اتفاق بين اليونان وجارتها «المقدونية» بعد ربع قرن من الخلاف

العلم المقدوني الذي تعترض عليه اليونان في مركز سكوبيه (الحياة)
محمد م. الأرناؤوط |

بعد اندلاع الاشتباكات في شرق أوكرانيا بدعم من روسيا وضم روسيا شبه جزيرة القرم في 2014 أدت العقوبات الأوروبية والأميركية على روسيا إلى تجدد «الحرب الباردة الجديدة» التي تمركزت في غرب البلقان الذي تحول ساحة للمناكفة بين روسيا البوتينية وتركيا الأردوغانية من جهة، وتتمتع كل منهما بنفوذ تاريخي (روسيا على السلاف الأرثوذكس وتركيا على المسلمين)، والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، من ناحية أخرى، التي تسعى إلى ضم دول المنطقة إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وبعد أن فشلت محاولة الانقلاب في الجبل الأسود في نهاية 2016 لعرقلة انضمام هذه الدولة إلى الحلف (أصبحت بعد ذلك عضواً فيه) انتقل التنافس بين الطرفين الآن على الجمهورية الأخرى التي كانت تشتهر باسم «برميل البارود» وأصبحت الآن تعرف بـ «فيروم» FYROM (الأحرف الأولى من «جمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة») في انتظار التوصل إلى اسم معترف به من الجيران وبالتحديد من اليونان.


من أزمة إلى أخرى خلال 25 سنة

مع أن «جمهورية مقدونيا» (كما اختارت لنفسها هذا الاسم) أعلنت استقلالها في أيلول (سبتمبر) 1991 في خضم انهيار يوغوسلافيا السابقة، إلا أن «الجماعة الأوروبية» أجّلت الاعتراف بها تحت ضغط اليونان لاعتراضها على هذا الاسم باعتباره من التراث القومي اليوناني، واستمر هذا الموقف إلى عام 1993 حين تم قبول الدولة الجديدة في الأمم المتحدة بـ «اسم موقت» ( «جمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة» أو «فيروم» FYROM اختصاراً) إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق حول الاسم الجديد بين هذه الدولة واليونان مع تعيين وسيط دولي بين الدولتين. ولكن المفاوضات لم تفض إلى نتيجة لأن الحزب القومي اليميني (الحزب الديموقراطي للوحدة القومية المقدونية VMRO) الذي برز في الانتخابات بعد انهيار الحزب الشيوعي الحاكم لعب على المشاعر القومية باستمرار، وعرقل أي توصل إلى اتفاق مع اليونان (التي كانت تصرّ على إعادة النظر في اسم الدولة ودستورها) باعتبار أن ذلك كان سيفتح الطريق أمام انضمام الدولة الجديدة إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وهو ما لاتريده.

ولما كان الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يشترط تطبيق معايير مشتركة تتعلق بالشفافية ومحاربة الفساد وحكم القانون، فإن حكومة نيقولا غرويفسكي وجدت في الشعارات القومية الرافضة لأي تنازل أمام اليونان مظلة للاستمرار في الحكم مع تشكّل آليات فساد واسعة. ومع تفاقم الوضع منذ 2014 بعد الكشف عن التنصّت على مكالمات كبار المسؤولين في حكومة غرويفسكي التي دلّت على وجود «دولة موازية» تتجاوز كل القوانين واستقالة بعض المسؤولين، أطلق اليسار (الاتحاد الاشتراكي الديموقراطي) برئاسة زوران زائيف سلسلة من التظاهرات الاحتجاجية التي شملت كل المكوّنات الاثنية للمطالبة بانتخابات مبكرة ودولة مدنية تندرج بسرعة في الإطار الأوروبي، عوضاً عن الاستمرار في تأزيم العلاقات مع اليونان المجاورة.

ومع إجراء الانتخابات المبكرة في مطلع كانون الأول (ديسمبر) 2016 تمخضت النتائج عن تقدم كبير لليسار وتراجع لليمين القومي، إذ حصل الحزب القومي اليميني برئاسة غرويفسكي على 51 مقعداً فقط في البرلمان الجديد، بينما حلّ الاتحاد الاشتراكي الديموقراطي برئاسة زاييف ثانياً بفارق بسيط (49 مقعداً). ومع فشل غرويفسكي في تشكيل حكومة تنال غالبية برلمانية (71) صوتاً نجح زائيف في ذلك بالاتفاق مع أحزاب الكتلة الألبانية على أساس التفاوض مع اليونان والوصول إلى حل لكي يفتح ذلك الطريق للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

