العمل الصيفي أبعد من الكسب المادي: تجارب شباب لاختبار المعلومات والانخراط في سوق العمل

معرض لفرص العمل في مونتريال (الحياة)
كيبك - علي حويلي |

فصل الصيف له نكهة خاصة لدى شريحة كبيرة من الطلاب الجامعيين والمهنيين في كندا. فهو، خلافاً لما هو شائع في البلدان العربية، ليس فرصة للراحة بعد عناء الدرس أو للتمتع بمباهج الحياة أو للهو العبثي، أو وقتاً ضائعاً أو فراغاً مملاً، إنما هو تحضير واستعداد عن سابق تصور وتصميم، لعمل منتج آخر، يشق طريقه الى اسواق العمل.


بتعبير اوضح للعمل الصيفي قيمة نوعية وحوافز معنوية لا تقف عند حدود المادة، بل تتخطاها الى ما هو أسمى، إلى اختبار الذات والمعلومات والمهارات المكتسبة خلال الأعوام الدراسية حيث يضع الشباب اللبنة الأولى في مدماك مستقبلهم الواعد. وهذه هي ميزة الأنظمة التعليمية الراقية التي تعد طلابها للعلم والحياة، ويرسم المسؤولون فيها إستراتيجيات وطنية عامة تستهدف بناء الإنسان، وإنماء مؤسسات المجتمع المدني الإنتاجية والخدماتية، الحكومية منها والخاصة، ذلك ان التحدي القائم اليوم يكمن في تخريج منتجين للعمل بدل الباحثين عنه في السراب، وفي تحويل التربية إلى نمط استثماري يسوّق للمعارف والخبرات في عالم شديد التغير والتنوع والمنافسة. ولا غرو إذا ما استهل الإعلان العالمي للتعليم العالي والمهني في مقدمته مثل هذا التناغم والتكامل بين العمل والتربية كإحدى أبرز التحديات الكبرى في عصر العولمة.

وفقاً لهذه المقاييس تنتهج الدول الغربية المتطورة سياسات اجتماعية - اقتصادية لاستثمار ما لديها من طاقات شبابية وتوظيفها تباعاً في اسواق العمل تلبية لحاجات البلاد والعباد واستمراراً في عملية الإنتاج. ففي فترة الصيف يلجأ عادة آلاف العمال والموظفين في القطاعات الحكومية والخاصة الى الانقطاع عن أعمالهم للاستفادة من العطلة السنوية المشروعة. ففي كندا يغطي العمل الصيفي نسبة تتراوح بين 15 و30 في المئة من مجمل العملية الإنتاجية في البلاد. والتجربة الكندية في هذا المجال عريقة تعود إلى ثلاثين سنة خلت. بدأت كندا تطبيق برامج العمل الصيفي منذ العام 1969 اذ تخصص الحكومة اكثر من 360 مكتباً للعمل الطالبي وترصد لها الموازنات الضخمة بمعدل 2 بليون دولار سنوياً علاوة على ما توفره من برامج الإعداد والتدريب والتأهيل المهني واللغوي عبر مراكزها المنتشرة في طول البلاد وعرضها وشبكات الإنترنت وبنوك المعلومات المتوافرة في دوائر النشاطات الشبابية أو في إطار البلديات التي تؤمن بدورها خدمات مماثلة.

وفي هذا الإطار أيضاً تزود الكليات الجامعية والمعاهد المهنية والثانويات الطلاب في نهاية كل عام دراسي بمجموعات كبيرة من اللوائح والمستندات والوثائق والمعلومات والكتيبات حول فرص العمل المتاحة إضافة إلى ما تنشره الصحف اليومية وجرائد الأحياء والمناطق الأسبوعية، كما تخصص الحكومة مراكز اجتماعية يشرف عليها اختصاصيون لتدريب الشباب والشابات على الأصول والقواعد الواجب اتباعها باتجاه سوق العمل بدءاً من تجهيز البطاقة الذاتية C.V التي تتضمن نبذة مختصرة عن إمكاناتهم العلمية والمهنية وخبراتهم المكتسبة، إلى المقابلة الشخصية مع رب العمل التي تتطلب تكتيكاً وأسلوباً مرناً لا يخلو من الحذاقة أثناء التخاطب والتعامل معه إذ إن مثل هذه الأمور تشكل الخطوة الرئيسية على طريق العمل.

وإلى ذلك تسخّر الدولة العديد من مراكز التطوع لإعداد وتدريب الراغبين على أجهزة الكومبيوتر الذين تتراوح أعدادهم كل عام بين 2000 و5000 طالب يمكنهم الاستفادة من فرص عمل ثمينة في أقسام السكريتاريا وإدخال المعلومات والمحاسبة وغير ذلك من الوظائف الإدارية. «شباب اليوم عمال الغد»: انطلاقاً من هذا الشعار الذي تلتزم به الحكومة الكندية في سعيها الدؤوب لاستقطاب العدد الأكبر من الطلاب وتوظيفهم في مختلف مرافقها العامة والخاصة، تضع في سبيل ذلك مجموعة من البرامج التأهيلية بالتعاون مع بعض المؤسسات الأخرى بما يتناسب مع اختصاصات الطلاب وميولهم ورغباتهم. ومن أهم تلك البرامج:

