عيد الأسر المصرية علب كعك مقزّمة وشاشات عرض عملاقة ... وعودة إلى البيت

القاهرة – أمينة خيري |
تحوّل كعك العيد إلى رمز (الحياة)

علب كعك العيد تبدو أصغر حجماً وأقل وزناً. ملابس العيد تظهر على استحياء في واجهات المحلات وتفرض ذاتها في شكل واضح في الأسواق البديلة. السلع الغذائية تطل من على الرفوف بأسعار تنذر بأنها لم تعد في متناول من كانت متاحة له في أوائل رمضان. أماكن الخروج تستعد لاستقبال المعيّدين ولكن على استحياء. جهود تُبذل لتوفير سبل للأسر المصرية لقضاء عيد الفطر المبارك.


المباركات والتهاني التي تملأ أرجاء مواقع التواصل الاجتماعي في مناسبة العيد لا تخلو من نكات وقفشات حول أصعب الأعياد. فالعيد هذا العام مرتبط بزيادة لا سابق لها في «العصر»، وترشيد غير معتاد في الموازنات، وتوقيت غير سهل حيث نهاية عام دراسي وبداية فصل صيفي، إضافة إلى الحدث الأكبر الذي ينافس الاحتفالات كلها ويشتت الاستسلام للقلق حول موازنة العيد وسبل الاحتفال، ألا وهو مباريات كأس العالم.

مباريات كأس العالم المتزامنة وعيد الفطر السعيد تتنافس في زينة المقاهي واستعدادات النوادي الاجتماعية لاستقبال المحتفلين المشاهدين. صورة النجم محمد صلاح تملأ أماكن المشاهدة العامة، ومعها لوائح الغذاء والعشاء في مناسبة العيد. أصحاب المقاهي بمستوياتها يعرفون أن بضاعتهم رائجة هذا العيد، بغض النظر عن الأسعار. يقول مدير مقهى في شارع النزهة في مصر الجديدة (شرق القاهرة) إنه يعرف تماماً أن المكان سيكون كامل العدد هذا العيد. شاشات العرض الكبيرة لا تخطئها العين، ولائحة عيد الفطر حيث أسعار المشروبات يبدو مبالغاً فيها، لكنها على حد قوله تشمل مشاهدة المباريات كذلك.

جداول المباريات تزاحم جدول مواعيد صلاة العيد. تكتب كلمة «موعد» على «غوغل» فتظهر نتائج البحث موزّعة بين «موعد صلاة العيد» و «مواعيد» المباريات. أسر مصرية جدوّلت عطلة العيد بحسب المباريات، وهي جدولة أنقذت بعضهم من براثن كلفة العيد. ملايين الأسر خرجت لتوّها من عام دراسي مثقل بالدروس الخصوصية المكثفة والمستنزفة للموازنات. يقول خليل مصطفى (46 سنة) ضاحكاً إنه ممتن بصفة شخصية لكأس العالم. فهذه هي المرة الأولى منذ سنوات التي لا يلاحقه فيها أبناؤه الثلاثة بمطالبات قضاء إجازة العيد في شرم الشيخ أو الغردقة، فـقد «خططوا لمشاهدة المباريات مع أصدقائهم، ما يعني إنني براءة».

براءة مصطفى من أزمة توفير موازنة خاصة للسفر في أثناء العيد سمحت له باقتناء علبة من الكعك، وهي سمة أساسية من سمات الاحتفال المصري بالمناسبة. الملاحظ أن تلال الكعك التي كانت تحتل مكان «كرتونة رمضان» في محلات السوبرماركت تقلّص حجمها. بل ظهرت العلبة التي يقل وزنها عن نصف كيلوغرام، والتي تقف على طرف نقيض من العلب العملاقة التي كان يحرص المصريون على شرائها وتبادلها مع الأهل والأقارب.

