مقاطع فيديو على «يوتيوب» يجني أصحابها أموالاً

لندن - «الحياة» |

قد يبدو غريباً أن العديد من مقاطع الفيديو على «يوتيوب» التي تحمل أصوات همس وطقطقة وخدش باتت ظاهرة اجتماعية، بل وأصبحت وسيلة كسب رزق للبعض، غير أن العديد من الشركات بدأت تدرك قيمة تلك الأصوات التي تثير في المستمع شعوراً خاصاً، ما يعد بأرباح طائلة.


تخرج أوليفيا كيسبر مقاطع فيديو تقشعر لها الأبدان، ولكنها قشعريرة لذيذة، فهي تهمس في الميكروفون وتنقر بأطراف أصابعها على أشياء، وتمرر أناملها على فرشاة خاصة، وتخدش بيديها لفافات ورقية، وتسجل صوت التهامها للطعام على الشاشة.

إنه أمر غريب وربما بدا للوهلة الأولى مخيفاً، غير أنه بدأ يحرز نجاحاً مبهراً، فالفيديوات التي نشرتها على مدار الأعوام الخمسة الماضية اجتذبت أكثر من مليون مشاهدة المرة تلو الأخرى على قناتها على موقع «يوتيوب»، وبات لديها أكثر من 294 ألف مشترك.

والمشاهدون يقبلون على تلك المقاطع المسجلة على أمل التمتع بإحساس من اللذة يعرف اصطلاحاً بـ(أوج الاستجابة الحسية الذاتية) وهو شعور بنوع من القشعريرة تبدأ من فروة الرأس وتسري إلى بقية الجسم مع استجابة لمؤثرات معينة. وكيسبر واحدة من مخرجين عديدين بدأوا يلبون طلب كثيرين ممن يبغون التمتع بهذا الإحساس.

والمقاطع المسجلة عادة ما تسير بإيقاع بطيء يشبه التنويم المغناطيسي وتمتد في العادة من 25 دقيقة وحتى الساعة. وتظهر المقاطع أشخاصاً يقومون بمهمات غريبة، بعضهم يمرر أنامله برفق على أشياء مختلفة، وآخرون يمسحون شعرهم بأيديهم. وتبث تلك الفيديوات بطريقة ما «رسائل مخفية» تعكسها تلك القشعريرة التي تبعث إحساساً قوياً بالسكينة.

وتسجل تلك الأصوات بمسارين صوتيين لكل أذن باستخدام معدات عالية الجودة ما يعطي المستمع شعوراً مجسماً. ومن ضمن المقاطع التي سجلتها كيسبر ما عنون بأشياء طريفة مثل «التهام بيض الثعابين»- والمقصود به في الحقيقة أكل فاكهة نادرة تعرف بهذا الاسم، ومنها الآخر: «همساً! كل شيء سيكون على ما يرام!» والهدف منه الوصول بالمستمع إلى حال نعاس هادئ.

وقبل عشر سنوات، لم يكن أحد يظن أن الهمس أمام الكاميرا سيدر دخلاً مالياً، أما الآن فتلك الأشياء أصبحت معروفة على وسائل التواصل الاجتماعي ومصدر رزق لمنتجيها.

وعلى رغم أن الأمر في بدايته، إلا أنه يتوقع أن يزداد انتشاراً مع إقبال شركات وعلامات تجارية معروفة على الاستفادة من تلك «الظاهرة الثقافية»، وبالنسبة إلى كيسبر التي تنتج مقاطعها من كوستاريكا ليس في الأمر ما يثير العجب، بل تعتبر نجاح تلك الظاهرة «أمراً محتوماً» وتصفها بأنها «منتدى تسويقي آخر».

وتقول: «من الملاحظ أن قنوات الاستجابة الحسية رائجة جداً، ومن ثم فلا بد من أن لا تفوت الشركات العملاقة فرصة الاستفادة منها».

وبنقر الشخص على الأحرف الأولى لعبارة «أوج الاستجابة الحسية الذاتية» ASMR على «يوتيوب»، سيجد 12,7 مليون نتيجة، وبعض الفيديوات الأشهر شوهدت أكثر من 20 مليون مرة، ما يترجم بالنسبة إلى منتجي تلك المقاطع إلى أرباح طائلة تصل إلى آلاف الدولارات عبر الإعلانات التي يضعها يوتيوب برفقة فيديواتهم. ويتعدى الأمر ذلك إلى رغبة الشركات المعروفة في أن تنخرط انخراطاً مباشراً في الظاهرة وليس مجرد الإعلان عن منتجاتها.

وفي العام الماضي أطلقت شركة إيكيا الشهيرة للأثاث حملة إعلانية سمتها «غرابة إيكيا» ضمنتها ستة فيديوات حسية كان أحدها بطول 25 دقيقة كاملة. ويستعرض الفيديو مجموعة من المنتجات المتعلقة بغرف سكن الطلاب بينما يشرح الراوي بلطف مزايا كل منتج مصحوباً بلمس ناعم لملاءات الأَسرَّة، وضغط الوسائد لبيان مدى راحتها، وخدش النسيج، وهز الشماعات المعدنية للملابس، بينما يواصل الراوي هامساً وصف تفاصيل من قبيل كثافة نسيج ملاءات الفراش، ونوع نسيج الأغطية المعروضة، فضلاً عن الأسعار والألوان، ومنافذ البيع.

