طهران وإسرائيل هل تقتربان من اشتباك أكثر عنفاً؟

بعد قصف اسرائيلي لموقع إيراني في سورية (رويترز)
نجاح عبدالله سليمان |

بداية، فإن واقع ما تخفيه السياسة من دهاء ظهر عقب الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مع إيران. فأكثر ما يهم الأوروبيين، هو خفض احتمالات وقوع حروب في الشرق الأوسط. ومن هنا لم تتقبل الأطراف الموقعة على خطة العمل المشتركة، المعنية بإلزام إيران تخفيض نشاطاتها النووية، إعلان ترامب، فالتعليقات التي أعقبت القرار الأميركي توالت من الأطراف كافة الموقعة على الاتفاق عبرت عن الأسف إزاء هذه الخطوة «غير المبررة». كذلك فالحث الإسرائيلي على إلغاء الاتفاق النووي مع إيران جاء في سياق التخوفات المتراكمة جراء السياسة الإيرانية المسلحة العابرة الحدود، لا الخروج باتفاق يقضي على الطموحات النووية الإيرانية فقط.


سبق أن أعربت إسرائيل عن نيات جديدة لا تقتصر على امتلاك السلاح النووي من دون غيرها في المنطقة، ذلك أن السياسة الإيرانية، خصوصاً في سورية، غدت أكثر حساسية من احتمال امتلاك إيران سلاحاً نووياً بعد 2025، وهو الموعد الذي تتوقف معه خطة العمل المشتركة الضابطة لسلوك طهران، ومن ثم حفز استقوائها بحلفائها الذين باتوا في مواقع أكثر نفوذاً وقوة من قبل، في لبنان والعراق، إلى شعور إسرائيل بخطورة هذا الامتداد الذي قد يربط المصالح الإيرانية بالبحر المتوسط مباشرة. وهذا سيسمح لإيران ليس فقط بالوصول إلى السوق الأوروبية بسهولة، ولكن سيمس المصلحة الإسرائيلية في ضبط إيقاع التحكم في القوة في الجوار.

الواقع أن التعقيدات السياسية والعسكرية في سورية تُظهِر حدوث تشابك مستمر للمصالح الدولية في الصراع السوري، وتقف إيران وإسرائيل على مقربة من اشتباك أكثر عنفاً، حيث تبدو الساحة السورية مسرحاً محتملاً لصراع من هذا النوع، وبالنظر إلى الوجود الروسي في سورية فإن التفكير في خيارات التحرك العسكري في الساحة السورية ليس بالأمر السهل. فلقد أثبت التحالف الروسي- الإيراني أنه قادر على إنقاذ حليفه في سورية، حيث أضافت التفاهمات بين روسيا وإيران بعداً خاصاً في موضوع العلاقة التكاملية بين إيران في الأرض وروسيا في السماء، إلا أن هذا لا يعني تحالفاً إيجابياً ومقبولاً بشدة من قبل الطرفين. وهنا يأتي إعلان روسيا وإسرائيل وجود تنسيق مستمر بين الجيشين الروسي والإسرائيلي في وقت تشن إسرائيل ضربات على مواقع إيرانية وأخرى تابعة لنظام بشار. فاللقاءات الإسرائيلية- الروسية تضمنت مناقشات واسعة حول ضرورة استمرار التنسيق العسكري، وبدا ذلك في لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي الرئيس الروسي في موسكو، في 9 أيار (مايو) الماضي. هذا التنسيق قد يعني قبول روسيا بهذه الضربات المحدودة التي تضعف إيران قليلاً وتردعها، في إطار التوازن الذي تقبل به روسيا وإسرائيل في سورية.

قد تعلم روسيا أن الدور الإيراني يجب أن يظل محدوداً في سورية، كما تدرك القلق الإسرائيلي الشديد حيال التوسع العسكري لإيران في سورية، ويجب على روسيا أن تمنع المواجهة الإسرائيلية- الإيرانية التي ستضر بمصالحها قبل أي طرف آخر، ويمكن لروسيا أن تمارس دوراً تفاوضياً بين إسرائيل وإيران في سورية من دون الميل إلى أي طرف، كما أن روسيا ستعلم بأي ضربة عسكرية في سورية من قبل الإسرائيليين، إذا أرادت إسرائيل أن تحافظ روسيا على تأطير السلوك الإيراني في سورية. فكل السلوكيات الإسرائيلية العسكرية ضد إيران قد لا تحمل نية لتوسيع نطاق المواجهة إلى حرب مباشرة، والاحتمالات التي تنطوي على الجهود الديبلوماسية نحو إقرار صيغة تقلص من وجود إيران في سورية ودعمها لحليفها في لبنان (حزب الله) قد تزداد صعوبة بعد قرار ترامب إلغاء الاتفاق النووي.

