الحكومة المصرية تجدد دماء الأجهزة الأمنية والعسكرية

السيسي متوسطاً اعضاء الحكومة الجديدة (الحياة)
القاهرة – أحمد رحيم |

الأبرز في الحكومة المصرية الجديدة التي أدت اليمين أمام الرئيس عبدالفتاح السيسي (الخميس الماضي) تغيير وزيري الدفاع والداخلية، في مفاجأة لم تكن متوقعة، إذ لم تكن هناك أي مؤشرات أو دلائل يمكن أن تؤدي إلى استنتاج بمثل هذا القرار.


وضمت الحكومة المصرية الجديدة 33 وزيراً بينهم 21 وزيراً من حكومة رئيس الوزراء شريف إسماعيل احتفظوا بحقائبهم في حكومة مصطفى مدبولي، و12 وزيراً جديداً.

وزير الدفاع المصري الجديد هو الفريق محمد أحمد زكي قائد قوات الحرس الجمهوري، المسؤول الأول عن أمن الرئيس وأسرته وتأمين مقرات إقامته وقصور الرئاسة والبنايات التابعة للرئاسة. وهو بحكم منصبه السابق مصدر ثقة الرئيس. وتولى زكي قيادة الحرس الجمهوري إبان حكم الرئيس المعزول محمد مرسي في آب (أغسطس) 2012، ورقاه الرئيس السيسي من رتبة لواء إلى رتبة فريق العام الماضي، ما عزز مكانته في الجيش المصري كون رتبة الفريق لا يحصل عليها سوى قادة الأسلحة الرئيسية في القوات المسلحة. ومعروف أن الفريق محمد زكي هو القائد العسكري الذي تولى مهمة التحفظ على مرسي وقادة الجماعة الذين تولوا مناصب قيادية في رئاسة الجمهورية، بعد عزل مرسي في 3 تموز (يوليو) من العام 2013. وتم التحفظ عليه بإشراف مباشر من زكي في «دار الحرس الجمهوري».

أما وزير الداخلية الجديد اللواء محمود توفيق، فهو رئيس جهاز الأمن الوطني، أبرز جهاز أمني في وزارة الداخلية، وتولى بحكم منصبه الإشراف على مكافحة الإرهاب والتطرف في الوزارة. وتوفيق هو ابن جهاز الأمن الوطني الذي عمل فيه لسنوات حتى ترأسه خلفا للواء محمود شعراوي الذي أطيح به من منصبه في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي في أعقاب قتل متطرفين 16 ضابطاً وجندياً في منطقة الواحات في الصحراء الغربية خلال مداهمة لقوات الشرطة للبؤرة الإرهابية التابعة لتنظيم «القاعدة». ويشير تعيينه وزيراً للداخلية إلى استمرار تحدي الإرهاب كأولوية لدى وزارة الداخلية.

اللافت أن تغيير وزيري الدفاع والداخلية أتي في وقت تدل المؤشرات على نجاحات للأجهزة العسكرية والأمنية في محاصرة الإرهاب في مصر، وفي أوج تنفيذ أكبر عملية عسكرية لمكافحة الإرهاب منذ سنوات، في سيناء والصحراء الغربية، وهي العملية التي أطلقت في شباط (فبراير) الماضي، وحدت إلى درجة كبيرة من هجمات الإرهاب في مصر، بعدما دمرت جانباً كبيراً من البنية التحتية للجماعات الإرهابية في البلاد.

وظهر حرص الرئيس المصري على الإشادة بدور صبحي وعبدالغفار في المرحلة الماضية لقطع الطريق على أي حديث عن صراعات داخل الأجهزة السيادية. كما سن السيسي عُرفاً جديداً بأن جمع وزيري الدفاع السابق والحالي ببذتهما الرسمية في لقاء واحد بالتزامن مع إعلان قرار تغيير وزير الدفاع، كما التقى وزيري الداخلية الحالي والسابق، وجمع الوزراء الأربعة في لقاء منفصل أشاد فيه بالتعاون القائم بين الجيش والشرطة، وكأنه أراد أن ينفي مسبقاً أي حديث عن خلافات داخل الجيش أو الأجهزة الأمنية.

