خواطر حول اللقاء المرتقب بين دونالد وكيم

حسن نافعة |

نجاح الاتفاق على عقد القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، وهما الأكثر تطرفاً في تاريخ البلدين، هو مفارقة تستحق التوقف عندها. فدونالد ترامب، والذي يقود دولة يعتقد أن نظامها السياسي هو الأكثر ديموقراطية في العالم، لم يتردد في تهديد كوريا الشمالية إلى حد التلويح بتدميرها ومحوها كلياً من الوجود. أما كيم جونغ أون، والذي يقود دولة يعتقد أن نظامها السياسي هو الأكثر استبداداً من وجهة نظر الكثيرين لم يعبأ بهذا التهديد وردّ عليه مهدداً بضرب العمق الأميركي إذا تعرضت بلاده للتهديد. في سياق كهذا، من الطبيعي أن تتجه أنظار العالم كله نحو المكان الذي سيعقد فيه اللقاء بين هذين الزعيمين المثيرين للجدل والذي كان كل منهما حتى أيام قليلة مضت يهدد بضرب عنق الآخر!

ما إن تم الاتفاق من حيث المبدأ على عقد اللقاء بين زعيمي البلدين حتى راحت بعض الأوساط الأميركية الرسمية تحاول اختبار مدى صلابة موقف كوريا الشمالية. ففي إحدى لقاءاته التلفزيونية أشار بولتون، مستشار الرئيس الأميركي للأمن القومي، إلى «النموذج الليبي» كمثال يعتقد أن على كوريا الشمالية أن تحذو حذوه إذا ما أرادت إنجاح القمة المرتقبة وإثبات الجدية وحسن النية. ولأن بولتون، أحد الصقور الجدد في إدارة ترامب، كان معروفاً لدى الكافة بمواقفه المتشددة التي طالبت من قبل برفض التفاوض مع كيم جونغ أون وتخييره بين إنهاء برنامجه النووي والصاروخي أو تعريض بلاده للتدمير، فقد استشعرت كوريا الشمالية في تصريحاته خطراً محدقاً ورأت فيها تعبيراً عن نيات شريرة ومن ثم قررت الرد عليها بعنف، ما دفع ترامب للمسارعة بالإعلان رسمياً عن إلغاء القمة المرتقبة. غير أن تطورات سريعة أثبتت أن دفع الأمور نحو حافة الهاوية لم يكن سوى حلقة في سلسلة المناورة الديبلوماسية التي عادة ما تسبق أحداثاً على هذا القدر من الأهمية. وأمام صلابة موقف كوريا الشمالية وإصرارها على التعامل مع الولايات المتحدة بكل ندية، لم يكن أمام ترامب سوى التراجع بسرعة عن موقفه المعلن. وما هي إلا أيام قليلة حتى كان يعلن بنفسه في مؤتمر صحافي، وفي حضور بولتون شخصياً، أن «النموذج الليبي» ليس مطروحاً، ولم يكن مطروحاً في أي وقت مضى، كأساس للمفاوضات بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، وحرص في الوقت نفسه على تأكيد أنه يتطلع بشغف للقاء الزعيم الكوري وأن القمة المرتقبة ستعقد في الموعد والمكان المحددين سلفاً. لذا من الطبيعي أن تثير هذه المواقف المتناقضة تساؤلات كثيرة تبحث عن إجابة. فكيف يمكن تفسير تصريحات بولتون المتعجرفة في ضوء التراجع السريع لترامب؟

لا تفسير عندي لهذا التناقض سوى أن تصريحات بولتون عكست شعوراً تقليدياً متجذراً بغطرسة القوة لدى شرائح متطرفة من نخبة أميركية لا تزال تعتقد أن الولايات المتحدة ليست فقط هي القوة الأعظم في العالم وإنما الأقدر في الوقت نفسه على فرض إملاءاتها على الآخرين متى وأين تريد. ولأن الولايات المتحدة لا تزال تملك بالفعل كافة مقومات القوة الأعظم في النظام العالمي، على رغم تراجع مكانتها النسبية في المرحلة الراهنة، تعتقد هذه الشريحة أن مجرد التلويح بالرغبة في استخدامها، بخاصة أمام الضعفاء ومسلوبي الإرادة من قادة الدول، يكفي لتمكينها من فرض إرادتها والحصول على ما تريد من تنازلات. ولأنه سبق للولايات المتحدة تجربة هذا النهج بنجاح مع زعماء من أمثال القذافي فلا بأس من تكرار المحاولة مع كيم جونغ أون. أما التراجع السريع من جانب ترامب فقد عكس عقلية براغماتية تتعامل مع عالم السياسة بنفس المنطق الذي تتعامل به مع عالم التجارة والمال، أي عبر «صفقات» يحتاج إبرامها إلى صبر وإلى عمل دؤوب لإنضاج شروطها. ولأن ترامب يدرك بغريزته التجارية، وليس ببصيرته السياسية بالضرورة، أن كيم جونغ أون ليس القذافي وأن كوريا الشمالية ليست ليبيا، فمن الطبيعي أن يسهل عليه إقناع نفسه بأن كل ما عليه أن يقوم به هو التحلي بالصبر لإنضاج الشروط المناسبة لصفقة متوازنة مع كوريا الشمالية تأخذ في اعتبارها الحقائق التالية:

1- أن كوريا الشمالية أصبحت دولة نووية بالفعل لأنها تملك ليس فقط رؤوساً نووية وإنما أيضاً الوسائل القادرة على حملها إلى مناطق بعيدة يمكن أن تهدد مصالح أميركية حيوية. ولأنها أصبحت دولة قادرة على إلحاق الأذى بالآخرين، بما فيها الولايات المتحدة، فلن تجدي معها سياسة الإملاءات وفرض التخلي عن سلاحها النووي من دون قيد أو شرط. لهذه الدولة حلفاء كبار، في مقدمها الصين وبدرجة أقل روسيا الاتحادية. صحيح أن هذين الحليفين الكبيرين لا يشجعانها على امتلاك سلاح نووي ولا يمانعان من ممارسة ضغوط عليها لحملها على التخلص من هذا السلاح وتحويل شبه الجزيرة الكورية إلى منطقة خالية منه، إلا أنهما لن يسمحا مطلقاً باستخدام القوة ضدها لأن ذلك من شأنه التأثير على موازين القوى في منطقة يعتبرانها حيوية لمصالحهما من المنظور الجيواستراتيجي.