- إستراتيجية عمل الشباب

يتضمن هذا البرنامج خطة عمل أعدتها الحكومة بالتعاون مع بعض المؤسسات الخاصة والنقابات والمعامل والجمعيات الإتنية ذات النشاطات الشبابية لإعداد الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و25 سنة، وتدريبهم على بعض المهارات الفنية التي تحتاجها تلك المرافق. هذه الإستراتيجية القائمة على توأمة العمل والتربية هي ذات فائدة مشتركة بين الدولة والمؤسسات الخاصة اذ تسمح لهذه الأخيرة باستمرار وتيرة الإنتاج بشكل طبيعي من جهة وتخفيف الأعباء المالية عن الحكومة وانخفاض معدلات البطالة من جهة أخرى. فقد أشارت إحصاءات Jeunesse canada إلى تأمين 1500 وظيفة لشباب جامعيين توزعوا على دوائر الأرشيف والمؤسسات الثقافية والدينية والشبابية بمعدل عمل يتراوح بين 8 و12 أسبوعاً، وإلى 450 فرصة عمل أخرى في المرافق السياحية والأثرية والتاريخية. وعلى غرار الحكومة تقوم البلديات، كل في نطاقها الجغرافي، كل عام بتعيين ما لا يقل عن 200 شاب وشابة للعمل في المرافق العائدة إليها كمراقبين في الحدائق العامة أو مشرفين Sauveteurs على أحواض السباحة أو مدربين للألعاب الرياضية أو عمال للقيام بغرس الزهور وسقايتها وتشذيبها. كما ان مراكز الشرطة تختار كل عام عدداً من الطلاب الثانويين من صفي الرابع والخامس حوالى 20 شرطياً من كل مدرسة للعمل كشرطيين جوالين على دراجات هوائية فيتوزعون على المناطق التي تشهد تجمعات عامة في الحدائق والمنتزهات وأحواض السباحة والمهرجانات للحفاظ على الأمن وتنظيم محاضر ضبط بالمخالفين.

- مؤسسة Boulo للمتفوقين

هي مؤسسة حكومية تهتم بتأهيل المتفوقين Genie في اختصاصاتهم العلمية والتكنولوجية وفق برنامج مشترك بين إدارات الجامعات والمؤسسات المختصة بهذين الحقلين. وقد تم استخدام ما يزيد على 19 ألف طالب جامعي في عموم كندا خلال الأعوام القليلة الماضية.

- مؤسسات طالبية مستقلة

تمنح المؤسسة الكندية للتنمية وبنك التنمية الكندي الطلاب الراغبين في إنشاء مؤسسة مستقلة خلال فصل الصيف قرضاً مقداره ثلاثة آلاف دولار على أن يعيدوا هذا المبلغ في أوائل تشرين الأول من كل عام وذلك ضمن الشروط التالية:

- أن يكون طالب القرض كندياً لا يقل عمره عن 18 سنة.

- أن يعد مشروعاً مفصلاً عن كامل أوضاع المؤسسة.

- أن تتوافر فيه شروط العمل القانونية.

وتكمن أهمية هذه المبادرة، علاوة على ما قد توفره من مردود مالي، انها تمنح القائمين بها خبرة السوق وتضعهم على طريق الاحتراف التجاري والعمل الحر.

- التعاونيات الطالبية

بعيداً من أية مشاركة حكومية، يلجأ بعض الشباب من الطلاب العرب وغير العرب الذين تتراوح اعمارهم بين 15 و25 سنة، الى تشكيل تعاونيات مستقلة لا يتعدى عدد أفرادها العشرين، وتتمتع بهيكلية تنظيمية كمجلس إدارة ولجان متخصصة وآليات عمل تقوم على مبدأ المشاركة الديموقراطية وروح المسؤولية الجماعية. هذه التعاونيات تعتبر بمثابة بنك للمعلومات والخدمات في الأحياء والمناطق حيث تنحصر أعمالها عادة بتوزيع الإعلانات للشركات الكبرى وأعمال الصيانة داخل المنازل وخارجها وقص الأعشاب في الحدائق العامة والخاصة وتنظيف زجاج الأبنية والمحال التجارية ودهان البيوت ونقل أثاث المنازل طيلة تموز (يوليو) من كل عام وغسيل السيارات في محطات الوقود وتفسيح الكلاب وحضانة الصغار والمسنين. يشار إلى أن هذا النوع من التعاونيات يدل على مدى نضوج فكرة العمل الجماعي المنظم والديموقراطي بين الطلاب الذين ينخرطون باكراً في تجارة السوق ويشكلون جزءاً منه ويدخلون في علاقة تنافسية مع مؤسساته.

ولئن يتفق الجميع في هذه «المدرسة المهنية» على أهمية مردودها المالي فإنهم يختلفون في أوجه إنفاقه. فمنهم من يسعى إلى تأمين أقساطه ولوازمه المدرسية للعام المقبل، ومنهم من يود شراء ما يعجز الأهل عن شرائه له، ومنهم من يأمل بتكوين رصيد مالي في أحد البنوك لاستخدامه وقت الحاجة.

- مكاتب العمل الزراعية

وإلى جانب مؤسسات العمل الصيفي ذات الطابع التقني والمهني والإداري، يوجد العديد من مكاتب العمل الزراعية الخاصة بموسم القطاف الصيفي الذي يكاد ينحصر بقطاف التفاح والفراولة والخضار على أنواعها. ويستثمر أصحاب المزارع جهود آلاف العمال من طلاب وغيرهم ومن مختلف المستويات والأعمار والإتنيات بأجور متدنية اجمالاً لا تتعدى حصيلتها اليومية 30 دولاراً.

ومهما يكن من أمر تبقى التجربة الكندية مثالاً يحتذى لجهة التوأمة بين نظام العمالة والنظام التربوي اللذين ينعم في ظلهما الإنسان بحقوقه في العلم والعمل والحياة ويطمئن فيهما إلى حاضره ومستقبله.