استطلاع لآراء الشباب العربي: مسارات خطأ قد تعيدنا إلى الأولويات القديمة

القاهرة – أمينة خيري |

لمناسبة مرور نحو عقد كامل على ظهور بوادر الرغبة في التغيير وبزوغ مؤشرات إلى القدرة على إحداث هذا التغيير، وذلك على أيادي قطاعات شبابية عدة في عدد من الدول العربية، وهي البوادر والمؤشرات التي «نزلت على ما فيش» أو بمعنى آخر أدت إلى صفر نتائج، وفي سياق آخر نتائج بالسالب، يستحق الشباب العربي وقفة تأملية لقياس ما جرى على مدار عقد.


«عقد من الآمال والمخاوف» عنوان استطلاع رأي على عينة تمثيلية لـ200 مليون شاب وشابة من العرب تجريه سنويًا «أصداء بيرسون-مارستيلر» (شركة استشارات العلاقات العامة) كشف هذا العام أن 55 في المئة يرون أن منطقة الشرق الأوسط انحرفت إلى مسار خطأ خلال العقد الماضي، بينما يرى 40 في المئة منهم أن المنطقة سلكت المسار الصحيح.

البيانات الواردة في الاستطلاع تشير إلى أن الغالبية المطلقة من الشباب العربي تؤمن بأن المنطقة برمتها سارت عكس الاتجاه. وعلى رغم ذلك، ظهرت تباينات حادة في تفاصيل هذه النتيجة، ربما تعكس الانقسام الأيديولوجي الحاد الذي كشفت عنه رياح الربيع العربي التي ضربت دولاً عدة. فـ89 في المئة من الشباب في لبنان، و88 في المئة في الأردن، و83 في المئة من الشباب الفلسطيني تحدثوا عن السير العكسي. إلا أن شباب شمال أفريقيا كانوا أكثر انقسامًا، حيث قال 49 في المئة أن الاتجاه خطأ، في حين رأى 46 في المئة أن الاتجاه سليم. وفي منطقة الخليج، آمن 57 في المئة من الشباب بصحة الاتجاه في حين رأى 34 في المئة أنه كان عكسيًا.

وعكس الاتجاه السائد بشكل لا تخطئه عين قبل سبع سنوات، وقت طغت على دول الربيع العربي مشاعر يقينية أن القادم أحسن وأن إسقاط الأنظمة هو السبيل المثالي لمستقبل أفضل، فإنه وبعد مرور سبع سنوات عجاف تفتت هذه الكتلة وتشرذمت الأحلام الكبرى وبات البعض يتغنى بأنه ليس في الإمكان أحسن مما كان قبل هبوب رياح الربيع.

وقد تربع كل من «داعش» والربيع العربي على قائمة التطورات الأكثر تأثيرًا على المنطقة خلال العقد الماضي، وفق ما قال الشباب. وفيما رأت الغالبية المطلقة (88 في المئة) أن «داعش» أثر سلبًا في المنطقة، قال أربعة في المئة إن ظهور «داعش» أثر إيجابًا في المنطقة العربية! أما إرث الربيع العربي فقد رأى ما يزيد على نصف الشباب أن هذه الثورات التي أشعلوها قبل سبع سنوات أثرت سلبًا في المنطقة برمتها. وأظهر نحو خمس الشباب تمسكًا بإيجابية الربيع على المنطقة. وانقسمت آراء الشباب في الدول الأكثر تأثرًا بالربيع حول انعكاساته، فقال نحو 52 في المئة من الشباب في مصر ونصف شباب اليمن وتونس أن الآثار سلبية، في حين قال 42 في المئة من الشباب في ليبي أن الآثار إيجابية.

