الشرطة المصرية في دراما رمضان بين تبييض الوجه وتشويهه

القاهرة – أمينة خيري |
أحمد حلاوة في «كلبش 2» (الحياة)

الشرطة المصرية وجدت نفسها مستحوذة على جانب كبير من الدراما الرمضانية، وهو استحواذ اختلف في تفسيره المشاهدون، وتناقض في تقديمه المسؤولون، ووقف الجميع منه وقفة استدعت السياسة واستحضرت أحداث الأمس القريب ودقت على أوتار الشرطة في عيون الشعب من خلال الشاشات.


شاشات رمضان المتخمة بوجبات درامية بالغة الدسامة عامرة برجال شرطة في أدوار بعضها بطولة وبعضها الآخر جاء ليخدم السياق الدرامي. الشرطي الذي يخدم السياق الدرامي لا يستحوذ على كثير من الاهتمام أو يستدعي جهوداً للتحليل والتفنيد. حتى في تلك المشاهد التي يبدو فيها المحقق أو الشرطي أو أمين الشرطة وهو يتعامل بفوقية أو غطرسة مع المواطنين، فإنها تمر مرور الكرام على اعتبار إنها تمثل واقعاً لا ينكره أحد. أما الشرطي الخارق للطبيعة بقوته، المنافس لـ «سوبرمان» في خفته، المتفوق على كل من عداه من حيث الشهامة والجرأة والرحمة والإقدام والمثابرة والذكاء فقد اتخذ منحى جديداً هذا العام.

فريق يرى أن رجل الشرطة في دراما رمضان 2018 لا ينقصه سوى جناحين ليرتقي إلى مكانة الملائكة. وفريق مضاد يرصد تشوهاً متعمداً وتقبيحاً مخططاً لصورة رجل الشرطة الإنسان المضحي. الأول يرصد توجهاً في عدد من المسلسلات الرمضانية يصب في خانة تحسين صورة الشرطي التي لحقها أذى في أعقاب ثورة كانون الثاني (يناير) 2011، بسبب انتهاكات وخروقات ارتكبها كثيرون. والثاني يلاحظ تعمداً لتشويه الشرطي العظيم الذي يضحي بحياته ويستشهد من أجل بلاده ويذوق الأمرين من أجل الذود عن أهل وطنه، وبين هؤلاء وأولئك حرب شعواء تستعر حدتها أثناء المشاهدة وتنعكس تغريدات وتدوينات وكذلك بيانات.

البيان الصادر عن لجنة الدراما في المجلس الأعلى للإعلام قبل أيام رأى تشويهاً لصورة رجل الشرطة المصري المنوط به حفظ القانون وإنفاذه. اللجنة التي تصدر بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة تقريرين أحدهما في النصف الأول من الشهر الكريم والثاني في آخره رصدت تعمداً لدهس القانون وإسرافاً في استخدام العنف وتشويه صورة رجل الشرطة.

المثالان اللذان استشهدت بهما اللجنة هما المسلسلان اللذان يحظيان بنسب مشاهدة عالية جداً «كلبش» و «نسر الصعيد»، حيث بطلي كليهما، وهما محمد رمضان وأمير كرارة ضابط شرطة. الطريف أن البطلين اشتهرا بأدوار البلطجي على مدى السنوات القليلة الماضية. كما أنهما تعرضا لموجات انتقاد عاتية لأنهما بأدوار البلطجة والعنف تلك يساهمان في تدمير سلوكيات وأخلاقيات الأطفال والمراهقين.

ووجدت اللجنة مكمن الخطورة في أنه «بدلاً من أن يتم التعرض للصفات الأخلاقية النبيلة في شخص ضابط الشرطة، ما كان من الأعمال الدرامية إلا أن خرقت كل ما هو إيجابي في هذه المهنة المحترمة، وإذ بالمشاهد أمام جرعات كبيرة من العنف المُفتعل وغير المبرر في خط أحداث كل منهما، حيث الكل يأخذ حقوقه بيده من دون الرجوع للقانون ومُجرياته من نيابة وقضاء».

