قيم جديدة للتنمية في مصر

عزمي عاشور |

يكثر الجدل في مصر الآن حول الأموال التي تضخ في الاقتصاد ويذهب معظمها إلى مشروعات كبرى كتفريعة قناة السويس والعاصمة الإدارية واستصلاح أكثر من مليون فدان تمهيداً لزراعتها، وغيرها من مشروعات البنية التحتية، يصوّب المعارضون للحكم أسهم نقدهم عليها ويدعون إلى التقشف في ظل الظروف التي يمر بها الاقتصاد.


والسؤال: هل أصحاب هذا التوجه على حق أم أن رؤيتهم للواقع مبنية على نظريات اشتراكية وماركسية يصعب أن تتحقق مع الآليات التي تحرك اقتصاديات المجتمعات في هذا العصر؟ فأهمية وقيمة أي مشروعات كبرى تتحدد بقدرتها على توليد قيم ومنافع يتم تدويرها بعجلة الاقتصاد لأي مجتمع. وهذا ما يسير عليه الآن الاقتصاد المصري بعد تعرضه مع غيره من اقتصادات عربية أخرى لهزة عنيفة عقب ما يعرف بثورات الربيع العربي، أدت إلى تراجع كثير من مداخله بعد انحسار السياحة وتراجع حجم الاستثمارات الخارجية، فجاء إخراجه من حال الثبات عن طريق مشروعات كبيرة، لمضاعفة القيم الاقتصادية، على عكس ما يحدث في حال استمرار الانكماش.

فتدوير الأموال داخل الاقتصاد الوطني لتوليد قيم إضافية هو البداية الطبيعية هنا ليقف أي اقتصاد على قدميه ثم ينطلق في النمو والانتعاش. أما إذا خرجت هذه الأموال لاستيراد سلع وغيرها، فالخسارة هنا تكون كبيرة. ويمكن القياس على ذلك بمثال بسيط متعلق بالقمح الذي تُعد مصر من أكبر مستورديه على مستوى العالم، فما يزرعه المصريون منه يكفي بالكاد رُبع حجم الاستهلاك المحلي فقط. فهل كان من الأفضل الاستغناء عما يزرع من قمح واستيراد الكمية اللازمة لرخص ثمنها مقارنة لو تم أخذه بسعر مرتفع من الفلاح؟

بمنطق الأرقام يكون الاستيراد أوفر من دعم الفلاح في هذه الحالة، لكن الأرقام تكون هنا خادعة، لا تعبر عن الحقيقة، فالمبلغ الذي تم دفعه للفلاح يتم تدويره داخل عجلة الاقتصاد، وفي كل دورة لهذه النقود من الدولة للفلاح ومنه إلى الآخرين يتم توليد قيم ومنافع اقتصادية تحقق إضافة مضاعفة داخل المجتمع مع بقاء المبلغ ثابتاً، على عكس ما إذا استُخدمت هذه النقود في استيراد القمح، إذ إن ذلك سيكون على حساب ميزانية الدولة وسيزيد من عبء الدين ولن يضيف إلى الاقتصاد أي قيمة أخرى.

وينطبق ذلك على كل النقود التي تخرج للاستيراد. فقضية دعم الزراعة والصناعة الوطنية يتبناها أكبر الدول الرأسمالية لضمان المنافسة والحفاظ على اقتصادها وجلباً للعملات الأجنبية. ويمكن القياس على هذا المثال في المشروعات التي تم الإنفاق عليها، خصوصاً قناة السويس الجديدة التي جمعت أموالها عن طريق أسهم من أموال المصريين وتم بها توليد قيم ومنافع اقتصادية عن طريق الشركات التي استفادت من العمل في المشروع، فضلاً عن الفائدة الاستراتيجية من حفرها والتي ستضاعف التنمية في محيطها.

وخيار الإنفاق على المشروعات الكبرى يبدو هنا هو الخيار الأصوب. لنعد بالذاكرة إلى سنوات مضت عندما كان انقطاع الكهرباء يحدث يومياً إلى درجة أن أصحاب المحال في القاهرة الكبرى استعانوا بمولدات صغيرة لتفي بالغرض. فالتقشف كان يعني استمرار المشكلات من دون حلول وصرف الأموال فقط على إطعام الناس وعندما تنتهي نجوع جميعاً، لأننا لم نخطط للمستقبل ولم نبحث عن بدائل تجعل من عجلة الاقتصاد تتحرك في شكل يؤدي إلى النمو في مقابل الركود.

هذه النظرة السلبية للتنمية تملأ عقول كثيرين من النخب في مجتمعاتنا العربية وباتت كل معرفتهم للاقتصاد مبنية على النظريات الماركسية التي لم تحقق أي نجاح يذكر على أرض الواقع، فتحفيز الاقتصاد بالإنفاق مع دعم الفقراء هو مغامرة كبيرة تحتاج إلى البحث عن حلول من خارج الصندوق، تدفع عجلة النمو وتنوع المداخيل وتخلق قيماً إضافية داخل اقتصاد المجتمع.

وإذا كان الجهل بحقائق علم الاقتصاد يجعل أنصار هذا الفريق يرون أن الإنفاق داخل المشروعات الكبرى لتحفيز الاقتصاد المصري سَفَه وعدم رؤية، وأن الدولة ستنهار بهذه الطريقة، فإن هناك جملة من الحقائق يجب سردها في تساؤلات رداً عليهم. فهل يذكر هؤلاء ما هي التكلفة المادية والمعنوية لما حدث للشعب العراقي على مدار السنوات الخمس عشرة الماضية منذ الاحتلال الأميركي؟ وما هي تكلفة حرب أميركا على هذا الشعب؟ وهل يستطيع هؤلاء الذين يتحذلقون عن أرقام وهمية عن الفساد في بر مصر، كم هي كلفة دمار البنية التحتية نتيجة لما يحدث في سورية؟ وما هي تكلفة إعادة تعميرها التي قد تتعدى مئات بلايين الدولارات؟ وهل يستطيع هؤلاء أن يحسبوا الخسائر التي تكبّدها الاقتصاد الليبي في ضوء ما يحدث هناك ويقدرون بالمنطق نفسه وبالمعايير الدقيقة كلفة هدم البيوت وقتل البشر وتسليح الإرهابيين؟ أيستطيع هؤلاء حساب هذه التكاليف المروعة؟ وهل تدخل في نطاق مفهوم الفساد أم مفاهيم أخرى هم أدرى بها؟ فإذا كانوا يرون في عملية الدعم والإنفاق على المشروعات الكبرى فساداً، فماذا يسمون ما يحدث في هذه البلدان التي لم تَعُد دولاً وأصبحت خراباً؟ فالتنمية بالتأكيد على الأرض تكون مختلفة عما هو موجود في عقول الذين يُسطحون القضايا ويرونها من منطق الحريات السياسية فقط.

الإنفاق في الاقتصاد لتحفيزه في سبيل خلق قيم مضافة في المجتمع بات أمراً مُلحاً في عصر العولمة التي لا تعترف سوى بمن يعمل وينتج سلعاً وقيماً يحتاجها الآخرون.

* كاتب مصري