الموت وحده يُوقف الـ «بريكزيت» في حرب الأجيال التي يخوضها البريطانيون

لندن - منال لطفي |

هل يمكن قتل الـ «بريكزيت»؟ سؤال يتردد في بريطانيا بوتيرة متزايدة، وتعتمد إجابته إلى حد كبير على السن. فإذا كنت تجاوزت الـ50 سنة، ستكون إجابتك على الأرجح أنه لا يمكن وقف الـ «بريكزيت». أما إذا كنت في مطلع العشرينات، فان الإجابة ستكون: بالقطع يمكن وقفه.


فقد بات الـ «بريكزيت» في شكل متزايد مسألة حرب بين جيلين ينظران إلى بريطانيا ومستقبلها في شكل مختلف تماماً. واستطلاعات الرأي التي أجريت أخيراً تظهر تغييراً منتظماً وثابتاً في المزاج العام لمصلحة البقاء داخل الاتحاد الأوروبي.

فمنذ مطلع العام الحالي، أجري 14 استطلاعاً للرأي في بريطانيا حول الـ «بريكزيت»، ظهر فيها الواحد تلو الآخر أن المزاج العام يميل في شكل مضطرد لمصلحة البقاء في الاتحاد. وفي حال أجري استفتاء جديد على بقاء بريطانيا أو خروجها سيصوت غالبية مواطنيها لمصلحة البقاء وفقاً لما تظهره توجهات الرأي العام.

ولا يعود هذا التغيير فقط إلى أن حوالى مليون شخص من مؤيدي حزب العمال الذين صوتوا في حزيران (يونيو) 2016 لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي غيروا رأيهم ويريدون حالياً إبقاء بريطانيا في هذه المنظومة، بل أيضاً وبصراحة مؤلمة لأن كثراً من كبار السن الذين صوتوا بكثافة لمصلحة الخروج تتراجع أعدادهم بسبب الوفاة، فيما الشباب في الشريحة العمرية بين 18 و22 سنة الذين لم يصوتوا في الاستفتاء، باتوا قادرين وراغبين في أن يُسمع صوتهم في ما يتعلّق بالـ «بريكزيت». وهؤلاء هم رمانة الميزان بالنسبة لمعسكر البقاء في الاتحاد الأوروبي.

بعبارة أخرى، قد تغيّر قوانين الطبيعة المحضة مسار الـ «بريكزيت» ومآله أكثر مما تغيره إرادة السياسيين أو خططهم.

فعندما نظّم الاستفتاء تجاوز عدد من صوتوا بمغادرة الاتحاد عدد من صوتوا لمصلحة البقاء بـ1.3 مليون شخص. لكن منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، توفي 1.2 مليون شخص ممن أيدوا «الانفصال»، فيما دخل 1.4 مليون شخص سن التصويت والمشاركة الانتخابية ما يعني أنه من الناحية الديموغرافية البحتة فإن الزيادة التي كان يتمتع بها معسكر المغادرة انخفضت إلى النصف تقريباً.

طبعاً الـ «بريكزيت» ليس ببساطة مسألة جيلية – طبقية – تعليمية فقط، بل إيديولوجية أيضاً. وهناك كثر بين الشرائح العمرية الأصغر سناً ممن صوتوا لمصلحة الخروج من الاتحاد، وإن كانت نسبتهم أقل كثيراً ممن صوتوا لمصلحة البقاء فيه. وحتى الآن لا تزال محادثات الـ «بريكزيت» تراوح مكانها ونقاطه الخلافية الرئيسة عالقة، وفي مقدّمها مسألة الحدود بين جمهورية إرلندا (جزء من الاتحاد الأوروبي) وإرلندا الشمالية (أحد مكونات المملكة المتحدة الأربعة إضافة لإنكلترا وأسكتلندا وويلز).

وبغض النظر عن العمر وحرب الأجيال، فإن جمود تحقيق أي تقدّم في مسألة الحدود يعزز احتمالات خروج بريطانيا من الاتحاد في آذار (مارس) 2019 من دون اتفاق، وهذا مصدر قلق بالغ للبريطانيين لأنه قد يترتب عليه نقص في الغذاء والأدوية في السوق بسبب عدم التوصل لاتفاق حول شروط التجارة والتعرفة الجمركية مع الاتحاد الأوروبي.