ومعروف أن الدستور المصري يوجب أن يكون تعيين وزير الدفاع بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وذلك لدورتين رئاسيتين كاملتين اعتباراً من تاريخ العمل بالدستور في العام 2014، ما يُرجح أن مشاورات جرت بين الرئيس المصري وقادة الجيش قبل تغيير وزير الدفاع الفريق أول صدقي صبحي.

وقال اللواء خالد عكاشة عضو المجلس القومي لمكافحة الإرهاب، الذي يرأسه السيسي، في تصريحات لـ «الحياة» إن تغيير وزيري الدفاع والداخلية هدفه «تجديد الدماء» داخل المؤسستين، لافتاً إلى أن الشخصيات التي تولت ملفات مهمة عسكرية وأمنية أصبح من نهج الدولة المصرية ونهج النظام السياسي الحالي تغييرها كل فترة. وأضاف: «التساؤلات حول تغيير القيادات الأمنية أثيرت مع تغيير رئيس أركان الجيش ورئيس الاستخبارات العامة ورئيس الاستخبارات الحربية وقادة الجيوش وقائد القوات في سيناء، ومعظم القيادات التي أشرفت على الملفات المهمة في الاستخبارات لفترة»، لافتاً إلى أنه مع كل تغيير في تلك المناصب الحساسة تنطلق تكهنات وتساؤلات، لكن أعتقد أن نهج الرئيس بات معروفاً من حيث تغيير القيادات المشرفة على الملفات العسكرية والأمنية والاستخباراتية كل فترة زمنية من دون النظر إلى النجاحات أو الإخفاقات. وأوضح أن تغيير وزيري الدفاع والداخلية يأتي في ظل نجاح في الحرب على الإرهاب، ما يُعزز أن التغيير مرتبط بالفترات الزمنية التي قضوها على رأس المؤسسة العسكرية والجهاز الأمني، بهدف ضخ دماء جديدة فيهما.

وأضاف: «الأمر يبدو أكثر وضوحاً لدى قيادات الصف الثاني في تلك الأجهزة من حيث ضخ دماء جديدة كل فترة زمنية، لكن ظهر أن النظرية ذاتها مُطبقة على قادة الصف الأول. الوزيران أمضيا فترة معتبرة ونفذا مهماتهما على أكمل وجه وحققا نقلة في الوزارتين، ومن ثم كل منهما أخذ الفرصة وأدى المهمة ونجح فيها وحقق إنجازات، وتغيير الوزير وهو ناجح أفضل من تغييره بعد كارثة».

وأضاف: «على مدى حقب زمنية طويلة كان تغيير وزير الدفاع أو الداخلية خصوصاً وزير الداخلية مرتبط بكارثة أو هجوم إرهابي كبير ويكون خروجه بعد إخفاق، لكن تلك المرة الخروج أتى بعد النجاح... أعتقد التقاعد في ظل النجاح أفضل من التقاعد بعد الإخفاقات». وقال: «يخرج في مصر الآن وزيران قادا المؤسستين العسكرية والأمنية وهما ناجحان ولا غبار على عملهما، وهذا ملمح إيجابي ومحترم ويعكس أداء النظام المصري لترسيخ قاعدة جديدة بعدم وجود قيادات على رأس الأجهزة السيادية لفترة طويلة... هذا أصبح واضحا في النسق الحاكم للنظام السياسي الحالي».

