تهديدات الميليشيات الحوثية في البحر الأحمر ... فعل تعويضي

ميناء الحديدة (إرم نيوز)
نجاح عبدالله سليمان |

بين الحين والآخر يُعلن التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، إحباط محاولة لميليشيات الحوثيين لاستهداف الملاحة البحرية والتجارة العالمية في البحر الأحمر، وسبق أن هدد رئيس المجلس الانقلابي لجماعة الحوثي صالح الصماد، في كانون الثاني (يناير) الماضي، بقطع الملاحة في البحر الأحمر في حال تقدم الجيش الوطني اليمني باتجاه محافظة الحديدة.


وسط كل ذلك تستمر تهديدات ميليشيات الحوثي الإيرانية للملاحة الدولية في البحر الأحمر بشكل علني وسافر، مهددة في حال واصل التحالف العربي وقوات الشرعية اليمنية العمليات باتجاه الحديدة. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فالتهديدات السالفة جاءت أثناء اجتماع الصماد مع نائب مبعوث الأمم المتحدة لليمن معين شريم في صنعاء، الأمر الذي يعد توثيقاً جديداً للطبيعة الإرهابية لميليشيات الحوثي الإيرانية.

مع مرور الوقت على جماعة الحوثي، يبدو أن ميليشياته وجدت في التهديدات ملجأً في ظل الخسائر التي تتعرض لها على كل الجبهات، فقد تزامنت تصريحات الصماد السالفة مع كشف تقارير حقوقية يمنية عن خسائر كبيرة تعرضت لها الميليشيات الانقلابية في نهاية 2017 تجاوزت خسائرها الـ5 آلاف، بين قتيل وجريح وأسير خلال المواجهات مع الجيش الوطني على مختلف الجبهات.

بحسب التقارير، قد قتل 1200 من الحوثيين أغلبهم من الأسرة المقربة من زعيم الميليشيات، بالإضافة إلى 360 سقطوا في المواجهات التي شهدتها صنعاء مع أنصار الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي قتل في 4 من كانون الأول (ديسمبر) الماضي. وأضافت أن 600 أسير تم إلقاء القبض عليهم في جبهات شبوة والجوف ونهم والحديدة وتعز والضالع والبيضاء.

الواقع أنه ينبغي أن نأخذ في الاعتبار ما أعلنه تحالف دعم الشرعية في اليمن في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، عن إحباط مخطط حوثي لاستهداف الملاحة في البحر الأحمر. وأوضح المتحدث باسم التحالف العقيد تركي المالكي أن الهجوم الوشيك تضمن التخطيط باستخدام الزوارق السريعة المفخخة ومجموعة من الغواصين لزرع الألغام البحرية بالسفن. قد يكون تهديد ميليشيات الحوثي باستهداف الملاحة في البحر الأحمر ليس بجديد، حيث كانت قد هددت في السابع من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي بلسان متحدثها محمد عبد السلام بضرب الملاحة الدولية في البحر الأحمر، لكنها فشلت في أن تشكل خطورة تذكر بعدما أحبط التحالف العربي مخططها.

كان مركز «أميركان ثينكر» المختص بقضايا الأمن القومي حذر في حزيران (يونيو) الماضي من سعي إيران لتهديد الملاحة في مضيق باب المندب عبر دعمها ميليشيات الحوثي الانقلابية، وأشار إلى هجمات شنها الحرس الثوري وميليشيات الحوثي ضد السفن التجارية، وإلى التدريبات التي تقدمها طهران للميليشيات على كيفية تطوير قوارب متفجرة يتم التحكم ‏بها عن بعد، وكيفية وضع ألغام بحرية في الممر الملاحي الحيوي.

هنا يأتي تهديد الحوثيين امتداداً لتهديد إيران مراراً بغلق مضيق هرمز والتأثير على الملاحة في الخليج العربي، إما على خلفية مخاوفها من فرض حظر على نفطها كما حدث في 2011، أو بزعم التعرض لتهديد يمس أمنها القومي من جانب الولايات المتحدة وحلفائها كما حدث في آذار (مارس) 2016.

في تموز (يوليو) 2017، قال المتمردون الحوثيون في بيان لهم إنهم سيحولون «البحر الأحمر ساحة حرب». وجاء هذا البيان بعد يوم من استهدافهم ميناء المخا بواسطة قارب مسير محمل بالمتفجرات، اصطدم بالرصيف البحري للميناء، بالقرب من مجموعة من السفن الراسية، لكن من دون وقوع أضرار أو إصابات في الأرواح.

سبق أن استهدفت ميليشيات الحوثي الإيرانية سفناً وبوارج في البحر الأحمر، ليضاف إلى السجل الأسود الذي يهدد الملاحة الدولية، ما دفع قوات الشرعية اليمنية والتحالف العربي لإطلاق معركة الساحل الغربي. وكانت قوات التحالف العربي في اليمن أعلنت في وقت سابق في أيار (مايو) تدمير زورق حربي لمليشيات الحوثي، غرب ميناء الحديدة، في وقت قتل العشرات من مسلحي الحوثي بقصف جوي. والزورق كان يجوب مياه البحر الأحمر ويشكل تهديداً للملاحة البحرية، إذ كان يستهدف سفناً تجارية على خطوط الملاحة الدولية.