ووفقاً لدراسة أعدّتها الحكومة حول تداعيات خروج بريطانيا قبل التوصل إلى اتفاق أولاً، فإن المتاجر قد تعاني نقصاً في مواد غذائية خلال أيام، فيما المستشفيات قد تعاني نقصاً في مواد طبية خلال أسابيع عدة. أما الموانئ فقد تتوقف عن العمل كلياً. والسبب الرئيس أنه من دون اتفاق بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، فإن مبادئ التبادل التجاري ستكون وفق قواعد منظمة التجارة العالمية وهو خيار مكلف وغير جذاب لبلدان أوروبية كثيرة. وباختصار، لكن تكون بريطانيا قادرة على التجارة مع الاتحاد الأوروبي، أكبر شريك تجاري لها حالياً ومصدرها الأساس للمواد الغذائية.

ومع مثل هذه الأخبار، يلعن جيل الألفية الجديدة في بريطانيا حظه. فأمام هؤلاء اليافعين الذين دخلوا سن الـ18 خلال العامين الماضيين تحدٍ تاريخي، وهو الانقلاب على الـ «بريكزيت» وقتله قبل أن يصبح حقيقة ماثلة أمامهم. إلى جانب مواجهة هذا الجيل تـحدي إبقاء دولة رفاه، تتقلص باستمرار وينخفض إنفاقها على الصحة وبرامج الدعم الاجـتماعي والبنية التحتية.

ومقارنة بجيل أبائهم، يُعد الجيل الطالع سيّء الحظ. فنسبة قليلة منه قادرة على شراء منزل خاص، وغالبية أفراده مجبرة على العيش في مساكن بالإيجار العمر كله، بسبب تراجع المداخيل في شكل ثابت خلال العقدين الماضيين مقارنة بنسبة التضخم وارتفاع الأسعار.

ودفعت تلك المفارقة بالمؤرخ البريطاني الكبير بيتر هينيسي إلى المقارنة بين جيله، من مواليد عام 1947، وجيل الـ «بريكزيت» ليخرج بنتيجة أن جيله، الذي ولد بعد الحرب العالمية الثانية ربما كان الأكثر حظاً في التاريخ البريطاني. ويقول إنه عقب الحرب العالمية الثانية وبريطانيا لا تزال تعاني آثارها وتبعاتها، تأسس برنامج الرعاية الصحي الوطني المجاني، الذي وفّر الرعاية الصحية للجميع بغض النظر عن الطبقة أو الوضع الاقتصادي. وأُعلنت مجانية التعليم الثانوي ومولّت الدولة التعليم الجامعي المجاني. وسنّت للمرة الأولى قوانين حقوق العمال التي تتضمن الحد الأقصى لساعات العمل والحد الأدنى للأجور وقوانين المعاشات والحماية من الفصل التعسفي. وخلال تلك الفترة عاشت البلاد عقوداً من الاستقرار السياسي الداخلي والخارجي، وتعززت علاقات لندن الأوروبية إلى مستويات لا سابق لها، وساهمت بريطانيا في تأسيس الحلف الأطلسي إلى جانب حلفائها الأوروبيين. وخلال عقدين، وفي سبعينات القرن الـ20، كانت بريطانيا أضحت عضواً في الاتحاد الأوروبي. ثم باتت في تسعيناته العاصمة المالية لـ «القارة العجوز» وواحدة من أكبر خمسة اقتصادات في العالم.

وعلى النقيض من هذا يقف جيل الألفية الجديدة أمام مستقبل غامض محفوف بسيناريوات مخيفة وسوريالية، من بينها نقص المواد الغذائية والأدوية في حالة خروج بريطانيا من الاتحاد من دون التوصل إلى تفاهمات حول نوع العلاقات المستقبلية. جيل لم يعد قادراً على شراء مسكنه الخاص، أو ما يسمّى في بريطانيا «جيل المستأجرين». جيل ولد في حضن المشروع الأوروبي ويجد نفسه اليوم على بعد أشهر من الخروج منه من دون أن تُسمع كلمته. وربما من أجل هذا بات يجد في الـ «بريكزيت» القضية الوجودية التي يتحدد مصيره في ضوئها.