وقف باسيل طلبات إقامة لمصلحة مفوضية اللاجئين يثير ردوداً... والحريري كان أبلغه رفضه طالباً سحبه

بيروت - «الحياة» |

استدعى كلام وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل، عن عزمه القيام بأول إجراء بحقّ المفوضية العليا لشؤون اللاجئين واتهامها بتخويف السوريين من العودة الطوعية، تحركاً للاتحاد الأوروبي، إذ سيعقد سفراؤه في لبنان لقاء تضامنياً ضد هذه الحملة، مع ممثلة مكتب المفوضية ميراي جيرار التي ستعود في الساعات المقبلة إلى لبنان، وتأييداً لمواقفها.


وفي هذا الإطار التقى رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري في «بيت الوسط» المنسقة الخاصة للأمم المتحدة بالإنابة برنيل داهلركارديل وعرض معها آخر المستجدات والمهمات التي تقوم بها الأمم المتحدة في مختلف المجالات. كما التقى وزير التربية والتعليم العالي مروان حمادة سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى لبنان كريستينا لاسن، وممثلة منظمة يونيسيف في لبنان تانيا شابويزا.

وسرعان ما ترجم باسيل موقفه من المفوضية فأصدر أمس تعليماته إلى مديرية المراسم بأيقاف طلبات الإقامات المقدمة إلى الوزارة والموجودة فيها لمصلحة المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في لبنان إلى حين صدور تعليمات أخرى، وذلك استناداً إلى التقرير الخطّي الذي رفعته إليه البعثة التي أرسلها إلى منطقة عرسال البارحة، والتي تبين لها من خلال مقابلاتها مع نازحين سوريين راغبين طوعياً بالعودة إلى سورية، ومع موظفين في المفوضية، أنها تعتمد إلى عدم تشجيع النازحين للعودة، لا بل إلى تخويفهم عبر طرح أسئلة محددة تثير في نفوسهم الرعب من العودة نتيجة إخافتهم من الخدمة العسكرية والوضع الأمني وحال السكن والعيش وقطع المساعدات عنهم وعودتهم من دون رعاية أممية، وغيرها من المسائل التي تدفعهم إلى عدم العودة.

وأشار باسيل إلى أن «هذا التدبير جاء بعد تنبيهات عدة من الوزارة وجهت مباشرة إلى مديرة المفوضية في بيروت ميراي جيرار، وبعد استدعائها مرتين إلى وزارة الخارجية وتنبيهها من هذه السياسة، وبعد مراسلات مباشرة من الوزير باسيل إلى الأمين العام للأمم المتحدة، ومراسلات من الوزارة إلى المفوضية والأمم المتحدة، من دون أي تجاوب، لا بل أمعنت المفوضية في سياسة التخويف نفسها».

وطلب باسيل «دراسة الإجراءات التصاعدية الأخرى الممكن اعتمادها في حق المفوضية وهي عديدة، في حال إصرار المفوضية على اعتماد السياسة نفسها».​

وردّ مستشار رئيس الحكومة لشؤون النازحين نديم المنلا على قرار باسيل إيقاف طلبات الإقامات بالقول عبر «المركزية» إن «الإجراء الذي اتخذه باسيل أحادي الجانب ولا يعكس سياسة الحكومة اللبنانية أو رئيسها»، مشيراً إلى أن «الحريري سبق وأبلغ باسيل أنه ضد هذا الإجراء وطلب منه سحبه».

وأضاف أن «على الوزير باسيل أن يدرك أن هناك رئيساً للحكومة، ووزيراً معنياً بملف النزوح (هو المخول التعبير عن سياسة النازحين)، وليس مقبولاً بالشكل أن يجري تحقيقاً ويحاكم، ويصدر حكمًا بالتنفيذ، فهذا تعدّ على صلاحيات زملائه، إذ لا يحق له أن يأخذ إجراء بحقّ مؤسسة دولية، ورئيس الحكومة هو المعني الأساسي بسياسة لبنان الخارجية».

