الروسي أندري بييلي يطوّر الكتابة الروائية لجنون العصر

الكاتب الروسي أندري بييلي (الحياة)
باريس -أنطوان جوكي |

على خلاف صديقيه الشاعرين ألكسندر بلوك وأوسيب ماندلشتام، لا يزال الكاتب والشاعر الروسي أندري بييلي (1888-1934) مجهولاً خارج وطنه، على رغم كونه أحد روّاد الجيل الرمزي الثاني في روسيا وأحد أهم وجوه المستقبلية الروسية و «النثر الزخرفي». ولا شك في أن هذا الجهل يعود جزئياً إلى العزلة التي اختارها هذا العبقري القلِق طوعاً وثوّر داخلها كتابة لغته الأم بطريقة تمكن مقارنتها بما أنجزه جايمس جويس داخل اللغة الإنكليزية. ثورة في الكتابة الشعرية من أجل التعبير، مثل بلوك، عن رفضه واقع «عالمنا الرهيب» وتخوّفه من عواقبه، وثورة في الكتابة الروائية تتجلى كاملةً في روايته «الحمامة الفضّية» (1910) التي تشكّل سردية تعزيمية مستوحاة من «الجانب المعتم» لروسيا، كما تتجلى في عمله الضخم «بطرسبورغ» (1916) الذي بلغ فيه قمة فنّه السردي. عملٌ كتبه خلال إقامته في تونس ومصر، وصدرت أخيراً ترجمة فرنسية له عن دار «سيرت» السويسرية.


وتجدر الإشارة أولاً إلى أن «بطرسبورغ» ليست رواية كلاسيكية بعقدةٍ وحلٍّ لها في النهاية، وإن كان ذلك متوافراً فيها، بل نصّ هروبٍ محموم داخل ذهنٍ غريب ومعتّل، وسردية تتركّز على العناصر الصغيرة التي يتشكّل منها محيط صاحب هذا الذهن. نثرٌ جنوني إذاً دفع بعض النقّاد إلى مقارنته بنثر جويس أو روبير موزيل من أجل إخفاء بلبلتهم وعجزهم عن وصفه واستخلاص مميّزاته. فمع أن هذه المقارنة مشروعة ومبنية، لكنها تبقى ما دون أسلوب بييلي الفريد وعالمه الخاص حيث المهم هو ليس القصة المسرودة، على رغم حبكتها المتينة وطابعها المشوِّق، بل الكتابة التي تحملها وتلك الرؤية الحُلُمية، والهلسية غالباً، للواقع. ولا نقول ذلك فقط لأن إحدى شخصيات الرواية مجنونة من دون شك، ويغوص الكاتب عميقاً في جنونها، أو لأن جميع شخصياتها تبدو في لحظةٍ ما في حالة قطيعة مع الواقع، فتنتصر استيهاماتها وتوجّساتها على عقلانيتها، بل لأن أقل حدث يمكن أن ينزلق بها- وبنا- إلى داخل عالمٍ «سورّيالي».

القصة التي يرويها بييلي في «بطرسبورغ» يمكن تلخيصها على النحو التالي: عشية ثورة 1905، يستسلم نيكولا أبولونوفيتش، وهو طالب فلسفة مهووس بنظريات الفيلسوف كانط، مثل بييلي، لنشاط ثوري نتيجة خيبة عاطفية جعلته يفكّر جدّياً بالانتحار.

وفي أحد الأيام، يتلقّى من منظّمة ثورية إرهابية يعاشر أعضاءها أمراً بقتل والده، وهو سيناتور كلّي السلطة في الإمبراطورية الروســية ومهووس بالفكر المجرّد، مثل ابنه. ولتنفيذ مهمته، تسلّمه المنظمة قنـــبلة موقوتة موضوعة في علبة سردين. ومع أن علاقة نيكولا بأبيه باردة منذ فرار أمّه مع عشيقها إلى إسبانيا، لكنه يقرر بعد تردّد طويل التخلّص من القنبلة عبر رميها في النهر. لكن في اللحظة التي يتّخذ فيها هذا القرار، يكتشف أن والده استولى عليها من دون أن يدري ما هي وظيفتها.