تقول سمية القاضي (موظفة، 40 سنة): «هذا العام فوجئت بعلب كعك وزنها لا يتعدى 400 غرام وسعرها 60 جنيهاً، أي أقل من نصف كيلوغرام. في البداية تعجبت جداً، ولكن بمراجعة موازنة البيت، لا سيما في ضوء ارتفاع الأسعار عموماً وتوقعات زيادة أسعار الوقود والكهرباء، وجدت أن العلبة الصغيرة صارت شراً لا بد منه». وتضيف: «تحوّل كعك العيد إلى رمز تحاول أسر عدة الحفاظ عليه كنوع من حماية مظاهر المناسبة من الانقراض. لذا اشتريت علبة صغيرة وسأموّه صغر حجمها بإحاطتها بكمية أكبر من البسكويت الأرخص ثمناً حيث الضرر المادي أقل وطأة».

ويعدّ الضرر الواقع على قطاعات تعتبر عيد الفطر موسماً تنتظره من عام إلى آخر غير قابل للعلاج. فالأفلام التي عادة تغزو دور العرض في أول أيام الأعياد تتوقع إقبالاً ضعيفاً حيث غالبية رواد السينما في العيد يكونون من المراهقين والشباب، وهي الفئة عينها الأكثر حرصاً على متابعة مباريات كأس العالم التي يخوضها منتخب الفراعنة للمرة الأولى منذ 28 عاماً. وقد دفع هذا منتجين إلى تأجيل عرض أفلامهم إلى عيد الأضحى.

لكن التضحية بمظاهر الاحتفال بالعيد ليست واردة. فعلى رغم المصاعب الاقتصادية، والمناسبة الكروية، تظل هناك خطط وترتيبات لاحتفالات بديلة من دون إلحاق مزيد من الضرر بالموازنات المنهكة. ويظل التلفزيون طوق نجاة للمعدمين اقتصادياً والباحثين عن بث مظاهر الاحتفال والاحتفاء بالعيد من دون تكبّد مشقة الخروج أو تحميل أعباء إضافية على الميزانية. محادثات أعضاء مجموعات عدة من الأصدقاء والأسر على «واتس آب» تعكس ترتيبات من نوع خاص. صحيح أن الغالبية المطلقة من البيوت المصرية بما فيها غير المحب أفرادها لكرة القدم، ستتابع مباراة مصر أمام أوروغواي غداً، إلا أن باقي المباريات لن تجذب نساء كثيرات.

سلمى القاضي (19 سنة) وابنة خالها هند سليمان (20 سنة) وضعتا برنامجاً احتفالياً بالعيد للأسرة الممتدة التي يحرص أفرادها البالغ عددهم حوالى 30 شخصاً على تمضية المناسبة مع بعضهم بعضاً. تقول القاضي إن «الأسرة في السنوات الماضية كانت تتجمع في شاليه الجد في العين السخنة، لكن هذا العام، ونظراً لأن بعضهم لم ينتهِ من امتحانات الثانوية العامة التي تستكمل بعد العيد إضافة إلى رغبة غالبية رجال الأسرة وشبابها بالبقاء في القاهرة حيث متابعة مضمونة للمباريات، خصوصاً التي يشكل منتخب مصر طرفاً فيها. فقد جهزنا برنامجاً احتفالياً موازياً لسيدات الأسرة وبناتها»، يشمل وليمة غداء تشارك كل أسرة فيها بطبق مميز، وحفلة لمواهب الغناء والرقص والستاند آب كوميدي مع توزيع جوائز من لجنة تحكيم عضواتها أكبر النساء سناً، فضلاً عن مشاهدة تلفزيونية غير كروية حيث الأفلام الجديدة وبرامج العيد المختلفة.

اختلاف مظاهر الاحتفال هذا العام سببه الرئيس تزامنه ومباريات كأس العالم، لكن باقي المظاهر التي يغلب عليها التقشّف بدت ملامحها في السنوات الأخيرة مع تعثّر الاقتصاد الذي تلى ثورة يناير 2011. وتظل مصائب قوم عند قوم فوائد، والركود الذي يضرب محلات الملابس في وسط القاهرة والمراكز التجارية الكبرى بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار الملابس يروّج لأسواق موازية، وهي تتراوح الأسواق بين بضاعة الأرصفة التي صارت ملجأ للبعض من الطبقة الوسطى التي تلحق سريعاً بسكان الطبقات الأدنى، وبضاعة أسواق الملابس المستعملة.

وعلى رغم ذلك يظل العيد عيداً ولو كانت علبة الكعك 400 غرام فقط، وملابس العيد من على الرصيف، والبيت متفوّقاً على أماكن الخروج والسفر.