آمال نوّار تكتب أناشيد الذات المهشّمة

أنطوان أبو زيد |
آمال نوّار (الحياة)

في مجموعتها الشعرية الثالثة، بعنوان «امرأة الأدغال» والصادرة عن دار الفارابي في بيروت (2018)، بعد: «تاج على الحافة» (2004)، و «نبيذها أزرق ويؤنس الزجاج» (2007)، تواصل الشاعرة آمال نوّار تجربتها الشعرية المميّزة بين نظرائها ونظيراتها من الشعراء المجايلين لها، وهي من الرعيل الذي تأنى في إصدار الأعمال الشعرية، بعد طول تمرّس وأسلبة وتجريب.


في مستهلّ الإطلالة على العمل الشعري الأخير، لا بدّ للقارئ من إلقاء النظرة إلى بنيته الخماسية: فهو مكوّن من خمسة أقسام، كلّ منها يقع تحت عنوان، هي على التوالي: جرس الليل، صحراء بلا قمر، قبور بعيون مفتوحة، تحت عجلات الأبد، غبار الشمس. وسوف يتسنى للقارئ أن يتعرّف تباعاً إلى مناخات دلالية متجانسة، في كلّ من هذه الأجزاء أو الفصول.

«إنّ ما يميّز قصيدة النثر هو وجود صيغة ولاّدة ذات وظيفتين اثنتين بدلاً من واحدة: فهي تولّد المدلولية، شأنها في كلّ شعر، مثلما تولّد ثابتة شكلية تتميّز بكونها متضايفة مع النص ومستقلة عن المدلولية».

Michael Riffaterre, Sémiotique de la poésie, p149 - 150

أسوق التعريف الآنف للناقد الأميركي مايكل ريفاتيرّ الذي يصف قصيدة النثر بأهمّ خاصّيتين هما: خاصية أن يتأسس بنيانها على معنى فريد، وخاصية أسلوبية «مستقلة عن المدلولية» كما يقول ريفاتيرّ. وهذا ما سوف نعالجه في قصائد الشاعرة آمال نوار التي تستدعي القارئ إلى المزيد من طرح الأسئلة، واستحضار نصوص شعرية يدركها القارئ، أو سبق له أن خزّنها في ذاكرته، من أجل أن يفهم شعر نوار ويتفاعل معه. ولعمري هذا حقيق بالأدب، وقد تجسّد شعراً في قصائد من نثر أو نثرية.

أحسب أن الوظيفة الأولى لقصائد المجموعة الشعرية «امرأة الأدغال» هي صوغ هويّة للذات الشاعرة، أو

الكائن- الشاعرة، فوق واقعية، بل رومنطيقية وعدمية في آن وهي أقرب ما تكون إلى صورة الانسحاق

والامحاء والتذرّر والانطواء، والذوبان في العناصر على صورة الخرافة أو الأسطورة التي تؤثرها.

أما الآلية المبهرة التي ابتدعتها الشاعرة، والتي انكشفت لها، في مراسها الشعري الطويل، فكانت

التنويع في وجهات النظر –التي يكون لنا وقفات في شأنها لاحقاً- من حيث تطلّ على الموضوع: ففي

قصيدة «معبد « (ص:9-10) على سبيل المثل، نرى الشاعرة وقد تقمّصت كيان المعبد، فجعلت تتصوّر ذاتها «حجارة» المعبد، و «زنابقه»، والفخّار، و «رخامه الشاحب»، حتى لا يبقى سوى أن تُسقط على سياق القصيدة من الانطباعات (يرتعش، الحزن، شاحب، الغموض) ما يتيح للقارئ استنتاج الدلالات التي توفرها صور المعبد الاستعارية التمثيلية، فيما تحيل على ذات الشاعرة، بل كيانها. ولا يخفى أنّ المستفاد ههنا هو شعور الذات بالفراغ المتقن، وبكونها معزولة ووحيدة وباردة، في آن.

ومثل تلك الآلية، بل الاستراتيجية الكتابية، ما يجده القارئ في قصيدتي «تاج الشوك الأزرق» و «عرس

هندوسي»؛ إذ تعمد الشاعرة، على التوالي، إلى تقمّص الشمعة، ولكن ليس على نحو مباشر، أي من خلال خطاب القصيدة السطحي، إنما من خلال تكرار فعل يعود إلى الشمعة («أذوب») خمس مرات متتالية، ترتبط سياقاتها جميعاً بحالات أو أجواء رومنطيقية أثيرة لدى الشاعرة: «أذوبُ في أنفاس العصافير»، «أذوبُ في كلمة»، «أذوبُ في شهوة»، «أذوبُ في عيني»، «أذوبُ في كلمة...». يمكن الاستدلال بها على نزعة عارمة لدى الشاعرة إلى التماهي بكلّ العناصر والمظاهر النامية إلى رومنطيقية فريدة، لا تقوم على ما تمّ التعريف به على أنه «ميْلٌ عارم إلى الطبيعة واندماج في عناصرها، وذاتية مفرطة مفعمة بالمشاعر والأحاسيس».

