جوائز الدولة المصرية ... كثير من الحجب وترويج للثقافة الاستهلاكية

القاهرة - نضال ممدوح |

ربما كانت المزحة التي وسمت جوائز الدولة لعام ٢٠١٧، هي فوز أحمد مراد كاتب روايات الرعب٬ والأكثر انتشاراً بين الشباب٬ بجائزة الدولة للتفوق٬ هي الملمح الأبرز الذي بات عليه الوسط الثقافي المصري ليلة القدر! وليس من مزحة أكثر سماجة٬ من أن تضم قائمة الفائزين بجوائز الدولة٬ قامات فكرية وعلمية وثقافية٬ مثل المفكر الفيلسوف مراد وهبة٬ والناقد صلاح فضل إلى جانب اسم كاتب شاب٬ لا ترقى كتاباته أكثر من كونها كتابات خفيفة مسلية٬ صنفها الكثيرون بأنها مجرد إغراء للشباب ليقبلوا على القراءة مرة أخرى بعد أن كانوا قد انصرفوا عنها. على أن الأكثر سماجة في الأمر أن أكاديمية الفنون المصرية٬ هي الجهة التي رشحت أحمد مراد لجائزة الدولة للتفوق٬ ويبدو أنه ومنذ أن طالب المطرب الشعبي شعبان عبد الرحيم بنيل الدكتوراة الفخرية من الأكاديمية٬ وصارت سنة تتبعها الأكاديمية٬ وقتها خرجت رئيستها أحلام يونس في تصريح لها تدافع عن مطلبه٬ قبل ثلاثة أعوام ٢٠١٥ قائلة: «بالطبع يستحقها، لا أدرى لماذا ينتقده الناس وتسخر منه فهو فنان له قاعدة جماهيرية كبيرة تعشق فنه وتقديراً لهذا فهو يستحق الحصول عليها، ولكن حينما يأتي دوره».


جائزة محفوظ عالمية

في اجتماعه برئاسة إيناس عبدالدايم، وزير الثقافة ورئيس المجلس الأعلى للثقافة، وبحضور سعيد المصري الأمين العام للمجلس٬ وافق المجلس على اقتراح وزير الثقافة في شأن تحويل جائزة نجيب محفوظ إلى جائزة عالمية فى الإبداع مع زيادة قيمتها المالية وتوسيع نطاق الترشيح لها والاعتماد على لجان تحكيم من داخل مصر وخارجها.

واعتمد المجلس صحة تطبيق الإجراءات القانونية المرتبطة بقانون الجوائز الجديد رقم (8) لسنة 2017 هذا العام٬ والتعديلات التي استحدثها قانون الجوائز الجديد٬ وعلى رأسها تخصيص جائزة النيل للمبدعين العرب لأول مرة بما يساهم في تحقيق الريادة الثقافية لمصر في محيطها العربي، ومنح الجوائز بناء على اختيار لجان الفحص لقوائم قصيرة من المرشحين والمتقدمين في النيل والتقديرية والتفوق لكي يختار المجلس من بينها الفائزين، ومنع ترشح رؤساء الهيئات والوزراء السابقين وقت توليهم المسؤولية، في تطبيق لأول مرة للمادة السادسة من قانون المجلس الأعلى للثقافة. والتي تنص على: «أن يعين المجلس الأعلى المختص سنوياً لجاناً علمية مختصة، يشارك فيها من سبق حصولهم على جوائز «النيل – التقديرية – التفوق»، وذلك لفحص الإنتاج المقدم وتقييمه، لنيل هذه الجوائز وتشكل اللجان من عدد لا يقل عن خمسة أعضاء ولا يزيد على أحد عشر عضواً في كل لجنة، وتعد هذه اللجان في موعد تحدده اللائحة التنفيذية قوائم قصيرة تتضمن ضعف العدد المطلوب، مشفوعاً بمبررات تفضيلهم، يختار منها المجلس الأعلى الفائزين بالجوائز.