الاستطلاع هذا العام شمل 18 دولة عربية هي: مصر والسعودية والإمارات والكويت والبحرين وعمان والأردن وتونس وليبيا وقطر واليمن والعراق ولبنان وفلسطين والجزائر والمغرب. وتربعت نتيجة أن الغالبية المطلقة من الشاب العربي ترى في هيمنة «داعش» والربيع العربي على العقد الماضي سببًا رئيسيًا في انزلاق المنطقة بعيدًا عن مسارها الطبيعي على رأس قائمة النتائج العشر التي خرح بها الاستطلاع. ورأى الشباب أن الخروج بالمنطقة من الوضع الحالي البالغ الصعوبة ولا يمر إلا من خلال إجراءات حتمية أهمها الوظائف والتعليم ومكافحة الفساد ومحاربة الإرهاب، وعلى رغم ذلك كان هناك إجماع على أن هزيمة «داعش» أمر حتمي وحادث لا محالة.

ورأت الغالبية في ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان قائدًا شابًا قويًا قادرًا على رسم ملامح إيجابية للمستقبل. كما كان لقرار السماح للمرأة السعودية بقيادة السيارات وقع إيجابي كبير لدى غالبية الشباب وإن رأوا ضرورة أن تلي هذا القرار سلسلة إجراءات أخرى تعمل على تعزيز وضع المرأة العربية.

وعلى صعيد السياسات الخارجية والتحالفات الأجنبية، وجد الاستطلاع أن نسبة متزايدة من الشباب العربي باتت ترى في الولايات المتحدة الأميركية عدوًا وفي روسيا حليفًا. وتربعت الإمارات العربية المتحدة على رأس قائمة الدول التي يراها الشباب العربي وجهة مفضلة وقدوة يحبون أن تقتدي بها بلدانهم.

وعلى صعيدي الإعلام والعصر الرقمي، فإن النسبة الأكبر من الشباب وجدت في «ســـي إن إن» المصدر الخبري الأكثر صدقـــية وفي «الجزيرة» الأكثر تضليلاً، وإن أجمعوا على أن وسائل التواصل الاجتـــماعي هي المصدر الأول للأخبار. كما أن الثورة الرقـــمية تحفز الجيل الجديد من رواد الأعمال العرب على دخول قطاع التكنولوجيا، لا سيما في ظل الآفاق الواسعة التي يفتحها أمام المنطقة. والنتيجة الأخيرة والقاسية هي أن الشباب في دول شرق المــتوسط يهيمن على نظرتهم المستقبلية قدر كبير من التشاؤم مقارنة بأقرانهم في شمال أفريقيا ودول الخليج.

يقول الصحافي والمعلق السياسي الأردني أسامة الشريف ضمن التقرير الصادر عن الاستطلاع أنه «ما من منطقة في العالم العربي عانت خلال العقدين الماضيين أكثر من شرق المتوسط؛ فقد ذاقت شعوب هذه المنطقة – التي تضم العراق، وسورية، ولبنان، والأردن، والأراضي الفلسطينية – لوعة الغزوات الأجنبية والفتن الطائفية والثورات. وخلال ذلك، وقف العالم يتفرج على المنطقة وهي تفقد الكثير من تنوعها الثقافي والديني والعرقي، وتاريخها الأثري الغني، وإمكاناتها البشرية الكبيرة، عدا عن بلايين الدولارات التي خسرتها جراء غياب التنمية الاقتصادية».

ويشير إلى أن «هذا اليأس بين الشباب يعبر عن مستقبل منطقة مهمة ولكن مضطربة من العالم العربي، وهو يجسد مآلات ما يسمى «الربيع العربي» الذي انطلقت شرارته الأولى على يد شباب محرومين قبل أن تختطفه زمر من الانتهازيين بدوافع أيديولوجية. لقد كان الشباب العربي في أغلب بلدان شرق المتوسط ينشدون العدالة الاجتماعية والاقتصادية ويحلمون بنظام سياسي منصف. أرادوا مستقبلاً يستطيعون فيه الحصول على وظيفة والتمتع بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي».