وتقول كيري هومشير المتخصصة في الإعلان في شركة إيكيا بالولايات المتحدة: «لم تكن لدينا توقعات معينة بالنتائج لأن التجربة غير مسبوقة، ولكننا أردنا أن تكون فيديواتنا على أعلى مستوى من الصدقية حتى تلقى قبولاً لدى معتادي فيديوات الاستجابة الحسية».

وأتت الاستراتيجية أكلها كثيراً، بحسب هومشير، فقد راج الإعلان جداً حتى شوهد حتى الآن 1,8 مليون مرة. وتعزو إيكيا الفضل للإعلان في زيادة المبيعات بنسبة 4,5 في المئة في المتاجر، و5,1 في المئة على الإنترنت خلال الحملة الإعلانية.

وتضيف ديلا ماثيو، مديرة التصميم بشركة «أوجيلفي آند ماذر نيويورك» للإعلانات- التي شاركت إيكيا إنتاج المقاطع- أن «بعض المشاهدين فوجئوا بالإعلان غير المألوف، ولكن معتادي فيديوات الاستجابة الحسية ساعدوا المشاهدين الآخرين على فهم الأمر».

ومع تسارع وتيرة البحث عن فيديوات الاستجابة الحسية على يوتيوب (إذ تضاعفت متابعة تلك المقاطع من حزيران/ يونيو2016 إلى الشهر نفسه 2018 بحسب بيانات غوغل) تقدم شركات أخرى على استخدام تلك الفيديوات، ومن ضمن الشركات المهتمة شركة دوف للشوكولا ودجاج كنتاكي وشركة نورلاند غولد لوس السويدية للبيرة، وغولد لوس بصدد إنتاج ألبوم من تلك الفيديوات.

وفي عام 2016 بدأت مجلة «W» للموضة سلسلة مقاطع ضمنتها مشاهير في فيديوات حسية، كان بينهم غال غادوت وإميلي راتايكوفسكي وأوبري بلازا. وتعمل الشركات الكبرى على توظيف مخرجين لتلك التقنيات ممن راجت فيديواتهم، ومنهم ليللي ويسبرز التي كانت من رواد المجال حين أنتجت أول فيديواتها الحسية قبل خمس سنوات وهي بعد في التاسعة عشرة من عمرها.

وتعمل ويسبرز في وظيفة دائمة في التسويق الرقمي فضلاً عن إنتاج مقاطع إضافية تتراوح بين مقطعين وثلاثة أسبوعياً تسوق منتجات. وتشعر ويسبرز بأنها قريبة من مشاهدي فيديواتها كـ «شقيقة كبرى لهم» بخاصة أن 80 في المئة من متابعيها من النساء دون الثلاثين وكثيرات منهن بين الرابعة عشرة والسابعة عشرة من أعمارهن. وتدرك ويسبرز أهمية هذا النوع من التواصل كما تعي حدود التواصل عبر الإنترنت.

تقول ويسبرز إن تلك الفيديوات ذات الاستجابة الحسية قد تمثل «ملاذاً آمناً للبعض» وتعرب عن ثقتها بفائدة الحديث العلاجي والتواصل بين البشر، وأحياناً تحض مشاهديها على طلب المساعدة من العالم الخارجي. وبفضل هذا التواصل القوي تسعى الماركات العالمية لتبني منتجي تلك الفيديوات، مثل ويسبرز، لترويج صناعتهم، وتدفع الشركات مقابل ذلك، إذ قد يتراوح ما تدفعه بين ألف وثلاثة آلاف دولار للحملة الإعلانية، اعتماداً على المشاهدة والتأثير، بحسب ما تقول سافانا نيوتون مديرة شركة ريتيوال نتويرك للاستفادة بالمواهب الرقمية.

ولدى الشركة قائمة تناوب مكونة من منتجي تلك الفيديوات، منهم ليللي ويسبرز وأوليفيا كيسبر. وتساعد الشركة عملاءها من خلال توفير السيولة المالية المباشرة على منتديات مثل يوتيوب، فضلاً عن توزيع الصوت على سبوتيفاي وآي-تيونز وتوفير شراكات المحتوى التجاري.

وتقول نيوتن إن مستهلكي الفيديوات الحسية «يشعرون بالقرب من المنتجين في شكل شخصي ما يحملهم على الوثوق برأيهم في سلعة أو أخرى». ويمكن لمن يصلون لأوج النجاح عبر تلك الفيديوات تحويل مواهبهم لأرصدة فعلية عبر تطبيق يدعى باتريون (Patreon)، الذي يتيح الفرصة لذوي المواهب من موسيقيين وأصحاب البث الجوال «البودكاست» للحصول على التمويل المباشر من معجبيهم والمشتركين فضلاً عن الجهات الراعية مقابل تقديم المحتوى المتميز.

وتقدم أوليفيا كيسبر فيديواتها المتميزة للمشتركين الأوفياء قبل غيرهم كما توافيهم بمشاهد من وراء الكواليس وتتواصل معهم مباشرة عبر سكايب. وبعض منتجي الفيديوات الحسية لديهم تطبيقاتهم الخاصة، منهم بن نيكولز الطالب في العشرين من عمره في جامعة ليفربول والملقب على الإنترنت باسم The ASMR Gamer، إذ يهمس لمشاهدين أغلبهم من الذكور حول ما يتعلق بتكنولوجيا المستهلكين وألعاب الفيديو وكرة القدم والبيرة.

يحب نيكولز ما يتميز به «مجتمع فيديوات الاستجابة الحسية من خصوصية وانخراط وتفاعل أعمق من المجتمعات الأخرى على يوتيوب»، كما يقول.