وطالب باسيل بـ «العودة عن قراره»، مشيراً إلى أن «هذا الملف لا تتم مقاربته بطريقة كهذه، ونحن في حكومة تصريف أعمال»، مؤكداً أن «هذا الإجراء لا يمثل سياسة لبنان». ولفت إلى أن «الخطر الحقيقي على أزمة النزوح يكمن في القانون رقم 10، وليس بالمقابلات التي تجريها المفوضية».

كما استدعى موقف باسيل أيضاً ردوداً وزارية رافضة ومنتقدة. وأكد مصدر وزاري بارز لـ «الحياة» أن «المزايدات الكلامية في ملف النازحين شيء والإجراءات التي تتخذ في هذا الخصوص شيء آخر، ولا يمكن أي تدابير أو إجراء أن يتخطى رئيس الحكومة لأن الأمر من ضمن صلاحياته، فكيف إذا كانت تتصل مباشرة بعلاقة لبنان بالمجتمع الدولي ومنظماته التي تعمل في المجالين الاجتماعي والإنساني وبالتالي فإن هذه المزايدات ليست ملزمة ولا مفاعيل لها».

وفي هذا السياق استغرب مصدر في المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة ما أخذ يروّج له البعض في وزارة الخارجية من خلال وسائل الإعلام بأن مسؤولين في المفوضية يقومون بتخويف النازحين السوريين المقيمين في بلدة عرسال من العودة إلى بلداتهم في داخل سورية، وقال لـ «الحياة» إن أقل ما يقال في هذا الخصوص، هو افتراء وعار من الصحة.

وكشف المصدر نفسه لـ «الحياة» أن لدى وكالة غوث اللاجئين كتاباً تعتمده كل الدول التي تستضيف نازحين أو لاجئين وفيه مجموعة من الأسئلة توجه إلى من يود العودة منهم إلى بلدانهم وذلك من باب رفع المسؤولية المعنوية السياسية عن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين.

ومن الأسئلة التي تطرح على هؤلاء - وفق ما يقول المصدر - هل تريد العودة إلى بلدك وهل تمتلك منزلاً ولديك ما يثبت ملكيتك له، وهل كنت عازباً عندما نزحت إلى لبنان أم كنت متزوجاً وإذا كنت عازباً هل أنجبت أولاداً وكم عددهم وهل لديك ما يثبت أنك تزوجت في لبنان وأنجبت أولاداً وقمت بتسجيلهم وفق الأصول القانونية؟

ولفت إلى أنه يتوجب على المفوضية الحصول على أجوبة واضحة عن كل الأسئلة التي تطرح على النازح الذي يودّ مغادرة لبنان إلى سورية. وقال إن هذا الإجراء يقطع الطريق على لجوء السلطات في بلده الأصلي إلى السماح له بالدخول من دون أن يصطحب معه أفراد عائلته ممن ولدوا في لبنان إضافة إلى أنه يمنع أي جهة في سورية أو في لبنان اللجوء إلى استغلال منع أفراد من عائلته من أن يلتحقو وصولاً إلى شنّ حملة تستهدف المفوضية وتتهمها بأنها تقف إلى جانب توطين النازحين.

«مهلا أيها الوزير»

وشكر الوزير حمادة في تصريح «رئيس الحكومة لتذكيرنا أمس عبر التعميم الذي وزعه علينا الأمين العام لمجلس الوزراء بأننا مجرد وزراء لتصريف الأعمال وفي المعنى الضيق للأمر. إلا أن المفاجأة أن يطل علينا وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال ليطلق سياسة جديدة تجاه عودة النازحين السوريين والمنظمات الدولية، وكأن لا حكومة راحلة ولا حكومة مقبلة ولا مجلس نواب جديداً ولا معايير متفقاً عليها في الدولة بقرار من الحكومة واللجنة الخاصة بالملف وبالتلازم مع شرعة حقوق الإنسان».

