأكبر سناً تحت حكم مبارك تعتبر فئة الشباب ضحايا الغزو الثقافي الغربي ومنظومة العولمة. وأفرطت هذه الأجيال في النظر إلى الشباب نظرة لا تخرج عن الإطار الأخلاقي، فهم فئة تتميز بالأنانية وترجيح كفة الملذات، ومتعاطية للمخدرات. هذه الأجيال لطالما اعتبرت هذه الميول لدى الشباب تأثراً ساذجاً بالثقافات الواردة، ما استوجب تعاملاً أبوياً قائماً على حماية الصغار ووعظهم وإرشادهم لأنهم لا يفقهون من أمرهم شيئاً».

وتمضي سيكا مستعرضة نظرة الدولة من جهة والكبار من جهة أخرى إلى الشباب في أعقاب «ثورة يناير». ففي البداية طغى اتجاه للاعتراف بقيمة الشباب وأهمية ما فعلوه لإحداث التغيير، وإن ظهرت بين الحين والآخر نبرات– سواء رسمية أم شعبية– تتطرق إلى «سذاجة» أو «مثالية» أو «عنجهية» الشباب الذين يريدون إحداث التغيير لكن دون وعي أو خبرة أو ممارسة كافية.

ومع قدوم الرئيس السيسي إلى الحكم، أشار مرات عدة إلى أهمية الشباب ودورهم الكبير في ثورة كانون الثاني (يناير) وإحداث التغيير ورفع الظلم، طالباً منهم العمل «معه» من أجل إعادة بناء الوطن.

ويبدو أن نبرة الأبوية تصاعدت بشدة في مصر في السنوات القليلة الماضية، وذلك بعد ما شعر كثيرون– لا سيما من الأجيال الأكبر سناً- أن «الشباب لبسوهم في حيطة». هكذا عبر سليمان صادق (52 عاماً موظف) عن شعوره تجاه الشباب المصري «الغاوي سياسة»! يقول: «صدقت ثورة يناير وتعلقت بآمال التغيير والإصلاح وآمنت بالشباب. لكن تهورهم وتصورهم إمكان التغيير بجرة قلم كادا يؤديان إلى تفتت مصر تماماً. واليوم حين يفتي أحدهم بأنه ينبغي عمل كذا، ويجب ترك كذا، أطالبه بأن يغلق فمه تماماً وينتظر إلى أن يصبح رجلاً أو سيدة ذات خبرة حقيقية وليس خبرة عنكبوتية قبل أن يتكلم».

ما يفعله صادق هو ما يفعله ملايين غيره بالإضافة إلى الدولة. فالشباب قوة هائلة وقدرة طاغية وفرص ذهبية وقدرات كامنة لكن يجب إرشادها وتوجيهها واستخدام العصا إن لزم.

عصا التخويف الخفي من الحراك السياسي أو الترهيب غير المباشر من التعبير أو التفزيع المموه من إبداء الرأي، لا سيما إن كان سابحاً ضد التيار كثيراً ما يأتي بثماره. وإحدى هذه الثمار هي العزوف والفتور والبرود كوسيلة دفاعية لأخطار قد تكون قائمة.

قائمة العفو الرئاسي الرابعة تضم أسماء شباب انخرطوا في عمل سياسي أو تعبير أيديولوجــــي، اعتبرته الدولة غير جائز أو يعرض كيانها للخطر أو يتسبب في إثارة فتنة أو شغب. (وهناك كذلك أشخاص مثل صبري نخنوخ الذي أدين في إحدى أشهر قضايا حيازة الأسلحة في عام 2012، والذي كان يلقب بـ «أسطورة البلطجة»، حيث لم يترك مجالاً للبلطجة إلا وطرقه).

ردود فعل الشباب أنفسهم على قوائم العفو تتباين تبايناً شديداً، وهو ما يعكس الكثير مما يجـــول في دوائرهم من أفكار ومواقف. فهناك من يراهــــا خطوة بالغة الإيجابية ورسالة سلام من الدولــــة إلى الشباب الغاضب من تعرض البعض للمــساءلة والتوقيف بسبب ممارسات سياسية. والبعض الآخر لم يكن يعرف من الأصل أن هناك قوائـــم من الشباب المحبوسين لأسباب تتعلق بمشاركة سياسية. فريق ثالث يراها وسيلة دعايـــة جيدة إذ يتم توقيف شباب بسبب مواقف سياسية باليمين ثم إطلاق سراحهم باليسار، لتصب المنفعة في مصلحة النظام السياسي. تقول زينة سمير (20 عاماً) إن الدولة لا تطيق أي مظهر من مظاهر المشاركة أو الحراك أو التعبير السياسي طالما حاد عن توجه الدولة، بما في ذلك طرق التعبير الساخرة. وتضيف إنها فرحت لصدور قائمة جديدة من قوائم العفو لكنها تضع يدها على قلبها خوفاً من أن يتم استبدال مواقعهم الشاغرة في أماكن الحبس بقادمين جدد. وتضيف ضاحكة: «الشباب المصري شباب قياسي. يشم رائحة الرسائل السياسية المرسلة له ويتصرف على أساسها من دون صخب».

يشار إلى أنه تم القبض على أحد مراسلي برنامج «أبلة فاهيتا» الساخر واسمه شادي أبو زيد قبل أيام، ووجهت إليه نيابة أمن الدولة العليا اتهام الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة ومنع سلطات الدولة ومؤسساتها من القيام بدورها. وواجهت النيابة المتهم بالأحراز المضبوطة وهي: منشورات وأقنعة ولافتات مسيئة لمؤسسات الدولة وتدعو إلى التحريض ضدها وزجاجات خمور وأوقية ذكرية.

ويشار إلى أن أبو زيد والممثل الشاب أحمد مالك كانا نزلا إلى ميدان التحرير في أثناء الاحتفال بعيد الشرطة/ ذكرى ثورة كانون الثاني 2016، وذلك بعد ما صور أبو زيد فيديو وهو ينفخ واقيات ذكرية وكأنها بالونات، واستغل عدم معرفة أفراد الشرطة في ميدان التحرير، ووزعها عليهم بعد ما كتب عليها: «من شباب مصر للشرطة في عيد 25 يناير».

الطريف أن خبر القبض على أبو زيد جذب تعليقات عدة من المتابعين للمواقع الخبرية، تراوحت بين «ها هي الدولة القمعية تعود» و«أحسن يستاهل عيل تافه» و«مين أبو زيد ده؟!».