مشاعر مخدوشة وسواتر محجوبة بين الصائمين والمفطرين في مصر

القاهرة – أمينة خيري |

ساتر من قماش «الخيامية» (قماش مصري تقليدي يستخدم في زينة رمضان) الرمضاني يفصل بين المفطرين المجاهرين بالإفطار في الداخل والصائمين والمفطرين غير المجاهرين بالإفطار. صحيح أن رائحة الشيشة «التفاحة» والشاي «الخمسينة» و «القهوة بالحبهان» تتحدث عن نفسها ولا تدع للخيال الكثير ليعرف ما يجري خلف الستار الرمضاني، لكن راحة بعض الصائمين النفسية تبدأ من حجب رؤية المفطر في نهار رمضان.


لكن صائمين من الشباب يرون في ستار «الخيامية» ستاراً على حرية الاختيار وقبول الاختلاف والقدرة على التحمل. إبراهيم شريف (28 عاماً محاسب) يقول: «لسنا أطفالاً سننهار أمام مشهد من يشرب أو يأكل. صحيح أنه يفضل أن يحترم غير الصائمين سواء غير المسلمين أم المسلمين المفطرين، لعذر أو بدونه، الجو العام لرمضان، إلا أنه ليس فرضاً. وأشك في أن من يقوى على الصيام 14 ساعة لن يقوى على رؤية شخص يشرب كوباً من الشاي أو يصاب بانهيار عصبي لو شاهد أحدهم يأكل سندويتشاً».

لكن السندويتش نفسه أثار شداً وجذباً بين مجموعة من الطلاب، ومعهم المراقبون في لجنة امتحان جامعية. فقد شعر طالب بهبوط وعدم قدرة على التركيز فما كان منه إلا أن أخرج سندويتش كان قد أحضره معه ليأخذ منه قضمة. القضمة دفعت أحد المراقبين إلى إطلاق تعليق حمل قدراً من السخرية مع قليل من اللوم حول احترام مشاعر الصائمين، وهو ما أجج سجالاً فكرياً وأطلق أحكاماً فقهية بين جموع المعترضين على المجاهرة بالإفطار وجموع غير المعارضين.

جموع غير المعارضين ربما كانت أقل عدداً، لكنها اعتمدت مبدأين: الأول هو أن من يهتز إيمانه وينهار صيامه ويفقد أعصابه لأن أحدهم أكل أمامه فعليه مراجعة الطبيب المختص، والثاني هو أن إجبار الآخرين على الصيام أمامهم هو مصادرة للحرية واعتداء على الحق في الاختيار. أما جموع المعترضين فقد تحدثوا عن نقطتين الأولى واتخذت منحنى هادئاً قوامه ضرورة مراعاة شعور الصائمين، والثانية وقد استدعت بعضاً من صياح وكثيراً من عصبية ألا وهي أن المجاهرة بالإفطار معصية كاملة متكاملة.

«تكامل شهر رمضان يوجب الصيام ولمن يختار عدم الصيام أو تختلف عقيدته عليه أن يحترم روح رمضان وإلا يعاقب. وطالما العقاب غير موجود في القانون، فعلى المسلمين الصائمين أن يعاقبوا المجاهر ولو حتى بنظرة حادة أو تعليق سخيف» كما تقول هاجر سليمان (20 عاماً) طالبة.

ويبدو أن وجهة نظر هاجر «العقابية المجتمعية» للمجاهر والمجاهرة بالإفطار في نهار رمضان سائدة إلى حد كبير. في عربة السيدات في مترو الأنـــفاق وفي ساعات الذورة حيث تكون العـــــربة تعج بحمــولتها الثقيلة من نساء وشابات أغلبهم مسلمات، قياساً بنسبة ارتداء الحجاب والنقاب التي هي الأعم والأشمل. نظرات الاستهجان التي تقابل بها من تتجرأ على شرب الماء في العربة لا تخطئها عين، لكن درجة الاستهجان تقل لو كانت المجاهرة ترتدي الحجاب، إذ تبادر الأذهان وبعض الألسنة إلى أنها على الأرجح لديها الدورة الشهرية!

في شهر رمضان على مدار السنوات القليلة الماضية، ومع ذيوع نجم تيارات الإسلام السياسي والتي وصل بعضها للحكم وسقط حاجز الخوف المفروض على البعض الآخر، تتصاعد سجالات المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان، لا سيما بين فئات الشباب المختلفة بين مؤيد ومعارض.

المثير هو أن الأكبر سناً يتحدثون عن عقود لم تكن مشاعر الصائمين تخدشها رشفات الماء أو تجرحها قضمات السندويتشات. كما يشيرون إلى عهود تاريخية تبخرت مع ثمانينات القرن الماضي كانت فيها روح رمضان حقيقية أكثر وروحانية أعلى على رغم أن تدخلات المواطنين في إيمان بعضهم بعضاً كانت أقل بكثير.