في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، أعلن التحالف العربي بقيادة السعودية إحباط عمل وشيك كانت ميليشيات الحوثي تعده لاستهداف خطوط الملاحة البحرية الدولية والتجارة العالمية في البحر الأحمر. التحالف أعلن حينها أنه استهدف عناصر حوثية في جزيرة البوادي اليمنية قبالة محافظة الحديدة، لتخطيطها أعمالاً عدائيه تستهدف خطوط الملاحة الدولية.

وأخيراً جاء بيان للرئاسة الفرنسية حول المؤتمر الإنساني حول اليمن، الذي سيعقد في باريس نهاية حزيران (يونيو) المقبل. وتزامن معه بيان التحالف بأن الميليشيات هاجمت ثلاث سفن تجارية ترافقها اثنتان من سفن قواته، وأن محاولة الهجوم نفذت قبالة ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين. وسبق للقوات الإماراتية العاملة ضمن قوات التحالف، أن أعلنت عن تدمير زورقين للحوثيين في البحر الأحمر كانا يهددان إحدى ناقلات النفط التجارية، فيما تمكّن زورقان آخران من الفرار.

في الميدان، سيطر الجيش اليمني على المجمع الحكومي في منطقة «الملاحيط» في مديرية الظاهر غرب محافظة صعدة، المعقل الرئيس للحوثيين. وقوات الشرعية اليمنية يدعمها التحالف، اقتحمت المجمع، بعد اشتباكات عنيفة مع عناصر من الميليشيات، ما أدى إلى مقتل عدد من المسلحين الحوثيين. وفي محافظة الجوف، نقل عن قائد «لواء حسم» رئيس عمليات حرس الحدود العميد هادي الجعيدي، أن الجيش حرر جبال الأمهور الاستراتيجية، وقطع خط إمداد الميليشيات بين منطقة رحوب وواديي سلبة والقعيف في مديرية برط العنان. ويتقدم الجيش في اتجاه مركز مديرية برط العنان، لاستكمال تحرير ما تبقى منها.

سبق واندلعت اشتباكات في مدينة الحديدة، بين ضباط من الكلية البحرية، وعناصر من الميليشيات، إثر اعتداء قيادي حوثي على ضابط في الكلية. هنا حاصر عدد من المركبات العسكرية التابعة للكلية مركز شرطة الرازقي في المدينة، مشيرةً إلى أن الضباط حرروا زميلهم المعتدى عليه، واستولوا على أسلحة من المركز.

نعم من الصعوبة بمكان أن تُقدم ميليشيات الانقلابيين على خطوة بحجم إغلاق الملاحة في البحر الأحمر، حينها ستؤكد للمجتمع الدولي بما لا يقبل الشك أنها جماعة إرهابية، وهو ما أكده التحالف العربي لدعم الشرعية مراراً، خصوصاً بعد إطلاق صواريخ استهدفت السعودية قبل أن يتم إسقاطها بواسطة الدفاع الجوي، والتي تبين أنها صواريخ إيرانية الصنع تم تسليهما إلى الحوثيين. وتهديد الملاحة في البحر الأحمر يعد توثيقاً جديداً لإرهاب الحوثيين. والحوثي الذي أهلك الحرث والنسل، وأفسد في اليمن، وخان حليفه وشريكه، يهدد الملاحة الدولية اليوم، لذلك فإن المنطقة أمام عصابة إرهابية.

الحقيقة أن ما يجعل فكرة تعطيل الملاحة في البحر الأحمر، وبخاصة في مضيق باب المندب قبالة اليمن شبه مستحيلة، هو التأكيد المصري منذ الشهور الأولى للحرب في اليمن، على أهمية الحفاظ على الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، فمصر سبق لها أن أكدت في نيسان 2015، وبلهجة حاسمة، أن حماية المضيق قضية أمن قومي مصري وعربي، وأن تأمين الملاحة في البحر الأحمر وحماية مضيق باب المندب تُعد أولوية قصوى من أولويات الأمن القومي المصري.

يبقى أنه لا يمكن ميليشيات الحوثي استعداء العالم بأسره بغلق ممر ملاحي حيوي للتجارة العالمية، فالبحر الأحمر جزء رئيس في طريق الشحن البحري بين أوروبا والخليج العربي وصولاً إلى شرق آسيا، وبالنظر إلى جرائم الحوثي السابقة والتي ربما تهاون العالم معها، فإن قطع الملاحة ستكون له عواقب لا يمكنه تحملها... فإلى متى يستمر تهديد ميليشيات الحوثي لأمن البحر الأحمر؟

* كاتبة مصرية