أضاف: «يتصرف هذا الوزير وكأن الدولة تعلن حرب إلغاء على المؤسسات الدولية من دون حساب للتداعيات المحلية على سمعة لبنان والخسائر المرتقبة إن لم يرحل النازحون وانقطعت المساعدات. مهلاً أيها الوزير، نذكّرك أنه حتى إشعار آخر هناك رئيس وحكومة تصريف أعمال، وهناك رئيس مكلف لتشكيل الحكومة وهناك حكومة مقبلة عليها أن تناقش أمام مجلس النواب سياسة الحكومة وترتيبات عودة النازحين». وقال: «لا يجوز أن تحوّل المنابر لتهديد المنظمات الدولية وأن يحدّد وزير واحد تصريف الأعمال بتحديد سياسات تعني الداخلية والشؤون والدفاع والعدل والتربية والصحة أكثر مما تعنيه».

وقال وزير الدولة لشؤون النازحين في حكومة تصريف الأعمال معين المرعبي لـ «الحياة» إن ما صدر عن باسيل «ما هو إلا موقف شخصي ولا مفاعيل سياسية له، خصوصاً في مجال علاقاتنا بالمجتمع الدولي وبالمفوضية العليا لشؤون اللاجئين وبالتالي لا يلزم أحداً وكنا سمعنا منه في السابق مواقف مشابهة للموقف الذي فاجأنا به قبل أن تتحوّل الحكومة الحالية برئاسة الرئيس الحريري إلى حكومة تصريف أعمال».

ولفت المرعبي إلى أنه لا يحق لباسيل وهو حالياً وزير في حكومة تصريف الأعمال أن يقول ما قاله. وقال: «نحن لا نعتدّ بكل ما صدر عنه من تهديدات للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين أو عن مسؤولين في وزارة الخارجية، لا سيما أنه يعلم أن الموقف من النازحين لا يزال موضع اختلاف في وجهات النظر وأن اللجنة الوزارية التي كانت شكّلت برئاسة الرئيس الحريري عقدت اجتماعات عدة لكننا لم نتوصل إلى موقف موحد».

وأكد المرعبي أن العراقيل التي يضعها باسيل، والتي تصدر عنه من حين لآخر، لا تصرف في مكان وهو يعلم قبل غيره أن مواقفه لم تلزم الحكومة في السابق فكيف اليوم ونحن أعضاء في حكومة تصريف أعمال؟

وقال إن المجتمع الدولي الداعم للبنان في ملف النازحين يدرك جيداً أن لا مفاعيل سياسية لكل ما قاله باسيل. وكان سبق لأكثر من جهة دولية أن اعترضت على مواقفه.

وكان مدير الشؤون السياسية والقنصلية في الخارجية، السفير غادي الخوري، زار أول من أمس، بلدة عرسال الحدودية مع وفد من الوزارة ومن الأمن العام اللبناني، مطلعاً على وضع النازحين وعلى موقفهم، واتهم مفوضية شؤون اللاجئين «بالتأثير سلباً في النازحين السوريين وعدم تشجيعهم على اتخاذ قرار بالعودة إلى سورية».

وفي المقابل، رأى نائب رئيس مجلس النواب إيلي فرزلي، أن «الإرادة الدولية لا تريد عودة النازحين إلى سورية»، داعياً إلى «مواجهتها بإرادة لبنانية موحدة رافضة لموقف المجتمع الدولي»، ومعتبراً أن «الإجراءات اللبنانية في هذا الخصوص يجب أن تستمر من دون وضع سقوف محددة لها».

وغرّد النائب نقولا الصحناوي، قائلاً: «يوماً بعد يوم، يثبت الوزير باسيل أنّه المؤتمن الأبرز على نهج العماد ميشال عون الذي يضع مصلحة لبنان واللبنانيين فوق كلّ اعتبار».

أضاف: «ولكل منتقديه أقول لهم، السيادة ليست سلعة أو عبارات فضفاضة إنَّما فعل عمل لقائد لا يهاب أكبر القوى ومخططاتها دفاعاً عن لبنان وشعبه».