عازف مغامر يتحدى المتشددين ويعلّم الأطفال الموسيقى في الشمال السوري

محمد أدهم (الحياة)
إدلب (سورية) - جهان حاج بكري |

في مغامرة خطرة واستثنائية، يتفرغ الشاب محمد أدهم ساعات طويلة لتعليم الأطفال العزف على الآلات الموسيقية في مناطق ريف إدلب الغربي الخاضعة لسيطرة قوات المعارضة السورية.


ويمارس محمد هوايته بالعزف وتعليم الأطفال في منزله في شكل سري خوفاً من بعض الفصائل العسكرية المتشددة المسيطرة على المنطقة، والتي تحرم الموسيقى لأسباب تقول إنها دينية، فيما الشاب البالغ من العمر ٢٣ عاماً يتقن العزف منذ صغره ودرسه في مدينة اللاذقية حيث كان يعيش.

ويتحدث أدهم إلى «الحياة» راويا كيف ترك آلاته الموسيقية في اللاذقية وكان اشتراها من لبنان، وذلك عندما هرب نحو مناطق سيطرة المعارضة خوفاً من الاعتقال أو الالتحاق بصفوف قوات النظام للقتال. لكنه تمكن، وعلى رغم ظروف الحرب من شراء العديد من الآلات الأخرى التي يجيد العزف عليها، وهي البزق والعود والأورغ والكمان.

وفي بداية وصوله إلى مناطق المعارضة قبل وجود المتشددين فيها منذ أكثر من 4 أعوام، كان يعرف بـ «فنان المنطقة» الذي يتوجه إليه الأهالي لإحياء مناسباتهم الخاصة كالأفراح أو العامة كاحتفالات سيطــرة المعارضـــة على منطقــة جديـدة.

أما اليوم، فيقول أدهم إنه كـــرس معظم وقته لتعليم الأطفال الفن ليس ليعزفوا فحسب، ولكن أيضاً لإنقاذهم من المتشددين وأفكارهم وللترويح عن أنفسهم. فهو يخصص لكل طفل حوالى 4 ساعات أسبوعياً ويختارهم من أبناء المقربين إليه أو من أبناء قريته الذين يثق بهم وبأهلهم.

ويفرح العازف المتطوع بالكامل لمهمته حين يرى التفاعل الكبير من الأطفال وتحسنهم الملحوظ في أسلوب العزف بين درس وآخر، لافتاً إلى أنه يواجه العديد من المشكلات أبرزها عجز الأطفال عن شراء آلات خاصة بهم ليتابعوا التدريب عليها في منازلهم، بالإضافة إلى عامل الخوف الشديد وضرورة التكتم نظراً إلى أن العزف الموسيقي يشكل تهمة قد تسبب الموت. لذلك، فهم يعزفون بهدوء شديد، ويغلقون الأبواب خوفاً من تسلل الصوت إلى الخارج، علماً أنه يضطر إلى القيام بأعمال يومية متنوعة منها العمل الزراعي أو في البناء ليوفر دخلاً مادياً لأسرته المكونة من زوجته وطفله.

أما عن دراسته للعزف فيقول إنه تعلم على يد أساتذة مختصين ثم شارك في العديد من المسابقات التي كانت تقام خلال مراحل دراسته، وبرنامج مسابقات للعزف في إذاعة دمشق حيث التقى خلاله عدداً كبيراً من الفنانين الذين شجعوه وأعجبوا بموهبته، لكن الظروف التي يمر بها حالت دون متابعته الدراسة أو تطوير نفسه أكثر.

ويقول: «هنا لا تتوافر أي إمكانية للدراسة أو تطوير الذات خصوصاً في الموسيقى»، لافتاً إلى أنه كان يملك الكثير من الأحلام ومنها دراسة الفن في شكل أكاديمي، لكنه حالياً يجبر على الذهاب إلى قرية أخرى لدى أحد أصدقائه بهدف العزف على آلة موسيقية لا يملكها.

وأضاف أدهم أنه يعلم الأطفال الفن في شكل مجاني كذلك كان يعزف للناس من دون أي مقابل، لأن الموسيقى بالنسبة إليه وسيلة لإدخال الراحة والسعادة إلى قلوب الناس، ولا يمكن أن يكون مصدراً لكسب المال خصوصاً في هذه الظروف الصعبة.

ويقول عامر حسين وهو أحد أصدقاء أدهم، إن ما يقدمه الأخير في هذه الأوقات يعتبر إنجازاً كبيراً وتضحية عظيمة، لأنه يتيح للأطفال التعرف إلى الموسيقى وتنمية موهبة لا يعرفون عنها أي شيء، فيما يسعى كثيرون لتدمير هذا الإرث الثقافي في المنطقة. ويضيف: «لكن وعلى رغم إعجابنا بما يقوم به إلا أننا جميعاً نخاف عليه من الاعتقال فقد سبق أن تعرضت آلاته الموسيقية للكسر من قبل مجموعة متشددة. لكنه قام بإصلاحها وتابع العزف مجــدداً».

وزاد عامر أنه يساعد صديقه في الكثير من الأمور وأبرزها معرفة الطلاب الذين يستقبلهم في منزله والتأكد من أهلهم، فضلاً عن حضور بعض الدروس معهم بحسب وقته فهو أيضاً يستمتع في شكل كبير بهذا الجو الذي تسوده الإلفة والهدوء، كما يعجب بتفاؤل الأطفال وذكائهم الشديد وما يطرحونه من أسئلة واستفسارات حول العزف والموسيقى.