2- لا تملك الولايات المتحدة أي مبرر قانوني أو أخلاقي أو سياسي يمنحها الحق في التصرف المنفرد كشرطي العالم، خصوصاً أنها لا تستطيع الادعاء بوجود نظام دولي ملزم للجميع من خلال الآليات المنصوص عليها في معاهدة حظر الانتشار النووي. فهناك دول لم تنضم لهذه المعاهدة وتمكنت في الوقت نفسه من تصنيع السلاح النووي والإعلان عن ذلك صراحة وإجبار المجتمع الدولي على التعامل معها كقوة نووية، كالهند وباكستان. وهناك دول أخرى يدرك المجتمع الدولي يقيناً أنها تمتلك ترسانة ضخمة من الأسلحة النووية لكنها لا ترغب في الإفصاح صراحة عن هذا الوضع وتفضل انتهاج سياسة «الغموض النووي» كوسيلة للردع، وإسرائيل هي النموذج الأبرز على هذا النوع من الدول.

وعلى رغم ذلك كله، لا يزال البعض يعتقد أن الولايات المتحدة ستتعامل مع كوريا الشمالية بنفس المنطق الذي تتعامل به مع إيران، غير أن هذا الاعتقاد يبدو لي خاطئاً من أساسه لأنه يغفل أو يتغافل عن وجود العامل الإسرائيلي في الحالة الإيرانية وغيابه في حالة كوريا الشمالية. فمن المؤكد أنه لو كان العامل الإسرائيلي حاضراً في حالة كوريا الشمالية لما سمحت لها الولايات المتحدة مطلقاً بامتلاك السلاح النووي أو حتى استيعاب المعارف والمهارات العلمية والتكنولوجية التي تسمح لها بتصنيع هذا السلاح، كما تفعل حالياً مع إيران. ولأن ترامب يدرك تماماً أن السبب في إصرار كوريا الشمالية على امتلاك السلاح النووي ووسائل حمله لا يعود لأسباب جيواستراتيجية والرغبة في التحول إلى قوة إقليمية أو دولية قادرة على مد نفوذها خارج حدودها، وإنما فقط لحماية نظامها السياسي وضمان استمراريته، فمن السهل عليه أن يقتنع بأن الشروط اللازمة لإنضاج صفقة متكافئة نسبياً باتت متوافرة، أو يمكن أن تتوافر في المستقبل. وفي هذا السياق وحده يمكن فهم استعداد كوريا الشمالية للتخلي عن سلاحها النووي إذا ما قدمت لها الولايات المتحدة ضمانات كافية بوقف المحاولات الرامية لتغيير نظامها ولفتح الطريق أمامها للتحول إلى دولة قابلة لإطلاق طاقاتها التنموية.

لا أعتقد أنه سيكون بمقدور دونالد ترامب، والذي يبدو الآن في حاجة ماسة لتحقيق إنجاز ملموس يسمح له بفك الحصار المضروب حوله في الداخل، إبرام صفقة منفردة مع كيم جونغ أون تضمن له تفكيك البرنامج النووي لكوريا الشمالية وتحقيق الانتصار الذي يطمح لتوظيفه داخلياً. كل ما يستطيع ترامب أن يحققه في اللحظة الراهنة هو أن يثبت لكيم جونغ أون أنه حسن النية وأنه بات جاهزاً لتقديم الضمانات المطلوبة الأمنية والاقتصادية المطلوبة. أما الاتفاق نفسه حول آليات تفكيك ونزع السلاح النووي لكوريا الشمالية والبرنامج الزمني الذي يستغرقه، فسيتعين التفاوض حوله ليس مع الولايات المتحدة منفردة وإنما مع بقية القوى الإقليمية والدولية المعنية، أي مع الصين وروسيا واليابان وكوريا الجنوبية إضافة إلى الولايات المتحدة، عبر صيغة 3+3، أي الدول الثلاث الأعضاء في مجلس الأمن: الولايات المتحدة وروسيا الصين، إضافة إلى القوى الإقليمية الثلاث المعنية وهي اليابان وكوريا الجنوبية وكوريا الشمالية.

أظن أن دونالد ترامب، والذي سبق له أن قرر الانسحاب من اتفاق دولي أبرمه مع إيران رئيس سابق للولايات المتحدة، أن يضمن لكيم جونغ أون أن الاتفاق الذي سيبرمه معه سيحترم من جانب رؤساء أميركا اللاحقين، خصوصاً أن تكون كوريا الشمالية قد تخلصت بالفعل من سلاحها النووي. لذا أعتقد أن القمة المقبلة بين دونالد ترامب وكيم جونغ أون لن تكون نزهة، لكنها قد تصبح خطوة ولو صغيرة وفي الاتجاه الصحيح على طريق طويل لا يزال محفوفاً بالأخطار.

* كاتب مصري