في اقتران «المقاومة» بالثورات المضادة

ماجد الشيخ |

لكل مقاومة، مطلق مقاومة، مهمات محددة تنتهي بتحقيق وإنجاز ما قامت من أجله من أهداف، لتعيد «أماناتها» للدولة، من قبيل ما حصل أثناء الاحتلال النازي لفرنسا واحتلالات أخرى مشابهة عبر العالم، وفي واقعنا العربي والفلسطيني تحديداً، وفي زمن كان للفظ المقاومة هيبة القداسة، كما كان لفعلها الأثر الخالد، وعودة الروح إلى جسد المكونات المجتمعية في بلاد أنهكتها النكبات والنكسات والهزائم والقمع المستشري، والأنظمة السلطوية التي شجعت على اتباع إرث التقليد والغلبة، ونشر ثقافة التسييد والعبيد، تسييد السلطة وتخليد ذاتها وكأنها ستعيش إلى الأبد، تحت نير من عبودية المحتلين الطامعين بالغنائم والثروات، وفي ظل انتخابات زائفة وقوانين دستورية يتفنن السلطويون والمحتلون في إرسائها هنا أو هناك أو هنالك، وبما يضمن ديمومة الحال في ظل أسوأ الأحوال.


«مقاومة» اليوم التي تشجع عليها أنظمة الميليشيا، كما وميليشيات الأنظمة السلطوية، لم تعد بنصاعة مقاومة الأمس، التي تسامت عن نوازع الانقسامات الطائفية والمذهبية، فيما نحن نرى اليوم، وبلا خجل أو وجل «تقديساً مضافاً» لـ «مقاومة» ذات نوازع وظائفية يجري استثمارها لبلوغ أهداف قوموية، يجري تركيبها وتحيينها مع نزعات واصطفافات طائفية، ذات نزوع مذهبي لم يعد يخفي انحيازاته لخارج إقليمي، ينحاز بدوره لمصالح إمبراطورية، يجري تغليفها بألفاظ شعارية عن «مقاومة» أسفرت عن وجهها، وإذ هي في المحصلة النهائية، ليست أكثر من تكرار تقليدي لإرث وتراث سلطة الطغيان والاستبداد، وهي توظف مجتمعات الناس المتمذهبين وتستثمرهم لمصلحة مشروع قوموي طائفي مذهبي، يروم استعادة إمبراطوريته التي سادت يوماً، وقد بادت بفعل تفككها وتحللها، رغم «فوزها» بأراض شعوب وقوميات أخرى، جرى إلحاقها وتتبيعها بسلطة «ملك الملوك» أي (الشاهنشاه) التي تداورت السلطة حتى اطاحة الشاه الأخير عام 1979، وفي إيران المعاصرة أراد حكم الملالي أن يستمر في ابتلاع كل المناطق التي حازتها إيران القديمة بشعوبها وقومياتها وحتى مسمياتها، من قبيل المنافحة عن تسمية «الخليج الفارسي» ونفي صلته بالجغرافيا العربية.

وهكذا استمر ويستمر حكم الملالي في الجور على شعوب وقوميات وقمع تطلعاتها ومقاومتها الحقيقية، باسم مقاومة نظام وأتباعه من ميليشيات مذهبية، تسعى للإطاحة بالدولة في بلدانها، ومعاداة مكوناتها المجتمعية والدينية الطائفية، بأمل إقامة هلال إمبراطوري ترعاه سلطة «الولي الفقيه»، تتقاسم هي ودول الهيمنة الامبريالية النفوذ والسيطرة في منطقة قوس الأزمات الشرق أوسطي، وصولاً إلى شرق البحر المتوسط، حيث خسر الكثير من بلدان المنطقة منطق الدولة فيها، وذلك على مذبح «شرق أوسط جديد»، يجرب فيه «مقاومو» الإقليم إلى جانب إمبرياليي العولمة المتوحشة ومن لف لفهم، كل فنونهم في الهيمنة وتقاسم المصالح والمغانم وإغراءات إعادة البناء، بعد حفلات التدمير والخراب، كما جرى في العراق على أيدي احتلالين أميركي وإيراني، ورث الثاني الأول فيه، وصولاً إلى سورية، حيث استبدلت سلطة النظام فيها روسيا إلى جانب إيران، كمحتلين ضمن مهامهما الأبرز: إنقاذ سلطة النظام أولاً أو أخيراً، لا يهم، إلى جانب خدمة مصالحهما الأبرز في المنطقة: عودة النفوذ الروسي إقليمياً ودولياً، وتحصيل جزء من نفوذ إقليمي لمصلحة نظام الملالي، يعينه في وصل «طريق الحرير الإيراني» الواصل بين طهران مروراً بالعراق وصولاً إلى سورية ولبنان.

أما الحديث عن مقاومة إسرائيل والعداء لهذا الكيان العدواني الفاشي، فهو ليس أكثر من تنظير ديماغوجي وأيديولوجي، قد لا يصح ولن يصح، حتى في ظل رمي صواريخ قيل أنها إيرانية، رداً على هجمات صاروخية وجوية إسرائيلية ضد قواعد إيرانية في سورية، جرى التنصل منها إيرانياً ونسبتها لقوات النظام السوري، وإلى هنا وعلى خلفية هذا التبرير كان وقف التصعيد سيد المرحلة، فارتاحت إسرائيل وأراحت البعض، ولكنها لم ترح أحداً ممن يعاديها قولاً وفعلاً.

لهذا وفي صورة التوظيف والاستثمار ذي الهدف الإمبراطوري القوموي لـ «المقاومة»، تكمن حدود القوة التي يجري التشدق بها ليس ضد عدو ظاهر ومعروف، بل ضد دواخل مجتمعية ودولتية في بلادنا، يراد إطاحتها والانتصار لمنطق ديكتاتورية الملالي ومشاريعهم المذهبية، فماذا يبقي هؤلاء للمقاومة الحقيقية، سوى تشويهها لمصلحة منطق ميليشياوي يعادي الدولة/ الدول القائمة، والفوز في معركة تحطيم الوعي وإضعافه في مواجهة عدو كولونيالي استيطاني استعماري لسنا نستهين به، وكذا لن نستهين بمقاومته الواجبة الوجود، حتى لا يختلط حابل المقاومة بنابل الثورات المضادة، وقواها المعادية قضايا شعوبنا ومجتمعاتنا ودولنا.

* كاتب فلسطيني