«نسر الصعيد»: محمد رمضان ورحلة البحث عن السلطة

القاهرة – أحمد مجدي همام |

باعتباره صعيدياً، جسد الممثل المصري محمد رمضان دورين في مسلسله الأخير»نسر الصعيد» الذي يعرض خلال موسم رمضان الجاري، من بطولة التونسية درة، وفاء عامر، سيد رجب، دينا، محمد عز، التونسية عائشة بن أحمد، بتول الحداد، الأردني باسل الزارو وصبري عبد المنعم، سيناريو محمد عبد المعطي، وإخراج ياسر سامي.


العلاقة الشائكة بين السلطة والفساد موضوع رئيسي لـ «نسر الصعيد»، ويتجلى ذلك عبر صراع قسم شرطة قنا ومعاون المباحث زين القناوي (محمد رمضان)، وهتلر (سيد رجب)، المتحكم الفعلي بتلك القرية في قلب صعيد مصر والتي تعج أراضيها بالآثار، التي يتولى هتلر نقلها وتهريبها بالتعاون مع سفارات أجنبية.

الحب أيضاً محور رئيس في العمل، والذي يمزج بين ثقافتين ربما ليستا متقاربتين: قبلي وبحري، أو الصعيد والقاهرة، وهذا ما يحدث بين فيروز (درة) القاهرية بنت حي المعادي الراقي، وزين (محمد رمضان) الصعيدي ابن صالح القناوي الذي يجسده أيضاً رمضان، كبير ابن كبير... أو الحب من طرف واحد بين طه (محمد حاتم)، وليلى (عائشة بن أحمد) والحب من طرف واحد أيضاً بين صفية أخت ليلى (بتول الحداد)، وطه، الأخ الأصغر لزين.

يحشد «نسر الصعيد» التوليفة الشعبية المجربة والمحببة، الأكشن والانفجارات والمعارك، مع إفراط في استخدام كاميرا درون الطائرة. يحشد أيضاً الكثير من الجمل الرنانة التي يحب محمد رمضان ترديدها، لتصبح مقولات مضيئة تكتب على التكاتك والميكروباصات.

تدور الأحداث في الصعيد، وهو ما حتّم على بعض الممثلين التحدث باللهجة الصعيدية، لكن الإخفاق كان من نصيب الجميع، إذ لم يتوافر لفريق العمل مراجع للهجة الصعيدية القناوية، واختار القائمون على «نسر الصعيد» –استسهالاً- استخدام لهجة جنوبية تلفزيونية منفصلة تماماً عن الواقع... لا أعرف إن كان يصح أن نسميها «اللهجة الصعيدية البيضاء»!

رمضان... السلاح... السلطة

ربما يصعب للوهلة الأولى، على المشاهد، أن يصل عمق هذا المسلسل المعروض على الفضائيات المصرية، لكن المتابع للمسار الفني لمحمد رمضان يستطيع أن يضع العمل ضمن المشروع الكبير الذي يرسم مسار الممثل الشاب، فالمسلسل الأخير لم يكن عملاً فنياً يضاف لرصيد رمضان بمقدار كونه نقلة على رقعة شطرنج يزن بها رمضان موقعه في خريطة الدولة المصرية، فبعد أن جاء من منطقة الأدوار الثانوية، ثم انتقل للبطولة المطلقة، ثم تصدر شباك الإيرادات وانتقل إلى الدراما فتصدر مجدداً شباك الإيرادات، بحث محمد رمضان عن خطوة أكبر، عن حصانة جديدة، عن قفزة، وتراءى له أن ذلك لن يحدث ما لم يكن هو الواجهة الفنية الشابة للدولة، والذراع الفنية التي تتكئ عليها الدولة المصرية العميقة بعقلها وجهازها الإداري لتجسيد ما تؤمن به من قيم.

في مصر، هناك الشرطة وهي مسلحة بطبيعة الحال، لتنفيذ العدل والقانون، وهناك الجيش، وهو مسلح أيضاً، للذود عن البلاد. وهناك البلطجية، وهم مسلحون أيضاً، لإنجاز أعمالهم بتلك الأسلحة. ومحمد رمضان، لم يترك فرصة لتجسيد شخص يحمل السلاح إلا ونفذها، ولم يتبق له سوى تجسيد شخصية بطل أولمبي في الرماية أو صانع أسلحة!

يبدو رمضان في مساره ومشروعه كالباحث عن السلطة، سلطة الدولة، والانتماء للواجهة الرسمية للدولة، وليس باحثاً عن مجد فني، ومشروع كبير، كما كانت بدايته تبشر بذلك، لا سيما عندما قارنه بعضهم بالفنان الكبير الراحل أحمد زكي (1949 - 2005)، بسبب لون بشرتيهما الداكن، وموهبتيهما في التمثيل والتجسيد والتقمص. إلا أن رمضان وفي أعماله الأخيرة خالف التوقعات، واختار الأعمال التي تجني مكاسب في اتجاهين، مكاسب مادية تتصدر قائمة الأعلى مشاهدة (وفقاً لليوتيوب نسر الصعيد يتصدر المشاهدات)، ومكاسب أدبية ومعنوية أخرى، فبعد ظهوره كمجند في كتائب الصاعقة المصرية في فيلم «حراس الوطن»، وهو فيلم دعائي من إنتاج مؤسسة القوات المسلحة، يظهر رمضان هنا في عمل درامي بدور ضابط شرطة، ومن قبله في دور بلطجي... أو صعيدي مسلح. ترى لماذا كل هذه الأسلحة يا رمضان؟

الترهلات، موجودة وممتدة على طول الحلقات، حكايات كاملة كان يمكن حذفها من دون أن يختل القوام الرئيسي للحكاية، مثلاً، ما الضرورة الدرامية لخيط مثل إلقاء زين القبض على سيد السبع المشتبه فيه الخطير بإحدى قرى الصعيد؟ هل كان ذلك لتدعيم فكرة مدى كفاءة زين وقوته وشجاعته؟ إذا كان الأمر كذلك فإن هذا التدعيم قد حدث سلفاً، وفي مناسبات عدة! هل ستنهار الحكاية الرئيسة وصراع زين مع هتلر حال حذفنا حكاية «سيد السبع»؟ لا.

إذن فالترهلات موجودة، دهون على وجبة البرغر مخلوطة ببهارات شعبية حارة ومسدسات وقتلى ومعارك... إلخ.

تبقى النقطة المضيئة في «نسر الصعيد» متمثلة في الأداء المميز لبعض أفراد الفريق، سيد رجب متألق كالمعتاد، تنطق عيناه بالشر وبطبيعة الشخصية التي يجسدها قبل أن ينطق هو نفسه بكلمات الشر. وفاء عامر قدمت أداءً جيداً كأم، وأداءً محدوداً كصعيدية، وهو ما يسري على جميع فريق العمل.

من بين الوجوه الشابة يحضر باسل الزارو ومحمد عز ومحمد حاتم وبتول الحداد بأداء واعد، وبتجسيد ممتلئ وواثق لأدوارهم.

أما النجمة التونسية عائشة بن أحمد فهي الحصان الأسود بين ممثلي «نسر الصعيد»، والهدية الجديدة التي يقدمها ياسر سامي للشاشة، إذ تنتظرها احتمالات كبيرة كممثلة وراقصة معاصرة.