وقرر المجلس زيادة قيمة جائزة النيل إلى 500 ألف جنيه، وإعطاء الشباب فرصاً أوسع في جوائز الدولة التشجيعية بموجب تحديد الحد الأقصى للسن 40 سنة للمرشحين.

ضمت قائمة الفائزين بجوائز النيل للمبدعين المصريين 2018 في الفنون جائزة واحدة وفاز بها مصطفى الرزاز في الآداب جائزة واحدة وفاز بها صلاح فضل٬ في العلوم الاجتماعية جائزة واحدة وفاز بها مراد وهبة. أما جائزة النيل للمبدعين العرب لعام 2018 جائزة واحدة وفاز بها الفنان يوسف عبدلكي من سورية.

وعن حصول أحمد مراد على جائزة التفوق قال المؤرخ السينمائي محمود قاسم: خصصت جائزة التفوق كي تمنح للجيل الوسط سنا بين الذين يستحقون التشجيعية والتقديرية٬ بمعنى لمن هم فوق الخامسة والخمسين٬ على أن تمنح للأدب.

تابع قاسم في تصريح خاص لــ «الحياة» وفِي التقسيمات النقدية عادة ماتسمى هذه الكتابات بأنها روايات كذا٬ بمعنى أن نقول الرواية البوليسية وليس الأدب البوليسي٬ ورواية التجسس وليس أدب التجسس مثل روايات صالح مرسي في هذا الإطار وينطبق ذلك على نوع الكتابة التي يكتبها أحمد مراد. وأعتقد أن مثل هذه التقسيمات لايعرفها أساتذة الأكاديمية الذين رشحوا الكاتب للجائزة٬ ولا السادة الأفاضل الذين منحوه الجائزة . ومن أجل منح هذه الكتابات جوائز تم تخصيص جوائز في الفرع المقصود من الكتابة في المجال فكتاب الرواية البوليسية لهم جائزة باسم أغاثا وهناك جوائز عديدة باسم هيجو وغيرها تمنح لروايات الفنتازيا والخيال العلمي وفي بلادنا لم نخصص مثل هذه الجوائز لهذا النوع من الكتابات٬ أي أن الجائزة كان يجب أن تذهب إلى أديب مثل مصطفى نصر أو سمير الفيل، لكن هذه الأسماء لا يعرفها أساتذة الأكاديمية واقترح ألا يعتد بترشيح الأكاديمية في السنوات المقبلة، لأنها جهة غير اختصاص بالنسبة إلى الأدب، أعتقد أن الشهرة ونسبة التوزيع ليست مقياساً حين تمنح الجوائز٬ وانظروا إلى حالات ستيفن كنج ومجموعاته على رغم أن الكثير مما يكتبه أدب حقيقي».

أما الفائز بالجائزة التشجيعية فرع الرواية الكاتب الشاب هاني عبدالمريد، فقد عبر عن سعادته بحصوله على الجائزة٬ مشيراً في تصريحات خاصة لــ «الحياة»: «أعتقد أن لا شيء يعدل تكريم أو جائزة تأتيك من بلدك، جائزة من مصر بكل ثقلها الثقافي والفكري، هي بالطبع شيء يستحق الفرح والشعور بالفخر، جائزة حصل عليها من قبل نجيب محفوظ ويحيى الطاهر عبدالله وخيري شلبي وجمال الغيطاني، هي شيء يستحق الفخر، ويدعوك للوقوف مع النفس، فهي ككل جائزة حصل عليها من استكملوا المسيرة وجعلوا الجائزة تفخر بهم وكانوا إضافة لها، وهناك أسماء حصلت على الجائزة ربما لو ذكرت لن نتذكر لهم عملاً واحداً، أتمنى استكمل مشواري بنفس الشغف، وأن أكون من الأسماء التي أضافت للجائزة. أنا العالم هي روايتي التي تعاملت معها بحب وعدم استعجال، كنت مستمتعاً بها وبكتابتها، عشت مع شخصياتها، حتى أنني كانت لديّ قوائم بما تحب وبما لا تحب ريم، صفاتها، طريقة كلامها، كنت أستحضرها في أوقات فراغي وأقيم معها حواراً حول موضوع ما، أنا سعيد أن الرواية دافعت عن وجودها واقتنصت الجائزة».

