عربيات يغزين سوق معارض الفنون التشكيلية الباريسية

ربيعة منوار (الحياة)
باريس - خالد بريش |

إلى وقت قريب، كانت صالات عرض الفنون التشكيلية في باريس حكراً على فئة معينة تشكل حلقة مغلقة توارث أصحابها تلك الصالات أباً عن جد. أو أنهم صنعوا لأنفسهم مكاناً واسماً بعد معاناة وتعب بدعم من إعلاميين وبعض رجال المال والسياسة. وهي أمور غير متوافرة للطامحين من العرب في هذا المجال بسبب تركيبة المجتمع الفرنسي، وطبيعة المهنة، والممسكين بخيوطها.


وكان العرض بالنسبة إلى الفنانين العرب في هذه الصالات أمراً شديد التعقيد يخضع لشروط تعجيزية أحياناً سُطرت خصيصاً ليمر من خلالها الفرنسيون والأوروبيون، ولإقصاء العرب وغيرهم، إن كان من حيث المواعيد وإيجار الجدران ومصاريف الافتتاح، أو وضع نسبة ضريبة مرتفعة على المبيعات، هذا في حال حصلت مبيعات، لأن ذلك يخضع أيضاً لمزاج صاحب الصالة الذي لا يتعاطف في غالب الأحيان مع الفنان العربي، ولا يهمه أمره، طالما أنه قبض إيجار الصالة، ولأن العرض بالنسبة إليه يأتي في الوقت الضائع، ولسد فراغ بين معرضين مقررين أصلاً.

ولكن مع نهاية القرن الماضي وبداية الألفية الثانية، بدأت هذه المعادلة تتغير بل تنكسر، إذ دخل إلى سوق الفنون التشكيلية بعض الطامحين من أبناء الجالية العربية المقيمين في فرنسا. وبدأ هؤلاء يمارسون دورهم وسط مصاعب وعراقيل كثيرة. بل في أجواء حرب غير معلنة، وعداء من القدامى المسيطرين على السوق، والذين لم يرحبوا بهم ولا في صالاتهم فحاربوهم بطرق كثيرة بعضها غير مشروع.

غير أن ذلك لم يدم طويلاً، إذ شهدت تلك الصالات انفراجاً تعود أسبابه في الدرجة الأولى إلى التصميم وروح التحدي والإرادة القوية التي تمتع بها هؤلاء الرواد الجدد. والأهم من ذلك هو صدقيتهم ونوعية ما عرضته صالاتهم، وتميزه فنياً وتقنياً ما لفت أنظار الإعلام والنقاد. وهو ما جعل فنانين كباراً معروفين على الساحة الفنية من جنسيات فرنسية وغير فرنسية يلجأون إليهم للعرض في صالاتهم خصوصاً بعدما فرضت هذه الصالات نفسها على ساحة عروض الفنون التشكيلية في العاصمة الباريسية. واستطاعت أن تنتزع قطعة من قالب الجبنة، مسجلة حضورها وكاسرة ذلك الطوق المُحْكم.

واليوم يوجد على الساحة الفرنسية، وخصوصاً الباريسية، عشرات صالات العرض تعود لسيدات وشباب عرب تتوزع في شوارع العاصمة المهمة وتعرض فنوناً تشكيلية راقية تلقى قبولاً ونجاحاً إن كان على صعيد النوعية، أو من حيث الترويج للأعمال الفنية المختلفة، والمبيعات، وهو الأمر الأهم بالنسبة لأي فنان، ما جعل هذه الصالات تغدو مع الأيام مرجعا فنيا مهما في العاصمة الباريسية.

ومن بين هذه الصالات الكثيرة ثلاث صالات تشرف عليها سيدات غزين سوق الفنون التشكيلية. اثنتان منهن درستا تاريخ الفنون وتسويقها في أرقى الجامعات الفرنسية وحازتا منها على شهادات وإجازات عالية متخصصة، وعملتا في سوق العروض والفنون فترة من الزمن، اكتسبتا خلالها الخبرة الكافية التي أهلتهُما لخوض التجربة لاحقاً.

تقع صالة عرض شيزلباخ (Galerie Ghezelbash) في الدائرة الباريسية السادسة وتحديداً في منطقة Saint-Germain-des-Prés التي تعتبر من أشهر الأحياء الباريسية، وملجأ المثقفين والفنانين على اختلاف مشاربهم، وتشرف عليها السيدة نادين فتوح القادمة من العاصمة اللبنانية بيروت وقد أتمت دراستها في مدرسة اللوفر العريقة. وتعرض في صالتها لفنانين كبار معروفين على الساحة الفنية في الوقت الذي تفتح باب صالتها أمام الفنانين العرب، وكانت آخرهم التشكيلية السورية الدكتورة نغم حذيفة.

وهناك صالة عرض منوار (Galerie manouar) في الدائرة الباريسية الرابعة Le Marais وعلى بعد خطوات من متحف الفنان الكبير بابلو بيكاسو ومتحف الأديب فيكتور هيغو ومنزله الأثري. وهي للسيدة ربيعة منوار ابنة المغرب التي أنهت دراستها في جامعة السوربون (باريس الثالثة)، قسم التواصل والفنون التشكيلية. وقد حصلت العام الماضي 2017 على جائزة التفوق النسائي والإبداع من هيئة فرنسا أوروبا البحر المتوسط، في الخارجية الفرنسية. وهي تستقبل في صالتها كبار الفنانين من مختلف أنحاء العالم، وتحرص على وجود للفنانين العرب إلى جانبهم باستمرار. وكان آخرهم بدعوة خاصة النحاتة الجزائرية ليلى بوكورت والمصورة الفوتوغرافية المغربية فاطمة جميح.

وهناك صالة عرض Galerie Europia الواقعة في الدائرة الباريسية السابعة وعلى بعد خطوات من مبنى منظمة اليونيسكو الدولية، ومتحف الأنفاليد حيث يرقد نابليون الأول. وغدت هذه الصالة وخلال فترة قصيرة من الزمن مرجعاً في الفن التشكيلي العربي المعاصر وذلك بفضل جهود صاحبتها الفنانة السورية ندى كرامي القادمة من الوسط الفني كمسرحية وموسيقية عازفة بيانو. وهي سخرت كل جهودها وإمكاناتها من أجل إظهار صورة جيدة عن الفنون التشكيلية في الوطن العربي خصوصاً في سورية.