المشهد السياسي التركي عشية الانتخابات

عمر كوش |
رجب طيب أردوغان (أ ب)

يزداد المشهد السياسي التركي تعقيداً، وتزداد التوقعات والتكهنات مع اقتراب موعد الانتخابات التركية المبكرة، المزمع إجراؤها في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، بوصفها حدثاً مفصلياً في التاريخ التركي الحديث، ستؤثر نتيجتها في مستقبل تركيا خلال السنوات الخمس المقبلة على الأقل. وهي الانتخابات الأولى التي ستجسد انتقال تركيا الفعلي من النظام البرلماني التشريعي إلى النظام الرئاسي التنفيذي، ما يكسبها أهمية قصوى في تحديد صورة الوضع السياسي التركي في هذا الانتقال المفصلي، الذي حمل معه انتخابات ثنائية ومعقدة، بل مثيرة، لكونها ستشمل انتخاب رئيس للجمهورية، وانتخاب أعضاء البرلمان البالغ عدد 600 عضو، في الوقت ذاته، وللمرة الأولى في تاريخ تركيا الحديث.


وسيخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة كل من الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان مرشحاً عن «تحالف الشعب»، الذي يضم أحزاب العدالة والتنمية الحاكم، والحركة القومية، والوحدة الكبرى، فيما يخوضها من طرف المعارضة كل من محرم إنجي كمرشح عن حزب الشعب الجمهوري، وميرال إكشنر عن الحزب الصالح، وتمل قره ملا أوغلو عن حزب السعادة، وصلاح الدين دميرطاش عن حزب الشعوب الديموقراطي، ودوغو برينجيك عن حزب الوطن.

أما الانتخابات البرلمانية، فيخوضها «تحالف الشعب» بقائمة مشتركة، فيما اتفق كل من حزب الشعب الجمهوري، والحزب الصالح وحزب الوطن على خوضها بقائمة موحدة ضمن «تحالف الأمة»، أما حزب الشعوب الديموقراطي فسيخوضها بقائمة خاصة به.

وتتميز الحملات الانتخابية في عموم تركيا بالحماسة والإثارة والكثير من الجدل، فضلاً عن السجال والمناكفة والنكاية والتوظيف، نظراً إلى أن هذه الانتخابات تشكل التحدي أو الامتحان الحقيقي للرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم في تاريخهما السياسي، ولميسرتهما في الحكم التي ترجع إلى العام 2002. وتمثل كذلك تحدياً لأحزاب المعارضة التركية مجتمعة، لكونها ستختبر مقدرتها على جذب أصوات الناخبين الأتراك، بما يمكنها من التقدم وقيادة البلاد، أو على الأقل تعزيز مواقعها في الانتخابات وزيادة أعضائها في البرلمان المقبل، خصوصاً أن الانتخابات تجرى في ظل أوضاع تركية، تشهد مزيداً من الانقسام السياسي، وصعوبات اقتصادية ومعيشية، مع تزايد نسب البطالة بين الشباب، وارتفاع نسبة التضخم، وتراجع سعر صرف الليرة التركية أمام العملات الأجنبية على رغم كل التدخلات القسرية للمصرف المركزي، ما ينذر بظهور ملامح أزمة اقتصادية، ستؤثر في معيشة ملايين الأتراك، فضلاً عن بوادر تململ في القاعدة الاجتماعية المتماسكة لحزب العدالة والتنمية الحاكم.

غير أن إمكان الحسم في معركة الانتخابات المقبلة ستحدد مصير تركيا ووجهتها المستقبلية، خصوصاً أن الاستقطاب السياسي الداخلي ترك ظلالاً مبهمة على تركيبة التحالفات السياسية التركية المستجدة، لكونها أفضت إلى أشكال جديدة ومتنافرة من التحالفات الانتخابية، التي قد تكون مرحلية وهشة ولا تدوم طويلاً، وانعكس ذلك في تحالف حزبين ينتميان إلى «اليمين القومي المحافظ»، بجناحية الإسلامي والعلماني، هما حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزب الحركة القومية، وضُم إليهما حزب الوطن من اليمين القومي، الذي يضم عناصر يمينية ويسارية ومتدينة. أما في الطرف المعارض فقد برز تعاون بين حزبين معارضين بارزين، هما حزب الشعب الجمهوري والحزب الصالح، اللذين يضمان تيارات أيديولوجية متنافرة، علمانية وقومية، وتوجهات ليبرالية يمينية، إضافة إلى حزب السعادة ذي التوجه الإسلامي، ما يعني أن تحالف الأمة لا تملك أحزابه رؤية سياسية موحدة، والأهم عدم امتلاكها رؤية مقنعة للناخب التركي، بغية تشكيل بديل يخلف الحكم المديد لحزب العدالة والتنمية، إضافة إلى أن تركيا دخلت مرحلة النظام الرئاسي بعد تغيير مواد دستورها بصورة مؤسسية في استفتاء 16 نيسان (أبريل) 2017، لكن دخولها ذلك أفضى إلى إثارة غبار كثيف في المجتمع التركي، المفعم بإرهاصات دوائر من الصراع والتنافر التاريخي، نظراً إلى طبيعة الهويات المركبة فيها، بين الشرق والغرب، التي لم تتمكن العلمانية التركية من حسمها أو تجفيف منابعها الثقافية والاجتماعية، بالرغم من عمليات عزل الهويات الاجتماعية التي عرفتها الجمهورية التركية خلال فترات طويلة من تاريخها.