الطريق السريع إلى الاتفاق التاريخي

في هذا الوضع لم تخف موسكو تأييدها للحزب القومي ورئيسه غرويفسكي على أساس أنه كان يضمن بقاء الدولة خارج حلف الأطلسي، ومع فشل محاولة الانقلاب في الجبل الأسود في نهاية 2016 لعرقلة انضمام هذه الدولة إلى حلف الأطلسي، بدت «جمهورية مقدونيا» هي الساحة الأخيرة للعب في «الحرب الباردة الجديدة». فقد استفادت موسكو من خبرتها في اوكرانيا والقرم والجبل الأسود وأصبحت تعتمد الآن على دعم اليمين القومي في الدولتين (اليونان و»جمهورية مقدونيا») الذي يرفض أي تنازل لبقاء الوضع كما هو عليه لربع قرن آخر. ولكن الكشف عن ملفات الفساد لحكومة اليمين القومي وصدور أول حكم على رئيس الحكومة السابق غرويفسكي بالسجن لسنتين في أول قضية في أيار(مايو) المنصرم، بينما تنتظره عدة قضايا أخرى في الشهور المقبلة، والكشف عن دور وعلاقات رجل موسكو الأول في مقدونيا ليونيد سافين في تدريب كوادر الحزب القومي المتطرف (حزب مقدونيا الموحدة) وعلاقات سافين مع المنظّر القومي الروسي الكسندر دوغين والمليونير الروسي المقرب من بوتين قسطنطين مالوفيف (الذي كان له دور في محاولة الانقلاب في الجبل الأسود)، جعل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يضغطان على الطرفين للوصول إلى حل وسط لفتح الطريق أمام «جمهورية مقدونيا» للانضمام إلى الاتحاد الأوربي وحلف الأطلسي لقطع الطريق على التمدد الروسي الجديد نحو غرب البلقان.

وهكذا بعد أن قامت حكومة سكوبيه ببعض المبادرات للتعبير عن رغبتها في فتح صفحة جديدة، ومن ذلك تغيير اسم المطار الدولي «الكسندر الكبير» الذي تعتبره اليونان من تراثها القومي إلى «مطار سكوبيه الدولي»، تمّ تنشيط التفاوض بعد أن قدّم الوسيط الدولي ماثيو نيمتس ستة أسماء تركّز على تقاسم مقدونيا بين الدولتين، أي أن يشمل الاسم الجديد فقط القسم الشمالي في شكل يوحي بالفرق بين الشمال والجنوب(مقدونيا العليا/ الشمالية/ الجديدة)، على أن يتم تعديل الدستور لاحقاً، بما يؤكد عدم شمولية اسم الدولة لكل مقدونيا التي تضم اليونان القسم الجنوبي منها.

وبحسب «الاتفاق التاريخي» على الاسم الجديد عوضا عن «فيروم»، الذي سيعلن عنه في وقت واحد حتى يوم الأربعاء (اليوم) في سكوبيه وأثينا من جانب رئيسي الحكومتين ألكسيس تسيبراس وزوران زائيف، ستقوم أثينا بتوجيه رسالة للاتحاد الأوربي توضّح فيها تخليها عن الفيتو السابق أمام انضمام جارتها للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي ويعقب ذلك فوراً في القمة الأوروبية توجيه الدعوة إلى سكوبيه للتفاوض حول الانضمام إلى الاتحاد ودعوة أخرى من قيادة حلف الأطلسي للانضمام إليه. وفي مقابل ذلك، تقوم حكومة سكوبيه بالدعوة إلى استفتاء عام في البلاد خلال أيلول المقبل لإقرار هذا «الاتفاق التاريخي»، وهو متوقع بعد معركة حامية مع اليمين القومي المدعوم من روسيا، وبعد ذلك تلتزم حكومة سكوبيه بإجراء تعديلات على الدستور تقضي على أي تلميحات بولاية هذه الدولة على كل مقدونيا.

ويبدو هذا السيناريو المتفائل الذي يسلّم طبعاً بوجود معركة شرسة مع اليمين القومي، لأنه في حال فشل الاستفتاء المتوقع في أيلول في تأمين أكثرية بسيطة، فإن أثينا تعتبر «الاتفاق التاريخي» ملغى بكل ما يعني ذلك من تبعات العودة إلى نقطة المراوحة التي بقيت فيها «فيروم» نحو ربع قرن، حملت لها نتائج سلبية على اقتصادها وعزلتها عن بقية أوروبا.

«الاتفاق التاريخي» بين اليونان و «جمهورية مقدونيا» بعد 25 سنة من «حوار الطرشان» يؤكد مرة أخرى خبرة البلقان الجديدة في أولوية التفاوض والديبلوماسية وإمكان الحلول الوسطى، طالما أن الحرب لم تعد واردة وطالما أن «تجميد الوضع» بشعارات قومية لم يفد البلاد بشيء، بل ساهم في تشكل طبقة سياسية فاسدة تواجه القضاء الآن في قضايا كثيرة.