الدستور السوري بين التآمر به أو عليه؟

سميرة المسالمة |

تتمحور مفاوضات المرحلة المقبلة التي يدعو إليها المبعوث الأممي حول سلة الدستور، التي تبدو الآن كأولوية أممية على اعتبارها مقدمة للعبور إلى الانتقال السياسي، ومنه يمكن استيضاح شكل التسوية الحقيقية بين أطراف النزاع، حيث إن المعضلة اليوم هي في كيفية التعاطي مع هذه السلة أو الأولوية، فهل اللجنة الدستورية التي يتم الترويج لإنشائها هي للبحث في وضع الدستور أم في صياغته؟ ولكلا الأمرين طرق وعرة لا يمكن تجاوزها ضمن سياق الواقع القائم حالياً، حيث أطراف اللجنة ينتمون إلى جهات يمكن وصفها بأنها متجابهة، أو على أطراف نقيض (بما فيها أطراف المعارضة ذاتها)، بما يتعلق بشكل ورؤية التسوية، التي يمكن على أساسها وضع المبادئ الناظمة لهذا الدستور، كخطوة باتجاه التوافقات السياسية لصياغته لاحقاً.


وعلى رغم أن سلة الدستور كانت واحدة من أربع سلال مطروحة للعمل عليها ضمن سياق العملية التفاوضية، التي رفضتها المعارضة، ثم عادت وتراجعت عن موقفها وتفاعلت معها تحت مسمى ورشات عمل تقنية، وهي (الحكم والانتقال السياسي، والدستور الجديد، والانتخابات، والإرهاب)، إلا أن الدستور أصبح اليوم هو محور العملية برمتها، حيث من خلاله يمكن التأسيس على التوافقات الدولية التي تتقاطع عليها الدول المتصارعة على سورية، أو التي في حقيقة الأمر ستشكل اللجنة الدستورية المنوط بها المهمة الأصعب، والأكثر إشكالية بين أطراف الصراع المحليين والخارجيين، ما يعني أننا ربما نكون أمام أول «دولة» في العالم يصاغ لها دستور مبني على مصالح قوى خارجية، ومقاسات الواقع الإقليمي المحيط بها، وبأدوات محلية، لا علاقة لها بتمثيل القوى المجتمعية التي يتشكل منها الشعب السوري، والذي يعد الوحيد صاحب الحق في صياغة مستقبله الدستوري وتحديده، وهذا ما أقر به الوسيط الدولي ستيفان دي ميستورا في 22 أيار (مايو) 2017 من خلال كلمة متلفزة مغلقة أمام مجلس الأمن، أي أن الوسيط الذي يسعى اليوم ليشكل لجنة «غير منتخبة» من السوريين، ولا تملك إلا شهادة حسن سلوك عند الأنظمة الراعية للتفاوض، يعلم أنه يصادر أحد حقوق الشعب السوري الأساسية التي تضمنها له كل القوانين الدولية.

من غير المجدي إنكار أن الإصلاح الدستوري هو أساس عملي في الانتقال السياسي، إلا أن آليات صناعة هذا الإصلاح يمكن أن تمر عبر مراحل لا تصادر إرادة الشعب السوري وحقه في المشاركة، وفي الوقت ذاته لا تعطل جوهر العملية السياسية، وذلك عبر توافقات سياسية تحدد المبادئ الدستورية التي يمكن العمل عليها خلال فترة الانتقال التي تؤسس لحالة صحية، يمكن من خلالها صياغة دستور وطني يستوعب دور سورية والسوريين الحضاريين في المنطقة والعالم، وينهي واقع النظام القائم على الحكم الأمني، ويضمن وحدة وسلامة شعبها المتنوع قومياً ودينياً في المرتبة الأولى، حيث الإنسان يصنع وحدة الأرض وليس العكس، أي أنه قبل الحديث عن لجنة صياغة للدستور لا بد من الحديث عن توافقات وطنية، وليس إملاءات لدول جيوشها تحتل سورية وفي الوقت ذاته هي من تختار اللجنة أو الأدوات المحلية التي تضع دستور البلاد.

