«باب الأحلام، نظرة رمزية» ... روائع من القرنين 19 و20

منزل غوستاف كايبوت حيث يقام المعرض (كنالبلوغ)
باريس - أوراس زيباوي |

تحافظ فرنسا على بيوت الكتّاب والفنانين بعد رحيلهم وتحولها في أحيان كثيرة إلى متاحف أو مراكز للنشاطات الثقافية. تلك حال منزل الفنان غوستاف كايبوت (1890-1848) الذي يقع في بلدة يير التي تبعد عشرين كيلومتراً عن باريس.


ارتبط اسم كايبوت بالحركة الانطباعية وكان مجدِداً في أسلوبه ومواضيعه مركزاً على المواضيع المستوحاة من مشاهداته للحياة اليومية في باريس، كما في لوحة «شارع باريسي في يوم ممطر» التي أنجزها عام 1877 وهي من مجموعة متحف شيكاغو اليوم. وكان كايبوت ينتمي إلى أسرة ثرية اقتنت منزلاً فخماً مع حديقة شاسعة في بلدة يير للاستراحة من ضغوط المدينة والتمتع بالطبيعة خلال فصل الصيف. وفي أحضان هذه الطبيعة أنجز ثمانين لوحة موزعة اليوم على عدد من المتاحف في فرنسا وخارجها.

ولأهمية هذا المنزل من الناحية المعمارية تقررت إعادة ترميمه مع الحفاظ على أجوائه الأصلية التي تختصر أسلوب حياة الأثرياء الفرنسيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد استغرقت أعمال الترميم عشرين عاماً وطاولت الحديقة الشاسعة التي تتحول كل عام إلى عرس للأزهار والنباتات. وصارت تقام فيها المعارض في الهواء الطلق كما حصل عام 2015 عندما أقيم بينالي النحت الحديث والمعاصر بمشاركة نحاتين مكرسين ومن جنسيات مختلفة.

ضمن هذا التوجه العام وتحت عنوان «باب الأحلام، نظرة رمزية» يقام حالياً معرض يختصر مناخات ما يطلق عليه نقاد الفن اسم المدرسة الرمزية، وهو يضم مجموعة كبيرة من اللوحات والرسوم والمنحوتات التي أنجزت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين لفنانين فرنسيين وأوروبيين. ولا بد من الإشارة إلى أن عنوان المعرض مأخوذ من عنوان كتاب للأديب الفرنسي الراحل مارسيل شووب الذي كان قريباً بكتاباته من الرمزية.

يجمع بين الأعمال المعروضة، على رغم تنوع أساليبها الفنية، التعبير عن الوجدانيات والروحانيات بعيداً عن تحولات الأزمنة الحديثة وما حملته الثورة الصناعية والتطورات التقنية والعلمية من تغيّرات أساسية في المجتمعات الغربية.

وكما يبين المعرض ابتعد الفنانون عن هموم عصرهم وعادوا إلى القرون الماضية يستوحون من أساطيرها وآلهتها حيث مشاهد الطبيعة السحرية والنساء الغامضات والصمت الذي يلف الأمكنة. هنا يجري البحث عن الأبعاد الروحية والميتافيزيقية الكامنة في الطبيعة، وبعض هذه الأعمال كان له تأثير على الفنانين السورياليين في القرن العشرين لما فيها من غرابة.

وللروائع الأدبية الكلاسيكية حضور في المعرض كما مع الفنان البلجيكي هنري دو غرو الذي أنجز سلسلة من اللوحات المستوحاة من «الكوميديا الإلهية» للشاعر الإيطالي دانتي استغرق إنجازها سنوات عدة، ومن الأعمال المعروضة واحدة تمثل نزول دانتي وفيرجيل إلى الجحيم.

من اللوحات إلى المنحوتات، ومنها واحدة للنحاتة الفرنسية كميل كلوديل، شقيقة الأديب بول كلوديل، وتلميذة النحات رودان وعشيقته. والمنحوتة تمثل رجلاً وامرأة متعانقين وهما يرقصان، وهي تعكس موهبتها الفذة هي التي عانت في حياتها من الإهمال والنسيان والاضطرابات النفسية حتى أنها أودعت لثلاثين عاماً في مصح عقلي. وعاشت في العتمة الكاملة، على حد تعبيرها، وقد أعيد اكتشاف موهبتها في السنوات الأخيرة وافتتح العام الماضي متحف بكامله مخصص لها في ضواحي باريس.

تحوُّل منزل كايبوت إلى فضاء ثقافي، مفتوح على الثقافة والفنّ والطبيعة، يضاف اليوم إلى الفضاءات الثقافية الكثيرة على امتداد الأراضي الفرنسية والتي جعلت لفرنسا في العالم خصوصية لا تضاهيها فيها دولة أخرى في العالم. وهي هذه الخصوصية بالذات، إضافة إلى موروثها العمراني والجمالي والتاريخي بصورة عامة، ما جعلها قبلة السياح الآتين إليها من كلّ أنحاء العالم.