من جهة أخرى، ضمت الحكومة الجديدة في مصر وزراء حققوا نجاحات في مؤسسات غير رسمية، وتولى حقائب وزارية مهمة شخصيات من خارج الجهاز الإداري على الأقل في السنوات الأخيرة، ومن أبرز هؤلاء الوزراء رئيس أكاديمية مؤسسة «57357» لعلاج السرطان الدكتورة هالة زايد وزيرة الصحة الجديدة، والأستاذ في العلوم الزراعية عز الدين عمر أبوستيت وزير الزراعة، ومدير شركة «آي بي إم مصر» عمرو سميح طلعت وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

وكان لافتا إطاحة وزير الشباب والرياضة المهندس خالد عبدالعزيز وتعيين مساعده أشرف صبحي وزيرا للرياضة، بالتزامن مع انطلاق مونديال روسيا الذي تأهلت مصر إليه بعد 28 عاماً لم يتمكن خلالها المنتخب الوطني لكرة القدم من اللعب في المونديال. وحقق عبدالعزيز طفرة ملحوظة في إعادة تأهيل مراكز الشباب في مصر، وهو طالما ظل بعيداً من الأسماء المطروحة ضمن التغييرات، خصوصاً في تلك الفترة كونه المشرف على تجهيز المنتخب للمشاركة في المونديال إلى جانب اتحاد الكرة المصري. لكن يبدو أن المشكلات والسجالات التي شهدها الوسط الرياضي في مصر في الأسابيع الأخيرة خصوصاً في ناديي «الأهلي» والزمالك» قطبي كرة القدم أثرت على فرص عبدالعزيز ودفعت في اتجاه رحيله.

ومن المنتظر أن يعرض التشكيل الحكومي الجديد على البرلمان لنيل الثقة، وسط تساؤلات عن حلف الحكومة اليمين قبل نيل الثقة من البرلمان. وأوضح الفقيه الدستوري الدكتور صلاح فوزي لـ «الحياة» أن نص المادة 146 من الدستور لا يوجب نيل الثقة قبل حلف اليمين أمام الرئيس، لافتا إلى أن لائحة البرلمان تقول إنه لو لم تنل الحكومة ثقة مجلس النواب تُصبح مستقيلة، ما يعني أنه يُمكن أن تٌقسم اليمين قبل أن تنال الثقة.

وفي اجتماعه الأول مع الحكومة الجديدة أكد الرئيس السيسي أهمية أن تكون هناك عملية تسليم وتسلم بين أعضاء الحكومة السابقة والجديدة في شكل مُنظم وسلس وأن تخصص فترة زمنية محددة لذلك حتى يتسنى البناء على الخبرات السابقة، فضلاً عن ضرورة أن يتعرف كل وزير جديد عن قرب على طبيعة وثقافة وزارته، وأن يتم التركيز على سبل الدفع بالعمل المؤسسي وتعظيم الاستفادة من القدرة المؤسسية المتوفرة في كل وزارة، بالإضافة إلى صياغة سياق مهني وفكري داخل كل وزارة يتناسب ويتسق مع الأهداف والتوجهات التي تسعي الدولة لتحقيقها في القطاعات المختلفة.

وأكد رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي في أول اجتماع للحكومة مع الرئيس أن الحكومة الجديدة ستعمل بأقصى طاقتها لتحسين معدلات الأداء والإنجاز في مختلف القطاعات، لاسيما وأن مصر تسعى لتحقيق نهضة تنموية ملموسة تنعكس آثارها على الحياة اليومية للمواطنين. كما أوضح حرص الحكومة على تبني السياسات واتخاذ الإجراءات التي من شأنها المساهمة في زيادة معدلات الإنتاج والاعتماد على الأفكار المبتكرة غير التقليدية للتغلب على التحديات المختلفة التي تواجهها مصر، مؤكداً في هذا الإطار عمل الحكومة الجديدة على تحسين مستوى معيشة المواطنين وإيلاء الأهمية للفئات الأولى بالرعاية وزيادة كفاءة المنظومة الحكومية وتحقيق المزيد من الشفافية والنزاهة والحفاظ على الأمن القومي المصري وتعزيز دور مصر الرائد على الأصعدة العربية والأفريقية والدولية.