ولكن ماذا تودّ الشاعرة، آمال نوار، أن تقول بفضل هذه الاستراتيجية، التي امتدّت، تقريباً، على مجمل

قصائد الفصل الأول من المجموعة ، عنيت «جرس الليل» (7-80)؟ للإجابة أقول إنّ الشاعرة سعت إلى تأكيد نبرتها الدرامية العالية التي باتت الذات فيها عرضة للتهميش، والتعتيم، والتصحّر، والتكسّر، تحت «عجلات الأبد»، منسيةً، متوّهة «في الأرض»، ناثرة رذاذ تجربتها الجحيمية على شبه العالم الخليط، الذي جبلته بمشاهدها الطبيعية الهادرة والآيلة إلى السقوط في عدمية وعقم عميمين:

«وهذا البريقُ

هذه المآتم بألوان الطواويس الذابلة

تقفُ في منتصفِ الروح

صرخةً من جنجرةِ بحر، وقد تاهَ وسطَ نفسه

وغرقت في عينهِ قوافلُ غجر.

جسدي كلّه في فمِ حجر

مهدورٌ حليبه في الصمت،

حزني عصفورٌ جائع بين ملايين الأفواه...» (ص:31).

وما يثير دهشة القارئ، شأني، أنّ النبرة الغنائية العالية في خطاب الشاعرة، آمال نوار، تظلّ على حالها من القوة والحضور، من قصيدة «في مديح الهاوية «(ص:57) وحتى قصيدة «زورق في ليلة شتاء» (ص:17) بغضّ النظر عن طول القصائد، في الفصلين الأولين (جرس الليل، وصحراء بلا قمر)، وقصرها النسبي في الفصلين التاليين (قبور بعيون مفتوحة، وتحت عجلات الأبد) واقتصارها على قصائد الهايكو في الفصل الأخير (غبار الشمس). ذلك أنّ الشاعرة لا تني تتكئ على أناها، المجروحة والمهشّمة والقادرة على الصراخ، على الرغم من ذلك، حيناً لتجابه الموت وتعلن استعدادها له («أنا هنا أستعدّ لك»)، وحيناً آخر لتستحضر ذكرى أخ عزيز غاب («هدوؤك الذي غاب»)، ومن أجل أن تستذكر «موت شاعر»، وحينا من أجل أن تدوّن رحيل شاعر «لا أعرفه»، ومن أجل أن تستفيض بعد في تكثير ذاتها، في ملء أسطورتها) بحزمة من الصفات التي تتوّجها مستلبة الحياة والحبّ Charles Mauron) على ما يقول شارل مورون والفرح والحيوية: «أنا الغريبة عني...»، «وأنا بزرة صغيرة...»، «أنا الأسوَدُ اللانهاية، أنا الإثمُ الملعون، أنا القدَرُ، أنا الصمتُ، أنا خيبة الدنيا»، «أنا من نسيج النسيان».

تمضي نوار واثقة من مسارها الشعري، معجماً فائضاً عن الحدّ أحياناً، لغزارته ولثراء كائناتها التي يتشكّل منها عالمها الرّديف، وتراكيب مشغولة بعناية منْ يدرك الحدود الفاصلة بين ترسّم سبيل النصوص الشعرية السابقة، على ما تعلمنا به التناصّية، وبين من يؤثر الركون إلى أسلوب ذاتي في صوغ القصائد الطويلة منها والقصيرة، وفي توليف المشاهد الشعرية، ومحضها قدراً من القتامة والسوداوية والعبثية، يتّفق مع صورة الضحية المثلى التي يحملها مضمون هذه القصائد.

وما عساي أصف الصوَر الشعرية في كتاب آمال نوار؟ من يتأمّلْ في الكمّ الكبير الذي انطوى عليه كتاب الشاعرة، بفصوله الخمسة، يكتشف مقدار الاشتغال في نسج الصور الشعرية، وابتكار التشابيه

والاستعارات والعناية بخلائطها المركّبة والغريبة في آن. «أُخفي وجهي كسحابة بمائها الشّبح»، «يتداعى كأخشاب المراكب عند أقدام الأبد»، «حزني عصفورٌ جائع بين ملايين الأفواه»، «كأنك سفينة تبحر في حدقة نسيان»، «أنا انفجار الشمس، وهي في خرابي الأعظم تابوت العهد للأبيض الحقيقي»...

على هذا المنوال، تتابع الشاعرة آمال نوار مسارها الشعري المتميّز، ولا تزال توحي بقدرتها على تجاوز

المراحل بقدر كبير من النضج والصدق والعمق الوجداني– الغنائي والأسلوبي في آن.