لقد قدمت المجموعة الدولية المصغرة (الولايات المتحدة الأميركية، فرنسا، بريطانيا، السعودية، والأردن) أفكاراً عملية للتقدم باتجاه الإصلاح الدستوري من خلال «اللاورقة» التي طرحتها في 24 كانون ثاني (يناير) من هذا العام، ما يدخل ضمن التحرك الواقعي لإنهاء النظام الأمني الحالي، ووضع خيارات جديدة أمام السوريين كالنظام البرلماني، أو النصف رئاسي، الذي يحجم من صلاحيات الرئيس ويوزعها على مؤسسات عديدة كالبرلمان ومجلس الوزراء، إلا أن المعارضة والنظام سارعا إلى رفض المبادرة والالتفاف عليها، حيث يمكن تفهم رفض النظام لها بسبب كونه المستهدف في جوهر تلك المبادئ، بينما رفضتها المعارضة التزاما بمخاوف تركيا التي خشيت من تمرير النظام اللامركزي، بما يخدم مطالب الكرد في سوريا، ويهدد أمنها القومي كما تدعي، أي كان يمكن الارتكان على اللاورقة كأساس لعقد التوافقات، لصياغة ما يمكن تسميته دستور موقت «مدوّل»، أي نتعامل بصراحة مع المسميات ونترك الفرصة متاحة أمام السوريين لإعادة ترتيب بيتهم الداخلي عبر مؤسسة وطنية منتخبة.

إن التعاطي مع حل النزاع في سورية لا يمكن أن يكون محلياً بعد كل هذا التدويل، ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تمرره الدول هو صناعة هيئة تمثيلية (لجنة دستورية) باسم الشعب السوري، توقع على دستور يشكل عبئاً على الهوية الوطنية، ويبدد فرص صياغة دستور وطني يراعي المصالح السورية، بعيداً من حصص أمراء الحرب الذين يعتمدهم بعض الدول كأدوات محلية لتمرير مشاريعها المصلحية، ضمن محاصصات السلطة والدستور، ما يوفر لهؤلاء المشاركين من قادة الحرب في اللجنة الدستورية، سواء كانوا نظاماً، أو معارضة، فرصة قرصنة العملية السياسية تحت غطاء دستوري قد تمكنهم من إعادة إنتاج النظام السابق بالشراكة والتوافق.

إن الحاجة إلى إطار قانوني يضبط العملية الانتقالية، لا يبرر في أي حال انتزاع أحد أهم حقوق المواطنين السوريين في صناعة مستقبلهم الدستوري بإرادتهم، كما أن هذا الحق لا يعني تعطيل التقدم باتجاه الانتقال السياسي المأمول، ما يجعلنا في مواجهة واقعنا (معارضة ونظاماً) عاجزين عن خرق حالة السلبية تجاه الحل السياسي، حيث النظام يتقوقع على دستوره الحالي كمنقذ له، وحيث المعارضة بلا أنياب تدافع بها عن خيار مشروع وطني جامع، في ظل تعدد مشاريعها وولاءاتها بين الدول الداعمة والمؤسِّسة فصائلَها، وإذ يتعارض ذلك مع مصالح الدول الراعية قطاعات من هذه المعارضة، فإنه يجعل من خيار «الحل المدوّل الموقت» أقصر الطرق إلى الانتقال السياسي، وأيسرها إلى تطبيق القرارات الأممية ذات الصلة بحل الصراع في سوريا، كما أنه يبقي على أمل السوريين بالعودة إلى الالتفاف حول مشروع جامع ينبثق من مؤتمره الوطني جمعيةٌ وطنية تأسيسية، ينتخبها سوريون، وتمثل السوريين ومصالحهم، في صياغة دستور حضاري يؤسس لسوريا جديدة.

إن الضغط الذي تمارسه روسيا اليوم «لسلق» حلول سريعة تمهد لمصالحتها مع الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوربية، عبر إلزام الأمم المتحدة بالتعاطي مع منتجات مؤتمر «سوتشي» المفتعل تحت اسم حوار وطني، والأخذ بمشروع اللجنة الدستورية على انه منجز لصناعة حل، هو في حقيقته تحايل على الحل، وتوريط للسوريين بقبول دستور توافق عليه هذه اللجنة غير المنتخبة، والتي تمثل مصالح دول تنتهك أساساً بوجودها العسكري السيادة الوطنية السورية، بينما هو انقلاب على القرارات الدولية التي تصون حق الشعب السوري في صناعة مستقبله الدستوري وتقرير مصيره، ما يجعلنا نتساءل هل أصبح الدستور أداة للتآمر به، أم عليه؟ ما ينهي حلمنا بأن يكون وسيلتنا للعبور إلى الجمهورية السورية الثالثة.

* كاتبة سورية