والملاحظ أن هناك افتراقاً كبيراً بين السيناريوات السائدة والمتداولة في المشهد السياسي التركي بين النتائج المحتملة للانتخابات الرئاسية وبين نتائج انتخابات البرلمان المحتملة أيضاً، التي ستجرى في اليوم ذاته، إذ إن سيناريوات الانتخابات الرئاسية تحصر المنافسة بين الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان وبين أحد المرشحين المعارضين الأقوياء، الذي قد يكون ميرال إكشنر أو محرم إينجه، ومعظمها يرجح خوض أردوغان جولة ثانية ضد أحدهما، وفي هذه الحال سيحتاج مرشح المعارضة إلى دعم كل أحزاب المعارضة معه، ومشاركة كثيفة من ناخبيها في الجولة الثانية، كي يمتلك فرضة للفوز بكرسي الرئاسة. ووقتها سيكون الأمر مربكاً بالنسبة إلى إكشنر زعيمة الحزب الصالح التي لن تصوت لها غالبية الناخبين الأكراد، وكذلك للمرشح إينجه ولو بدرجة أقل، ما يعني أن حظوظ أردوغان بالفوز بالرئاسة من جديد كبيرة.

أما سيناريوات الانتخابات البرلمانية، فأغلبها يرجح ويتوقع نشوء برلمان تعددي في تركيبة مختلفة كلياً عن تركيبة البرلمان الحالي، ذلك أن أحزاب ائتلاف الأمة المعارض ستحظى جميعها بتمثيل في البرلمان، ويعود ذلك إلى أن تحالفها وخوضها الانتخابات بقائمة موحدة سيمكنها من إسقاط حاجز العشرة في المئة الدستوري لدخول البرلمان، في حين أن هذا الحاجز سيهدد حزب الشعوب الديموقراطي فقط، لكونه اختار خوض الانتخابات البرلمانية بقائمة خاصة به، لذلك في حال عدم تمكنه من اجتياز حاجز العشرة في المئة، فإن حصته البرلمانية الممثلة بحوالى السبعين مقعداً قد تذهب إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم.

ولعل حزب العدالة والتنمية ومعه الرئيس أردوغان يخشيان من سيناريو يفضي إلى دخول جميع الأحزاب السياسية إلى البرلمان التركي، على حساب خسارة الحزب الحاكم غالبيته المطلقة، ما يعني أن الرئيس أردوغان، في حال فوزه بكرسي الرئاسة، سيكون مضطراً للتعايش مع برلمان تسيطر على غالبيته أحزاب المعارضة، الأمر الذي قد يفضي إلى إعلانه حل البرلمان من جديد والدعوة إلى انتخابات أخرى جديدة.

غير أن الأوساط السياسية التركية، تعتبر أن الرئيس أردوغان وحكومة حزب العدالة والتنمية لديها الأرجحية والأفضلية لضمان الفوز في الانتخابات المقبلة، لأنهما يمتلكان ويسخّران جميع إمكانات الدولة ومواردها في حملتهما الانتخابية، ويسيطران على الغالبية العظمى من وسائل الإعلام ومؤسساته، فضلاً عن أن المعارضة تتهم الحكومة بالتضييق على الأحزاب المعارضة، وأنها تجري هذه الانتخابات في ظل حال الطوارئ، وتستغل المشاعر القومية للأتراك للقيام بعمليات عسكرية ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني (PKK) في شمالي العراق، على غرار ما قامت به في منطقة عفرين السورية. غير أن ذلك كله لا يمنع الناخب التركي من قول كلمته الحاسمة في الانتخابات، وقد أعلن الرئيس أردوغان في أحد التجمعات الانتخابية «أن الشعب التركي إذ قال لهم يكفي، فإنهم سيغادرون وينسحبون جانباً فوراً».

* كاتب سوري مقيم في تركيا