انقسام الجسم الصحافي على قانون مصري جديد ينظم المهنة

مبنى نقابة الصحافيين في القاهرة (الحياة)
القاهرة – محمود دهشان |

تشهد الأوساط الصحافية في مصر حالاً من الانقسام بسبب قانون تنظيم الصحافة والإعلام الذي وافق عليه البرلمان المصري الأسبوع الماضي في شكل مبدئي، إذ يرى صحافيون أن القانون الجديد جـــاء مغايراً لمطالب الصحافيين، خصوصاً في ما يخـــص الحريات وعقوبات الحبس في قضايا النشر، وأعلن 600 صحافي رفضهم القانون الجديد، على رأسهـــم أربعة من مجلس نقابة الصحافيين، في وقت أيد النقـــيب عبد المحسن سلامة وقيادات أخرى في النقـــابة القانون، وإن تحفظوا عن بعض بنوده. ووافـــق مجلس النواب خلال جلسته العامة الأسبوع الماضــي، على مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام في مجموعه وأرسله إلى مجلس الدولة لأخذ رأي قسم الفتوى والتشريع فيه، على أن يُتّخذ الموقف النهائي منه عقب تسلم البرلمان رد مجلس الدولة.


ورأت لجنة الإعلام والثقافة في مجلس النواب أثناء دراسة المشروع ضرورة فصله إلى ثلاثة مشاريع قوانين، هي: مشروع قانون تنظيم الصحافة والإعلام، ومشروع قانون الهيئة الوطنية للصحافة، ومشروع قانون الهيئة الوطنية للإعلام. ونوقشت مواد كل قانون على حدة بشكل تفصيلي خلال الجلسة العامة للبرلمان، في وقت أكد رئيس مجلس النواب الدكتور علي عبدالعال أنه كان يتعرض لضغوط يومية من الصحافيين لإصدار القانون، موضحاً أن حرية الإعلام أمر حساس يمس مصالح الجميع سواء في السلطة أو خارجها، لافتاً إلى أن مشروع القانون تمت مراجعته أكثر من مرة بهدف تنقية القانون من كل عقوبة تقيد الحرية، حرصاً على احترام حرية الصحافة والإعلام.

بيان معارض

واعتبرت الهيئة الوطنية للصحافة أن القانون الجديد للصحافة والإعلام يأتي ترسيخاً لأحكام الدستور، لافتة إلى أن مواده صيغت في شكل متوازن، لتفعيل اختصاصات الهيئات الإعلامية، ودحض أوجه الالتباس والتداخل. وأصدر 4 صحافيين من أعضاء مجلس نقابة الصحافيين المصرية (محمود كامل، ومحمد سعد عبد الحفيظ، وعمرو بدر، وجمال عبد الرحيم)، بياناً معارضاً لقانون تنظيم الصحافة والإعلام الجديد أكدوا فيه، أنهم فوجئوا بمشروع قانون يناقشه البرلمان لتنظيم عمل الصحافة والإعلام، مشيراً إلى أنه «قانون صادم» ولا يمثل الصحافيين بقدر ما يمثل جهات بعينها تهدف إلى السيطرة على الصحافة، حكومية وخاصة، فضلاً عن تربص القانون بالمؤسسات الحكومية والعاملين فيها، وتمثل ذلك في وقف المد للصحافيين فوق الستين كحق طبيعي إضافة إلى أن القانون الجديد يسمح بالسيطرة على الصفحات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي».

وعرض الأعضاء عدداً من مواد القانون الجديد التي وصفوها بالصادمة على حد وصفهم، ومنها المادة «39» من قانون تنظيم الهيئة الوطنية للصحافة وتقليص تمثيل الصحافيين في مجالس إدارة المؤسسات، مشيرين إلى أن هناك مادة تجعل المؤسسات الصحافية القومية تدار بعناصر من خارجها، وتسمح بتعيين نصف أعضاء مجلس الإدارة من خارج المؤسسة، ما سيسفر عن كارثة في إدارة المؤسسات الصحافية المصرية. وكان رئيس لجنة الإعلام والثقافة بمجلس النواب أسامة هيكل ناقش هذا الشأن خلال الجلسة العامة لإقرار القانون، وأكد أن هذا الموضوع شديد التعقيد خصوصاً أن أموال المؤسسات الصحافية الحكومية مال عام، ويجب أن تكون سلطة المحاسبة منفصلة عن سلطة الإدارة وإلا سيظل الوضع كما هو عليه الآن بالمؤسسات الحكومية، فيما شدد رئيس النواب الدكتور علي عبدالعال على أنه لا خصخصة للمؤسسات الحكومية من قريب أو بعيد، قائلاً: «إنه كان هناك اتجاهان أثناء وضع الدستور، الأول بخصخصتها كلياً والآخر إيجاد بديل لمجلس الشورى لإدارة المؤسسات، ونظراً للظروف وقتها رأينا العدول عن تصفيتها وإيجاد بديل وهو الهيئة الوطنية للصحافة، لأن هذه المؤسسات كان لها دور وطني ونراهن على استمراره».

600 رفض

وأكد وكيل نقابة الصحافيين السابق خالد البلشي لـ «الحياة» أن 600 صحافي في مصر أعلنوا رفضهم قانون تنظيم الصحافة والإعلام الجديد، مشيراً إلى أن القانون يعطي للمجلس الأعلى للإعلام سلطات واسعة وفرض عقوبات مالية على الصحافيين، بخلاف العقوبات الأخرى، ومن ون العودة الى النقابة، لافتاً إلى أن القانون صادم خصوصاً في ما يتعلق بالصحف القومية وتعيين مجالس إداراتها والجمعية العمومية، بتقليل عدد المنتخبين ورفع عدد المعينين من خارج المؤسسات.

