مدّرسون يشترون الصمت تجنباً لإثارة طلابهم

كيبيك - «الحياة» |

ثمة علاقة ملتبسة بين طلاب بعض المعاهد الكيبكية في كندا ما قبل المرحلة الجامعية CEGEPS وأساتذتهم. فهؤلاء كانوا يتجنبون التعرض لأي قضية قد تثير الجدل مع طلابهم، لا سيما إذا تعلقت بمسألة دينية أو اجتماعية أو ثقافية أو عرقية أو جنسية أو غيرها، ويؤثرون حيالها الصمت انطلاقاً مما يسمونه «الرقابة الذاتية» المثيرة للجدل، والتي تعد سابقة في تاريخ النظام التعليمي الكندي.


خلفيات دينية

ترى جريدة «لو دوفوار» المونتريالية التي أجرت أخيراً تحقيقاً واسعاً عن مفهوم الرقابة الذاتية أن «مرد التوترات بين الأساتذة وطلابهم في سيجيب ميزونوف، يعود الى خلفيات دينية ويستند الى وقائع حقيقية». فمعلمو التربية البدنية كانوا «يتذرعون» بأن يؤدي ارتداء الحجاب أثناء الرياضة إلى إصابة إحدى الطالبات بأذى. أو يمكن أن يخفي سماعات الرأس أثناء الامتحانات أو أن يخلف إشكالات عدائية في قسم الأغذية الذي يحتوي على لحم الخنزير والكحول أو في تحديد مكان للصلاة وزمانها أو غير ذلك من المسائل الخلافية.

«العيش معاً»

ويؤكد تقرير «العيش معاً» الذي نشر عام 2016 بعد اكتشاف خلية إرهابية من طلاب ميزونوف، أن العلاقة بين المعلمين وطلابهم لم تكن تخلو سابقاً من «التوتر والقلق». ويذكر «أن المشكلة في السيجيب المذكور كانت «مزدوجة»: 7000 طالب وطالبة نصفهم يتحدر من أصول مهاجرة من أبناء الجيلين الأول والثاني، ومعلمون اعتمدوا لسنوات خلت مبدأ «الرقابة الذاتية» او «النأي بالنفس» وفق التعبير اللبناني.

ويضيف: «فالمعلمون لم يستطيعوا في كثير من الحالات أبداء رأي مغاير لطلابهم، خشية تعرضهم لمضايقات أو لاتهامات بالكراهية أو بالعنصرية. وكانوا في هذه الحالات يطبقون مبدأ (اشتري السلام – j,achete la paix) حتى وإن لم يكن التهديد حقيقياً».

ويذكر التقرير أيضاً أن «أي شكل من أشكال احترام الذات بين الأساتذة وطلابهم من ذوي «الأقليات المنظورة « كان مفقوداً في الحرم المدرسي. فهؤلاء الأخيرون شكلوا عام 2016، تاريخ اكتشاف الخلية الراديكالية، نحو 13 في المئة من زملائهم الكيبيكيين.

شهادات

يقول حبيب الحاج (لبناني كندي- أستاذ جامعي في علم الاجتماع وباحث في المسائل المتصلة بالتعددية الثقافية والدينية والمواطنة، ومسؤول عن ملف الحوار بين الثقافات في سيجيب روزمون، وعضو في مركز الأبحاث الكندي) لـ «الحياة» إن «مصطلح الرقابة الذاتية للأساتذة لا يعني وقوفهم على الحياد، أو تجنب الخوض مع الطلاب في أي من المسائل المتعلقة بالديانة والهجرة والعرق والجنس والبطالة والعمل».

ويضيف:» وحين تطرح مثل هذه الأمور، ليس المطلوب أن يلتزم المعلمون الصمت، وإنما أن يشاركوا طلابهم النقاش وأن يصغوا إليهم ويحترموا آراءهم ويتجنبوا أي انفعال أو استفزاز أو مس بأي معتقد ديني أو ثقافي أو اجتماعي».

ويرى الحاج أن عدم التزام الأساتذة هذه الأدبيات من جهة وشراءهم الصمت بأي ثمن من جهة أخرى، أديا في شكل أو آخر إلى انتشار الأفكاار الراديكالية وتراكمها لسنوات وتشكيل خلية ميزونوف الإرهابية، مشيراً إلى أن المسائل الخلافية أياً تكن يمكن مناقشتها في ندوات او محاضرات داخل الحرم التعليمي أو خارجه. أما زميله غي غيبو، مدير الدراسات في معهد ميزونوف (وأحد المؤلفين الثلاثة لتقرير «العيش معاً») فيلفت الى تفاجئه بمصطلح الرقابة الذاتية للمعلمين. وهي سابقة لم يرها من قبل. ويضيف: «إما قولهم إن هذا الأمر لا يعنيني، أو من الأفضل شراء السلام مقدماً، فهذا تصرف لا يليق بهم».

تسوية «العيش معاً»

بعـــد نشر تقرير «العيش معاً» تبددت على ما يبدو، في سيجـــيب ميزونوف الإشكالات التي نشأت في السنوات الأخيرة. وتـــرافق ذلك مع تخصيص حكومة كيبك نحو 400 ألف دولار لتعييـــــن اختصــــاصيين في تنظيــــم العلاقات بين الطلاب والمعلمين وإعــادة ترميمها بغية إزالة أيـــة إشكالية على خلفيات عرقية أو دينــــية أو ثقافيــة. كما أعلنت وزيرة التعليم العالي هيلين دايفيد، عن تخصـــيص مبلـــغ إضافي قدره 300 ألف دولار لمساعدة الجامعات والمعاهد الأخرى على تبني مشروع مماثل لـ «العيش معاً» .