لكن النظرة التشاؤمية بناء على واقع أليم لا تخلو من رؤية منطقية لمستقبل يحمل بارقة أمل. يقول زميل معهد الشؤون الخارجية في جامعة جون هوبكنز الأميركية أفشين مولافي إن الغالبية العظمى من الشباب العربي تنبذ الجماعات الإرهابية مثل «داعش»، وتطالب بمزيد من الشفافية والمساءلة للحكومات. كما يريد الشباب أيضاً الحصول على وظائف، وإصلاح أنظمة التعليم، والبحث عن الفرص.

ويضيف: «هم يفضلون البقاء في أوطانهم والمشاركة في بنائها على مغادرتها. هم ببساطة يريدون الأمل والعيش بكرامة».

العيش بكرامة يقف على الشاطئ المقابل للبطالة. ولا تزال البطالة الشبابية العربية مشكلة عصية على الحل. عشية الثورات العربية، كان معدل البطالة بين شباب الشرق المتوسط وشمال أفريقيا هو الأعلى في العالم بنسبة تقارب 25 في المئة وفي عام 2018، وبعد سبع سنوات من التغييرات الجوهرية والتحولات الجيوسياسية المتسارعة، شيء واحد فقط بقي على حاله وهو معدل بطالة ما زال يقف عند 25 في المئة. ويرى مولافي أنه وعلى مر السنوات العشر الماضية، أخفقت الحكومات العربية إلى حد كبير في إنجاز مطلب مواجهة البطالة.

مواجهة البطالة حتمية في حرب المنطقة ضد الإرهاب. ويقول زميل معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط في واشنطن حسن حسن في الفصل الخاص بمحاربة الإرهاب، أنه بينما كانت الأيديولوجية ذات مرة المحرك الدافع وراء ظهور «داعش»، فإن غالبية الشباب العربي تعتقد أن هزيمة حتمية تنتظر التنظيم وأيديولوجيته. وعلى رغم ذلك يحذر حسن من أن إلقاء نظرة فاحصة على الظروف المحيطة بجاذبية «داعش» خلال السنوات الأربع الماضية تقدم إشارات تحذيرية للحكومات في الشرق الأوسط وخارجها. فمن جهة، لا يعتمد استمرار وجود «داعش» كقوة هادمة في المنطقة على غالبية تدعمه. كما أنه لا ينبغي السماح مجددًا بتكرار الآمال الكاذبة التي كانت موجودة بين عامي 2008 و2014. ويشير حسن الى أن هزيمة «داعش» وأيديولوجيته تبقى رهن انفتاح الحكومات في المنطقة والعالم على إشراك الشباب وإدماجهم في مجتمعاتهم، ومعالجة المظالم التي قد تتسبب في عودة «داعش» ومن هم على شاكلته.

ويشير المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «أصداء بيرسون- مارستيلر» سونيل جون التي تجري الاستطلاع كل عام، إلى أنه إذا كان لعالم سياسي أن يكتب أطروحة عن الربيع العربي، فبإمكانه أن يوفر على نفسه الكثير من الجهد بمتابعة ما جرى في العالم العربي بدءًا من عام 2010، «فقبل أن يبدأ المحتجون بالتظاهر في ميدان التحرير في القاهرة تصدرت الديموقراطية حينها اهتمامات الشباب العربي في عدد من البلدان، ورافقتها مخاوف عميقة من ارتفاع تكاليف المعيشة، ناهيك باتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. وكان الكثير من الشباب العربي في بلدان مثل مصر لا يثقون في أن بلدانهم حققت أي إنجاز للتعافي من تداعيات الأزمة المالية العالمية. ومع بلوغ الاحتجاجات ذروتها في عام 2011 شعر الشباب العربي بالتفاؤل، فقد أحسوا حينها بأن مستقبلهم بات مشرقاً. غير أن هذه الآمال بدأت تتلاشى سريعاً في السنوات التالية. ومع ظهور تنظيم داعش، حلت الرغبة في الأمن والأمان مكان الدعوة إلى الإصلاحات الديموقراطية؛ وعادت القضايا المعيشية، وتحديدا الوظائف ذات الأجر الجيد ونظام التعليم الحديث، إلى صدارة اهتمامات الشباب».