وأوضح البلشي أن القانون الجديد قلص تمثيل الصحافيـــين في مجالس إدارة المؤسسات إلى أدنــــى حد، إضافة إلى أن القانون الجديد يسمح بأن تـــدار المؤسسات الصحافية القومية بعناصر من خارجهــا، لأنه أُقر تعيين نصف أعضاء مجلس الإدارة من خارج المؤسسة وأعضاء الجمعية العمومية 17 منهم 11 من خارج المؤسسة، مشيراً إلى أن القانون تجاهل «المد الوجوبي» لسن المعاش للصحافيين إلى 65 عاماً وأعطى الحق للهيئة للمد لمن تراهم «خبرات نادرة»، موضحاً أن الهيئة الوطنية للصحافة أصبحت تدير المؤسسات مباشرة وتسيطر تماماً على مجالس الإدارات والجمعيات العمومية، ولا تستطيع المؤسسة اتخاذ أي قرار مهم إلا بموافقة الهيئة، ما أعطى الأخيرة سيطرة كاملة. وأضاف أنه على رغم أن قانون نقابة الصحافيين يقصر عملية تأديب الصحافيين على النقابة، فإن القانون الجديد منح المجلس الأعلى للإعلام حق توقيع عقوبات على الصحافيين، إضافة إلى أن القانون أتاح الفرصة أمام الصحافيين للحصول على المعلومات، لكنه لا يفرض أي عقوبات على من يمنع المعلومات عنهم.

وانتقد البلشي عدم عرض القانون بصيغته الحالية على نقابة الصحافيين، معتبراً أن هذا الأمر مخالف للدستور، داعياً أعضاء الجمعية العمومية لنقابة الصحافيين إلى توقيع البيان لرفض القانون، مطالباً مجلس النقابة بعقد اجتماع طارئ لمناقشة خطوات النقابة التصعيدية تجاه القانون.

وينص الدستور على أخذ رأي النقابات المهنية في مشاريع القوانين المتعلقة بها، على أن ينظم القانون إنشاء النقابات المهنية وإدارتها على أساس ديموقراطي، يكفل استقلالها ويحدد مواردها.

الحبس الاحتياطي

وتساءل البلشي: «كيف للقانون الجديد أن يُعيد الحبس احتياطياً للصحافيين ويعيدنا إلى ما قبل نظام الرئيس السابق حسني مبارك بعدما كان الحبس مرفوضاً في قضايا النشر؟»، مؤكداً أنه أمر يتعارض مع قانون نقابة الصحافيين. ووصف القانون بـ «قانون عقوبات الصحافيين». ولفت إلى أن النص أعطى المجلس الأعلى للإعلام صلاحيات الحجب والمنع بزعم ارتكاب أعمال مذكورة بمصطلحات فضفاضة وغير محددة ومطاطة، بالإضافة إلى أنه ميّز لمصلحة المعينين على حساب المنتخبين بالمؤسسات القومية، وقنّن فصل رؤساء التحرير من دون ضمانات.

وأشار البلشي إلى قضايا إهانة الرئيس التي عوقب بها عدد من الصحافيين في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، وهو ما أحدث حالة من الغضب داخل الأوساط الصحافية والسياسية في مصر عام 2012.

ووافق الرئيس السابق المستشار عدلي منصور على إلغاء حبس الصحافيين في قضايا النشر وفي إهانة الرئيس واستبداله بالغرامة في آذار (مارس) من العام 2013، وهو ما رحبت به نقابة الصحافيين في ذلك الوقت. وانتقد وكيل نقابة الصحافيين السابق المادة 19 لما تعطيه للمجلس الأعلى للإعلام من صلاحيات للسيطرة على كل ما يُنشَر على شبكة الإنترنت بدءاً من المواقع وحتى المدونات والصفحات الشخصية التي لا تخضع للقانون من الأساس، موضحاً أن المادة تعد نموذجاً لفرض قانون الصمت على الجميع، فطبقاً لنصها إن صلاحيات المجلس لا تقف عند حدود مراقبة الجميع حتى على صفحاتهم الشخصية، لكن أيضاً اتخاذ إجراءات بشأنهم، إذ يعطي نص المادة المجلس الأعلى للإعلام حق وقف أو حجب المواقع والمدونات والصفحات الشخصية التي يزيد عدد متابعيها على 5 آلاف شخص، بقرار إداري ولأسباب مطاطة، لافتاً إلى أن أي تقييد لتفاعل الآراء أو فرض قيود مسبقة يعد إخلالاً بالدستور المصري.

وأعلنت نقابة الصحافيين أن هناك مشاورات مع أعضاء مجلس النقابة ورؤساء المؤسسات الصحافية والهيئات الإعلامية المتمثلة في الهيئة الوطنية للصحافة والوطنية للإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، من أجل معرفة ملاحظاتهم على القانون وإرسالها إلى البرلمان. وأكد نقيب الصحافيين عبد المحسن سلامة لـ «الحياة» أن «القانون في مجمله جيد» وفيه جوانب إيجابية مثل فرض ضرائب على الإعلانات، إلا أن فيه بعض السلبيات التي يوجد عليها ملاحظات كثيرة وكانت تحتاج إلى التشاور قبل إقرارها خصوصاً في ما يخص المؤسسات الصحافية الحكومية ومجالس إداراتها، وأيضاً جمعيتها العمومية. وانتقد عدم إرسال المسودة النهائية للقانون إلى النقابة قبل إقراره في البرلمان، مشيراً إلى أنه حصل على نسخة من مسودة القانون في شكل غير رسمي من جانب أحد النواب، وأن النقابة لم تنظر إلى المشروع في مرحلته النهائية التي اعلنت.