الرزاز وبعض أسئلة الأردن اليوم

محمد برهومة |

ذهب سياسي أردني مخضرم، في حديث تلفزيوني انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى أنه في حال حازت الحكومة المقبلة لرئيس الوزراء الأردني المكلف عمر الرزاز على 30 في المئة من الولاية العامة فإن ذلك سيكون إنجازاً مذهلاً.


الأزمة الاقتصادية في الأردن بدأت تتفاقم منذ 2004، بعد سقوط النظام العراقي السابق، وفي الفترة ما بين 2006- 2009 ازدادت حدّة التجاذب والصراع في أروقة صناعة القرار بين تيار أردني محافظ وآخر نيوليبرالي، ودشّن الصراع الشديد بينهما مرحلة جديدة من الحراك الأردني على مدى أكثر من عقد حتى الآن، حيث غطّى البعد المطلبي، بسقفه العالي، على القضايا السياسية المعهودة، وكان الفصل بينهما ليستقيم لو توافر مجلس نواب أردني مقتدر أو سلطة تشريعية فعالة. ما اكتشفه الأردنيون، أن المطلبية لا تنفك بتاتاً عن الشروط السياسية، فالسياسة، بمفهومها «العالم ثالثي» وقواها العميقة، هي المبتدأ والخبر.

المهم أن التجاذب الخشن أفضى في النهاية إلى فشل أركانٍ ثلاثة، فالمحافظون أخفقوا في تجديد أنفسهم وابتعادهم عن الإقصائية، كما لم ينجحوا في تقديم رؤية أخرى ذكية وفعالة للبيروقراطية في عالم جديد يتحدث عن الثورة الصناعية الرابعة، وقد شبع تحذيراً من مخاطر محاولة هيمنة الشوفينيات الكبرى على الشوفينيات الصغرى، فيما أخفق النيوليبراليون (الركن الثاني) في اجتراح خريطة طريق اقتصادية- اجتماعية تحفظ قوة الطبقة الوسطى وتحارب البطالة والفقر والفساد، وترسم خططاً إنتاجية بدلاً من تكريس نمط استهلاكي لا يقوى عليه سوى الفاسدين والمتنفعين وشريحة صغيرة من المقتدرين. وفي ظل بيئة سياسية مشتبكة كهذه لم يقتنع الأردنيون بأن يكون التيار الحزبي الأعرض في البلاد (الإخوان المسلمون) قادراً على تقديم بديل عملي نافع، بعيداً من الشعارات والمزايدات والانتقادية المجانية، ناهيك عن أن هذا التيار تفكك مجموعات وأحزاباً مع موجة «الربيع العربي»، التي أظهرت عمق بنية التطرف والسلطوية فيه (التيار).

اليوم تتصاعد المراهنات على «لحظة الرزاز» بما قد تحمله من سعي صادق لتدشين مرحلة أردنية جديدة، تحاول الإفلات من ألغام القوى التقليدية التي حكمت المشهد، ولم تزده إلا تأزماً. ولا شكّ في أن ثمة ارتباطاً جوهرياً بين ذاك الإفلات المرتجى وتمتع حكومته المرتقبة بحق الولاية العامة، هذا الحق أصبح أكثر إلحاحاً في ظل تصاعد التشكك في مزايا الجغرافيا السياسية، وفي ظل التغيرات التي طرأت على طبيعة وحجم المعونات الأجنبية التي ارتبطت بالبلد منذ تأسيسه.

الرزاز محظوظٌ بلا شك بالوقفة السعودية- الإماراتية- الكويتية الثمينة، وكذلك باستعداد الاتحاد الأوروبي لتقديم مساعدات (كاستثمار وليس عملاً خيرياً، وفق فيديريكا موغيريني)، لكنّ الأمرين ليسا بديلاً عن العمل على الأسباب الداخلية التي تقف وراء استمرار الأزمة، التي تستحث على اجتراح أدوات جديدة، يكون فيها الدور الإقليمي مستنداً إلى عمق الداخل. واللافت للنظر حقاً أن الرزاز يتبنى ضرورة سلوك «الطريق الصعب نحو عقد اجتماعي جديد... من دولة الريع إلى دولة الإنتاج». وقد أشار كتاب التكليف الملكي للرزاز إلى أن «على الحكومة (المقبلة) أن تقوم بمراجعة شاملة للمنظومة الضريبية والعبء الضريبي في شكل متكامل، ينأى عن الاستمرار بفرض ضرائب استهلاكية غير مباشرة وغير عادلة لا تحقق العدالة والتوازن بين دخل الفقير والغني، ويرسم شكل العلاقة بين المواطن ودولته في عقد اجتماعي واضح المعالم من حيث الحقوق والواجبات».

وبعد التكليف ذهب الرزاز إلى أن ثمة طريقاً آخر للخروج من الأزمة غير جباية الضرائب، وهو الداعي إلى رؤية متكاملة تكفل «التحول» إلى دولة مدنية مستدامة ومنتجة وتتحقق فيها درجة أعلى من العدالة الاجتماعية، ضمن عقد اجتماعي جديد بين الحاكم والمحكوم. الرئيس المكلّف لا يعتبر ذلك مستحيلاً، لكنّ حذر الرزاز واضحٌ في تقصّده استخدام مصطلح «التحول» وليس «الإصلاح»، وحجته في ذلك أنّ أنموذج الدولة الريعية العربية «مناقض للإنتاج ومقتضياته، وبالتالي غير قادر على إصلاح سياسات الدولة نحو المسار الإنتاجي التشغيلي من دون إعادة النظر في بنيتها السياسية والاقتصادية، وفي طبيعة العقد الاجتماعي الذي يشكل مصدر شرعيتها في نظر المجتمع».

* كاتب أردني