يمكن رصد أكثر الاحتمالات المتوقع حدوثها بين إسرائيل وإيران، ومنها سيناريو الضربات المحدودة، حيث يبقى التصعيد محتملاً إلى حد كبير -من دون أن يكون حتمياً- بين إسرائيل وإيران في سورية، فمن المتوقع أن تصر إسرائيل على إبقاء الإيرانيين في حدود عمل متفق عليها مع روسيا، ومثل هذا الاتفاق ينبغي أن يحدث مع استمرار ضرب المواقع الإيرانية بين فينة وأخرى، فمن جهة تفضل روسيا مثل هذا الشكل من المواجهة الذي يضعف من النفوذ القوي على الأرض، ومن جهة ثانية تحافظ موسكو على موقعها من دون الدخول في حرب مباشرة، وإخفاق إيران إلى الحد الذي يتركها وحيدة، وهذا السيناريو هو المرجح.

الحقيقة أنه لسنوات مضت ارتفع سقف التوقعات بضرب إيران. سيناريو تكرر كثيراً كلما واجه البلدان (أميركا وإسرائيل) مشاكل داخلية. في حين نجد علاقة إيران كدولة حديثة مع أميركا أكبر من علاقتها بجيرانها. كذلك فالتعاون العسكري الإيراني- الإسرائيلي مستمر منذ عهد الشاه، فعندما كان الجيش المصري يتحرك لتحرير سيناء كانت الدبابات والآليات العسكرية الإسرائيلية تتحرك بوقود إيراني. وعلى رغم الحصار والعقوبات على مبيعات السلاح لإيران تعتبر إسرائيل المزود الرئيسي لإيران بالسلاح.

لقد وجه ترامب انتقاده لبنود الاتفاق -المعيبة كما وصفها- لأنها لم تشمل اتفاقاً في شأن الصواريخ الباليستية الإيرانية، وكذلك سياسة إيران في المنطقة؛ المتمثلة في دعم الجماعات المسلحة، وهذا يعني أن إلغاء الاتفاق جاء للضغط من أجل أن تغير إيران من سياستها في المنطقة، ومن ثم فإن العقوبات الاقتصادية قد تعمل على إرباك السياسة الداخلية لإيران، وهو ما سينتج تراجعاً في قدرات إيران المالية والعسكرية، لكن تعويل ترامب، وكذلك إسرائيل، على نتائج الاتفاق النووي يحتمل أن تكون غير مجدية في حال لم تتجاوب الدول الموقعة على الاتفاق مع التوجهات الأميركية، خصوصاً الصين وروسيا، ووفقاً لأهمية العلاقات الروسية- الإيرانية ستحاول روسيا التحايل على الإجراءات الأميركية في حال شعرت بأن هناك دوراً أميركياً وإسرائيلياً يمكن أن يقوض جهودها في سورية.

الواقع أن سيناريو الاتجاه نحو الحرب المباشرة ضعيف، حيث تدرك كل من إسرائيل وإيران خطورة الدخول في حرب مباشرة، لا سيما أن المحيط المجاور لكل من الدولتين يدفعهما إلى الانكفاء عن خيار حرب واسعة، وقد يكون التكهن باتخاذ إسرائيل قرار المواجهة والبدء بالتحرك في شكل مباشر ضد إيران صعباً، لكنه وارد في حال وصول إيران إلى نقطة تمركز عسكرية بحرية على البحر المتوسط عبر الساحل السوري، فمثل هذه الحالة ستكون ناقوس خطر يهدد إسرائيل التي باتت محاطة بقوات إيرانية أو تابعة لإيران في سورية ولبنان، ومن ثم من المتوقع أن تخاطر إسرائيل بضرب المصالح الإيرانية وتعطيل جميع المنشآت العسكرية داخل سورية، وهذا الخيار ربما يؤذن بحرب مباشرة بين البلدين. كذلك في حال قاربت إيران امتلاك سلاح نووي في السنوات المقبلة فإن إسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي، وهذا سيقود إلى احتمال توجيه ضربات استباقية تدمر القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، ومثل هذا الإجراء يطاوله كثير من الغموض حيال إمكان حصول إيران على سلاح نووي قبل أن تخسر الكثير من إمكاناتها جراء العقوبات الاقتصادية، وعدم تحمل الشعب الإيراني لظروف التضييق الاقتصادي، حينها قد لا تستطيع إيران الحصول على السلاح النووي.

فهل بات الصراع بين إسرائيل وإيران مرتبطاً بديناميكيات الاتفاق النووي؟ وما أشكال التشابك المتوقعة في حال عادت إسرائيل لضرب مواقع عسكرية في سورية؟ يبقى كل هذا رهن توافق إيراني- إسرائيلي، يكون ضحيته في المقدمة (عرب).

• كاتبة مصرية