في النهاية، تنفجر القنبلة لكن من دون أن تقتل ضحيتها. وبسبب انكشاف نشاط ابنه الثوري، يضطر السيناتور، الذي يشبه بشخصيته المتحفِّظة والحازمة والد الكاتب، إلى تقديم استقالته والامتناع عن الترشّح لمنصب رئيس الحكومة الذي كان موعوداً به. أما نيكولا فينتهي في مصر (مثل بييلي) حيث ينكبّ على دراسة وتفسير نصوصٍ قديمة، قبل أن يعود إلى روسيا بعد وفاة والده ويتخلّى كلياً عن ميوله الثورية، فيعيش منعزلاً ومفتوناً بالتصوّف (مثل بييلي أيضاً).

لكن الشخصية الرئيسة في الرواية ليست هذا الشاب التائه داخل عالمٍ يعاني من عدم استقرار، ولا والده الذي يجسّد النظام القيصري الاستبدادي المنازِع، ولا الإرهابي دودكين الذي لقّبته السلطات بـ «الرجل الذي يتعذّر الإمساك به» نظراً إلى العزلة الإجبارية التي يعيش فيها ولن تلبث أن تفقده عقله، ولا حبيبة نيكولا، سوفي ليخوتينا المأخوذة بمظاهر وصخب الحياة الأرستقراطية في المدينة، ولا زوجها الضابط الذي يحبّها إلى حد تركها تعاشر من تريد، قبل أن يفقد بدوره عقله من جراء سلوكها. إنها مدينة بطرسبورغ التي تتحلّى في الرواية ببُعدٍ رابع لا يظهر على خريطتها الجغرافية. بطرسبورغ التي تمثّل في المخيّلة الروسية الجماعية المدينة - الكابوس، المدينة الكاسِرة والاصطناعية التي تُنبئ بالحداثة التي شغلت الروس طوال القرن التاسع عشر، وهو ما يستحضر إلى أذهاننا غوغول ودوستويفسكي اللذان يُعتبران أفضل مَنّ كتب عن وقع هذه الحداثة على روسيا. يحضر غوغول أيضاً من خلال المناخ الخرافي والاستيهامي الذي يُحِلّه بييلي على هذه المدينة أثناء تصويره إياها، وأيضاً من خلال ميله إلى التوقّف مليّاً عند تفاصيل صغيرة (أنف، كتف، ظهر، قبّعة...) لدى وصفه سكّان بطرسبورغ، بهدف جعلهم يتراءون لنا كمجرّد أشباح أو أطياف.

أما مقاربة مختلف شخصيات الرواية عن طريق انحراف السرد فيها من شخصية إلى أخرى على مرّ الفصول، فتجعلنا نفكّر بـ «عوليس» لجويس، خصوصاً على مستوى الدقّة والإسهاب اللذين ينقل بييلي بهما أفكار شخصياته وأفعالها أثناء تسكّعها داخل المدينة، وأيضاً ذكرياتها وأحلامها، أو بالأحرى كوابيسها، الأمر الذي يكشف لنا تدريجياً ماضيها وهواجسها ومخاوفها.

ومن خلال طريقة السرد هذه، يتبيّن أن الجنون هو الذي يوحّد هذه الرواية. جنون الكوابيس والهذيانات التي يتعذّر نقد منطقها وتُحوِّل «بطرسبورغ» إلى دعوة للغوصٍ عميقاً في اللاوعي والرغبات غير المشبَعة والمخاوف اللاعقلانية التي تعود إلى ماضٍ بعيد. لكن هذه القطيعة مع الواقع ليست كلّية في النص، إذ نرى هذا الواقع يعود بانتظام للانتقام بطريقة أو بأخرى. وبالتالي، ما هو غير واقعي أو جنوني ليس الأحداث المسرودة، بل الطريقة التي تعيشها فيها بعض الشخصيات خلال لحظةٍ ما، الأمر الذي يولّد شعوراً بقلقٍ حقيقي على طول الرواية، لأن هذا الانزلاق داخل معيشٍ هاذٍ يمكن أن يختبره أيٌّ منّا في ظروف معيّنة.

من هنا ذلك الضيق الذي يرافقنا طوال فترة القراءة ويعود أيضاً إلى لغة بييلي المدوخة في سعيها إلى محاصرة عوارض الجنون المختلفة. لغة تتطلّب منّا جهداً كبيراً لفهم ما تقاربه، وفي الوقت نفسه، أن نكون جاهزين للتخلي عن نقاط استدلالنا، على مسؤوليتنا الخاصة.