وقال الناقد والمترجم «سيد أمام»: هناك دعوة خفية لترويج ثقافة الاستهلاك٬ والنيل من كل ثقافة جادة٬ وإذا انهارت الثقافة الجادة٬ انهار المجتمع بأكمله من أوله لآخره وانتهينا. إذ إن عصب أي حياة لأي مجتمع هو ثقافته٬ وهنا أنا لا أطالب أو أقول بأدب الوعظ الاسترشادي٬ وإنما أقصد الثقافة الجادة٬ كما قدمها نجيب محفوظ ويوسف إدريس٬ بل ويقدمها كثير من الكتاب الشباب. ولنتخيل أثر حصول أحمد مراد على جائزة التفوق٬ ويصبح قدوة للشباب الصغير٬ فما العمل حينها؟ وكيف يتجاهل القائمون على هذه الجوائز٬ قامتين في الشعر والرواية٬ مثل الشاعر إبراهيم داود٬ والروائي وحيد الطويلة لا يحصلان على أي من هذه الجوائز بينما يحصل عليها أحمد مراد؟! ولا حتى كاتب كبير من جيل الستينات مثل الروائي «مصطفي نصر» طالما يعيش في الإسكندرية خارج القاهرة التي أصبحت دولة لوحدها٬ أما من يقيم خارجها فلا عزاء له٬ فما يحرك الجوائز وغيرها هو الشللية والعلاقات الشخصية.

من جانبه قال الشاعر وعضو مجلس إدارة اتحاد الكتاب أحمد فضل شبلول: كعادتها في كل عام تثير جوائز الدولة في مصر العديد من علامات الاستفهام، وتتنكر للعديد من الأسماء المستحقة لها، وتفاجئنا بأسماء أخرى لم تكن في حسبان المتابع أو الراصد للحياة الأدبية والثقافية في مصر.

لن أذكر أسماء الذين فازوا بها هذا العام، وبخاصة في مجال الآداب، فبعضهم يستحقها وبعضهم لا يستحقها على الإطلاق، ولكن سأذكر أسماء من ظلمتهم الجائزة وهم يستحقونها منذ سنوات وتقدموا لها أكثر من مرة، من أمثال الأديب الروائي الكبير محمد جبريل، والكاتب المبدع الكبير مصطفى نصر. يكفي هذان الاسمان للدلالة على ظلم الجائزة لمن يستحقها.

في العام الماضي رشح أتيليه الإسكندرية مصطفى نصر للحصول على جائزة الدولة للتفوق، ورشحت جهات أخرى الكاتب الكبير محمد جبريل للحصول على جائزة الدولة التقديرية، ولم ينالاها.

وفي هذا العام – ونظراً لإدراكه أهمية أعمال مصطفى نصر الروائية– أعاد اتيليه الإسكندرية ترشيحه للجائزة التقديرية، إيماناً منه بقيمة ما قدمه من أعمال إبداعية وفكرية ونقدية على مدى أربعين عاماً.

ولكن التربيطات والإلحاح والاتصالات والمجاملات وغير ذلك دائماً تكون هي الأقوى من أي قيمة إبداعية وفكرية يقدمها صاحب المنجز الأدبي».

لم يقتصر النقاش حول نتائج جوائز الدولة على الكتاب وحدهم٬ فعبر حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» طالب الدكتور شريف يونس أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة حلوان بــ «النقد المنضبط والحريص فعلاً على الأدب وجوائزه٬ المفروض ينصب على كيفية ومعايير تشكيل اللجان أو التقدم للجوائز. فإذا تحققت في لوائح الجوائز معايير الاستقلالية والتخصص والحياد المبدئي، وكانت معايير التقدم لها تتفق مع الهدف منها، يجب أن تتمتع اللجنة بالحرية في الاختيار ويُحترم اختيارها، الذي لن يكون بالضرورة متفقا مع آراء أو تقييمات أخرى، و «تربيطات وشِلل للأسف».