مساهمة شبكة المواصلات الخليجية في الابتكار والتطور التكنولوجي

عمر العبيدلي |

تعمل الدول الخليجية على إنشاء شبكة قطارات دولية، تكمل الشبكات الداخلية التي تبنيها دول كبيرة كالسعودية. ويتصور المحللون عادة أن المردود الأساس لتعزيز شبكة المواصلات يتعلق بنقل السلع لدعم سلسلة الإنتاج، وربما أيضاً بخفض الازدحام المروري عندما يستخدم الناس القطارات مكان السيارات للسفر. فهل يمكن توظيف شبكة المواصلات كوسيلة لدعم الابتكار والتطور التكنولوجي أيضاً؟

صدر بحث حديث لكل من شياوفانغ دونغ (جامعة شايمين بالصين) وسيكي زينغ (معهد ماساشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة) وماثيو خان (جامعة جنوب كاليفورنيا الأميركية)، يسلط الضوء على كيفية تعزيز شبكة القطارات السريعة للإنتاج الفكري والابتكار في الصين.

انطلق بحثهم بالإشارة إلى أن الجامعات البحثية تشكل أحد أهم مصادر الابتكار والتطور التكنولوجي الذي يتسبب في النمو الاقتصادي. وإضافة إلى ذلك، أصبح البحث العلمي في العصر الحديث نشاطاً جماعياً، إذ إن غالبية الأوراق العلمية المنشورة في الدوريات المحكمة هي متعددة المؤلفين. ويعود ذلك بالأساس إلى الحاجة لاستخدام مهارات وخبرات متنوّعة لإنجاز البحوث الحديثة، عادة لا يمتلكها شخص واحد، ما يدفعه نحو التعاون مع الآخرين. ولذا نجد أن الباحثين في الصين، يتعاونون مع زملائهم من المؤسسة ذاتها، وأحياناً مع باحثين يعملون في جامعة مجاورة، وربما في مدن أخرى.


ويشكل المؤتمر البحثي الحديث أحد أهم المنتديات لتبادل الأفكار، ومن ثم لزرع البذور التي تتحول إلى البحوث المتقدمة المسببة للنمو الاقتصادي. ولذا نجد أن في الصين وخارج الصين أيضاً، تتمركز الجامعات المتفوقة في أماكن محدودة، مثل عاصمة الصين بكين، أو بوسطن في الولايات المتحدة، أو لندن في المملكة المتحدة، إذ يسهّل ذلك للباحثين عملية التعاون على إنجاز البحوث، والتجمّع لمناقشتها في مؤتمرات وندوات... ويشكل التعاون البحثي طريقة رئيسة لتطوير مهارات الباحثين المستجدين، عن طريق نقل المعرفة، كما أن التعاون البحثي هو طريقة فعالة لتعزيز طاقة إنتاج الباحثين المتقدمين.

ومن خلال جمع بيانات دقيقة حول مواقع الباحثين الصينيين، وإنتاجهم البحثي، وعلاقاتهم التعاونية في البحث العلمي، وشبكة المواصلات، استنتج «دونغ» وزميلاه أن إنشاء خطوط القطارات السريعة الصينية أدّى إلى ارتفاع ملحوظ في الإنتاج العلمي في الصين، ومن ثم النمو الاقتصادي، كما أنه ساهم في خفض التباين الاقتصادي الإقليمي داخل الجمهورية.

وبالتحديد، عندما ترتبط مدينة ما بشبكة القطارات السريعة، يرتفع إنتاج الباحثين الأكاديميين المقيمين في تلك المدينة بنسبة 30 في المئة كمّاً (عدد الأوراق) و31 في المئة بالنسبة إلى جودة الأوراق، التي تقاس عن طريق معدلات الاقتباسات.

ولتفسير هذه النتائج، ركّز مؤلفو البحث على قناتين تربطان الإنتاج البحثي بشبكة المواصلات:

أولاً: عندما ترتبط مدينتان بقطار سريع، يتراجع الوقت والكلفة المطلوبان للتنقّل بين المدينتين، ومن ثم تصبح عملية التعاون البحثي بين باحثَيْن مقيمَيْن في المدينتين أسهل وأكثر فعالية. وبالتالي تتزايد فرص التعاون البحثي المتاحة للباحثين، وبعد اغتنامهم لتلك الفرص، يرتفع الإنتاج البحثي كمّاً وجودةً. وهذا هو ما شهدته الصين بعد تطوير شبكة القطارات، إذ انتشر التعاون البحثي بين فرق الباحثين الذين يتوزع أعضاؤهم في أكثر من مدينة.

ثانياً: عندما ترتبط مدينتان بقطار سريع، إحداهما كبيرة (كالعاصمة) والثانية صغيرة، يتمكن الباحث الشاب المقيم في المدينة الكبرى، من تغيير مدينة الإقامة إلى المدينة الصغيرة، توفيراً لأمواله، لا سيما كلفة المعيشة. ويؤدي ذلك إلى تنمية اقتصاد المدينة الصغيرة، وخفض الضغط السكني والازدحام المروري في المدينة الكبرى. وشهدت الصين أيضاً هذه الظاهرة.

تسعى الدول الخليجية اليوم إلى تعزيز معدلات الابتكار والإنتاج الفكري، كما أنها تعمل على تطوير شبكات المواصلات، ولكن ربما تظهر الخطتان كمشروعين منفصلين مستقلين عن بعضهما البعض. ولكن تشير الخبرة الصينية إلى أنه قد يكون هناك دور لشبكة قطارات فعالة في تعزيز التطور التكنولوجي، فضلاً عن تنمية المدن الصغيرة التي سترتبط بالعواصم.

وبالتحديد، لاغتنام الفرص المتاحة، يجب رسم شبكة مواصلات كي تربط المراكز الفكرية إلى أكبر حد ممكن، مثلاً «جامعة الملك عبدالله» في الحجاز بـ «جامعة الملك سعود» في الرياض، و «جامعة الملك فهد للبترول والمعادن» في المنطقة الشرقية بـ «مدينة مصدر» في أبو ظبي. كما يجب وضع المؤسسات الفكرية الجديدة في مدن مرتبطة بالمراكز الفكرية الأخرى عبر القطارات السريعة، لتمكين الباحثين من التعاون مع زملائهم في المدن الأخرى.

يعتبر دور شبكات المواصلات في تعزيز قدرات الباحثين الشباب مهماً جداً في الخليج العربي، نتيجة لوجود خبراء أجانب يعملون في الخليج، إذ يجب تسهيل عملية الاستفادة من وجودهم عند الباحثين الخليجيين المقيمين في مدن أخرى. فيوجد عدد كبير من الوافدين المتميزين في مجال البحث العلمي في «مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية» في الرياض، على سبيل المثال، ويعقدون بانتظام ندوات ومؤتمرات ثرية. فعندما سيتمكن الباحثون السعوديون المقيمون في المنطقة الشرقية والحجاز من التنقل إلى الرياض بسرعة شديدة وكلفة محدودة، ستنفتح لهم آفاق فكرية غير مسبوقة من خلال مشاركتهم في تلك الندوات والمؤتمرات، والتفاعل مع الخبراء الأجانب المقيمين في الرياض.