وكثيراً ما تتداول مواقع التواصل الاجتماعي وقائع عن تعرض أحدهم لمضايقات لأنه شرب في نهار رمضان أو وقوع إحداهن ضحية للتوبيخ والملامة لأنها لم تتبع مقاييس رمضان من حيث تغطية الشعر وعدم ارتداء ملابس فضفاضة، لكن أغلب هذه الوقائع تمضي من دون توثيق. شابة مصرية اسمها ولاء م. (22 عاماً) قررت أن تجري اختباراً عملياً لتقطع الشك باليقين. ارتدت ملابسها العادية في أوائل رمضان وهي بنطلون جينز وقميص وحذاء رياضي ونزلت إلى الشارع وركبت مواصلات عامة وتعاملت مع الباعة، وعادت إلى بيتها ومعها آثار نظرات استهجان وتعليقات تراوحت بين الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم والدعاء لها بالهداية مع بعض من تعليقات هي خليط من التحرش واللوم على تسببها في إفطار المؤمنين. وفي اليوم التالي، ارتدت بنطلون جينز ضيق وتي شيرت قصيرة وضيقة. الغريب إنها عادت إلى البيت من دون حملها السابق الثقيل من التوبيخ والاستعاذة من الشيطان والدعاء بالهداية والدعوة لاحترام مشاعر الصائمين.

ميرنا ناجي (19 عاماً) طالبة مسيحية. وعلى رغم إنها تحاول قدر الإمكان ألا تأكل أو تشرب في نهار رمضان في الأماكن العامة، وتقول إنها تفعل ذلك احتراماً لمشاعر الصائمين، إلا أنها تتساءل: «لكن المسلمين لا يمتنعون عن تناول اللحوم والألبان أمامنا (المسيحيين) أثناء صومنا. المسألة مجرد احترام مشاعر، ولكن إذا تحولت إلى إجبار فستكون هناك مشكلة حقيقية».

المشكلة الحقيقية في رأي مصطفى فكري (21 عاماً طالب جامعي) «تكمن في تصور البعض أن الغالبية العددية من حقها أن تفرض قواعدها الدينية والفكرية والثقافية على الآخرين لأنهم الأقوى، وهذا منطق مرفوض وإلا فرضت الغالبية المسيحية مثلاً في دول أوروبا طقوسها على الأقليات غير المسيحية التي تعيش هناك ومنعتها من ممارسة طقوسها وعباداتها».

وقبل عامين وصل الأمر إلى ذروته حين تفتق ذهن أحد المسؤولين عن فكرة لـ «ردع» الشباب المجاهرين بالإفطار وذلك بأن قاد حملة مداهمة للمقاهي التي تقدم المشروبات في نهار رمضان وقام بإغلاقها. ولأنه لا يوجد في القانون ما يعاقب على تقديم المشروبات في نهار رمضان، ولا على معاقبة المفطر، فقد قال حينئذ– بعد انتقادات وجهها البعض في وسائل الإعلام- أن الحملة كانت موجهة ضد المنشآت المخالفة.

الطريف أنه قبل سنوات انتشرت ظاهرة تبرع الشرطة بمطاردة المفطرين في نهار رمضان حتى أن البعض أطلق عليها «شرطة مكافحة المفطرين». والأكثر طرافة هو أن محاضر عدة تم تحريرها ضد مجاهرين بالإفطار بعد الاطلاع على بطاقات هوياتهم الشخصية والتأكد من إنهم مسلمون على رغم أن القانون يخلو من عقوبة للمفطر.

لكن يبدو أن عقوبة المفطر تعود هذا العام من جديد إلى صدارة العقاب المجتمعي ونشوء مجموعات للأمر بالمعروف كنوع من التبرع لنصرة الدين وتعميق الإيمان. وعلى سبيل تعميق السجال، فقد فاجأت دار الإفتاء الجميع قبل أيام بالإجابة عن سؤال «هل هناك وسيلة لمحاربة من يجاهر بإفطاره في نهار رمضان؟» برد اعتبره البعض، لا سيما من الشباب الذي يرفض المجاهرة بالإفطار، بطاقة خضراء للأمر بالمعروف بنفسه والنهي عن المنكر بنفسه أيضاً. فقد أجابت الدار بأنه لا يجوز لمسلم يؤمن بالله وبرسوله وباليوم الآخر أن يجاهر بإفطاره في نهار رمضان وأن يقترف هذا الإثم على أعين الناس ومشهد منهم، وأن «من يجهر بإفطاره يعد مستهتراً وعابثاً بشعيرة عامة من شعائر المسلمين، وهذه ليست حرية شخصية، بل هي نوع من الفوضى والاعتداء على قدسية الإسلام لأن المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان مجاهرة بالمعصية، وهي حرام».

وأوضحت أن الوسيلة لمحاربة من يجهر بإفطاره في شهر رمضان هي توجيه النصح له بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يتخذ ولي الأمر من الضوابط ما يكفل منع المجاهرين بالإفطار في الشوارع والميادين وجميع الأماكن العامة!

ويستعر السجال في شكل أكبر في ضوء الفتوى، وبينما يصر البعض على أن الإفطار أو الصيام حرية شخصية ولا يحق لأحد أن يقوم بدور الله في منع هذا وشجب ذاك، يمعن البعض الآخر في اعتبار المجاهرة بالإفطار شر لا بد للمجتمع من أن يقومه طالما القانون لا ينص على معاقبته.

وإلى أن يتم الفصل في شأن مفهوم الحرية والاعتقاد والمجاهرة بالإفطار، يظل ساتر «الخيامية» الرمضاني حاجباً بين الصائم في نهار رمضان والمجاهر بإفطاره.