ومضت اللجنة قدماً في انتقاداتها المدافعة عن ضابط الشرطة، فقالت إنها وجدت استخداماً للعنف المُفرط ضد الذين يتعاملون معهما (أي الضابطين البطلين في المسلسلين) ، وهو العنف الذي ينتهك حقوق الإنسان ليخلق أسطورة مُشوهة لضابط الشرطة. يذكر أن الفنان محمد رمضان بطل مسلسل «الأسطورة» الذي قوبل بموجة انتقادات مذهلة متهمة إياه بأنه يروج للبلطجة بين الشباب، هو الذي يقوم بدور البطولة في مسلسل «نسر الصعيد»، حيث يقوم بدور رجل شرطة شبه خارق في القوة والذكاء. وشددت اللجنة على أن »الكارثة أن هذا التأثير السلبي لن يتوقف عند حدود الجمهور العادي من الشباب، بل ربما يصل التأثير إلى عقلية الضباط حديثي التخرج، باعتبار أن الممثلين اللذين يمثلان دور الضابط يتمتعان بجماهيرية جارفة».

الجماهيرية الجارفة التي يحظى بها كرارة ورمضان دفعت القائمين على أمر اللجنة إلى التعبير عن القلق حول تأثير هذه الدراما على الطفل والمراهق، فـ «من الممكن أن يكره الصغير الضابط من خلال الشخصية المقدمة على الشاشة ويكره عنفه وهمجيته في فرض القانون، وبالتالي يخلق شرخاً من جديد بين المواطن المصري وضابط الشرطة».

خلق شرخ من جديد بين المواطن المصري وضابط الشرطة عادة لا يحدث جراء عمل درامي يعرض في رمضان، حيث إن الشرخ يحدث نتيجة عوامل أخرى كثيرة تحدث على أرض الواقع.

وعلى أرض الواقع يحتدم الجدال بين المشاهدين حول شرطي رمضان. فالفريق المؤيد شكلاً وموضوعاً للنظام والأوضاع والأحوال وسير الأمور يقف على الجبهة نفسها التي يقف عليها تقرير لجنة الدراما. هؤلاء يرون أنه في ضوء ما جرى بعد ثورة كانون الثاني (يناير) 2011، وما يصفونه بالضرب المتعمد للشرطة ومحاولات تقويض قوتها وتفتيتها لأسباب سياسية وأغراض تمكينية لجماعات الإسلام السياسي، فإنه لا يجب أبداً السماح بعرض أي مشهد يسيء إلى رجل الشرطة أو يحمل رسائل سلبية عن دور رجل الشرطة في المجتمع المصري.

تغريدات وتدوينات المشاهدين المؤيدين تتواتر في أثناء ساعات المشاهدة متأرجحة بين الثناء على الصورة الحقيقية التي نقلها مشهد يوضح شهامة رجل الشرطة أو إقدامه في ملاحقة المجرمين من جهة، وبين صب اللعنات على من سمح بتمرير مشهد يقدم الشرطي وكأنه بلطجي أو خارج على القانون.

قانون الاستقطاب– ولو كان من باب الدراما الرمضانية- يعبر عن نفسه كذلك عنكبوتياً، حيث يسخر بعضهم جهده للتغريد حول ما يصفونه بـ «المبالغة» في تمجيد دور الشرطة وإظهارها في صورة ناصعة البياض غير قابلة للخطأ أو السهو أو سوء المعاملة.

وتقف تغريدات مثل «نصف المسلسلات تمجد الشرطة» و «أخيراً المسلسلات عادت إلى صوابها وأعادت للشرطة هيبتها التي أفقدتها أعمال درامية مضللة قبل ثورة يناير 2011» على طرفي نقيض مجتمعي يعكس قدراً من الواقع ولا يخلو من شبهة استقطاب.

الاستقطاب الذي ضرب المجتمعات في أعقاب رياح الربيع العربي تتخذ شكلاً فجاً في التعليقات على الدراما الرمضانية، حيث يسخر فريق ثالث جهده لوضع صورة الشرطي التي يراها بيضاء في شكل مبالغ فيه في مقابل صورة المتدين التي يراها مشوهة. كتب أحدهم «لماذا تعمد مسلسلات رمضان على تشويه كل من هو متدين ويطلق لحيته أو ترتدي الحجاب بينما يتم تبييض صورة الشرطة؟»

متلازمة الشرطة وتناقضها مع الدين والمتدين، واعتبار كل منهما مضاداً للآخر أو الوجه المناقض له تملأ أثير العنكبوت صخباً على مدار ساعات العرض النهاري والليلي. وهي إذكاء لنيران الفتنة التي حاول بعضهم إشعالها في أحداث ما بعد كانون الثاني (يناير) 2011. ويظل الفريقان الأكبر عدداً هما: المعترضون على تبييض وجه الشرطة في دراما رمضان، والثاني المعترضون على تشويه وجه الشرطة في دراما رمضان. والمثير أن الأعمال موضوع التناقض واحدة.