الماركسية العربية في خضمّ المراجعات

موريس عايق |

لا تبدو الماركسية اليوم بضاعة رائجة في السياق الثقافي العربي، على رغم أنها شكلت الإطار الواسع للثقافة العربية لعقود، حيث قدمت مجموعة من أهم الأعمال التي أثرت الثقافة العربية على مستويات مختلفة. فالمثقفون الماركسيون كانت لهم الريادة في محاولة تقديم مقاربة تفسيرية وتحليلية للتراث العربي، الكلامي والفلسفي، مثل أعمال حسين مروة وطيب تيزيني. كذلك كان للماركسية العربية الفضل في تناول المجتمع العربي بالدراسة والتحليل، كما تناولت الاقتصاد العربي وبنيته. لم تكتف الماركسية العربية بتقديم مقاربات تفسيرية، إنما سعت إلى ربط الثقافة بمشروع سياسي تحرري يهدف إلى تجاوز التبعية وتحقيق التحرر، ما جعلها الحامل الرئيس لفكرة الثقافة نفسها.


اليوم انزوت الماركسية كإطار وتقليد، لكن المؤسف أن هذا ترافق مع نسيان الإسهامات الماركسية السابقة وعدم متابعتها والتأسيس عليها، فما كان صالحاً بُني عليه وما كان خاطئاً أغلق لنا باباً لا داعي إلى فتحه مرة أخرى. غير أن هذا الحال يبدو علة عربية أكثر من كونه يختص بتقليد نظري معين، فلا تراكم ثقافي ولا عمل جماعي أو مؤسساتي يستأنف البحث من حيث انتهى إليه السابقون، بل بداية جديدة وكأن شيئاً لم يكن.

إذا وضعنا الأعمال الاقتصادية والتاريخية والاجتماعية التي هدفت إلى الإجابة عن أسئلة محددة حول الوقائع الاجتماعية والتاريخية جانباً، فإن المعني من الماركسية العربية في هذا المقام هو الانشغال النظري بالسؤال المركزي حول فهم الواقع العربي وعلله وآلية تغيره، أي التصور الأساسي للعالم الذي حكم الأعمال الجزئية. هنا تبدو الماركسية العربية متنوعة وموزعة على تيارات متباينة كثيرة، وإن لم تكن- ربما- بغنى التقاليد الماركسية في أماكن أخرى من العالم. من بين التيارات الماركسية العربية يظهر تيار بعينه بوصفه تياراً راهناً يستحق المتابعة والدخول في حوار مع أسئلته التي ما تزال تلازمنا، وهو الماركسية التاريخانية التي تمحورت حول إسهامات عبد الله العروي والياس مرقص وياسين الحافظ.

ما الذي يبرر راهنية هذا التيار بوصفه تيار الماركسية العربية؟

الإجابة عن هذا السؤال تفترض النظر في المعضلة/ السؤال التي اشتغل عليها هذا التيار في مقابل التيارات الماركسية العربية الأخرى، ألا وهو سؤال التأخر والتقدم.

تبنت غالبية التيارات الماركسية العربية، لأجل تحليل المجتمعات العربية، موقفاً أرثوذكسياً يحيل إلى اللغة الماركسية المعيارية، من دون السؤال عن مدى جدواها في أداء هذه المهمة. وقد استدعى هذا نقل تقسيمات تاريخية واشكالات بحثتها الماركسية في أماكن أخرى في العالم إلى العالم العربي وتقديمها وكأنها مشاكله ومعضلاته، ما أدى إلى بقاء العديد من المعضلات الفعلية من دون أجوبة وافية داخل الأطر الأرثوذكسية التي تبنتها الماركسية العربية. مثلاً، صار لدينا أنظمة إقطاعية، على رغم أن ظهور الملكيات الكبيرة للأراضي والتخلي عن الأنظمة «التقليدية» حصل مع الاندماج في السوق العالمي والتحول إلى الضرائب النقدية وإنتاج محاصيل نقدية للسوق العالمية. أو ذاك النقاش الطويل حول قدرة البرجوازية الصغيرة «الثورية» على تأدية مهماتها التاريخية، أو أن تلك المهمات انتقلت إلى الطبقة الأكثر ثورية، الطبقة العاملة. لنكتشف لاحقاً أن الطبقة العاملة غير موجودة أو محدودة بشكل هائل، وتنتظر البرجوازية الثورية الصغيرة لتوسيعها بما يسمح لها بالتحول إلى فاعل اجتماعي.

لكن المعضلة الأهم التي واجهت هذه التيارات تمثلت في مسألة التأخر واللاعقلانية كما تجلت في سلوك الأنظمة الثورية العربية، سواء تبنت أيديولوجيا برجوازية ثورية صغيرة أو أيديولوجيا ثورية علمية بحسب المعجم الماركسي وقتها. فسلوك هذه الأنظمة- لجهة العقلانية والكفاءة- لم يختلف كثيراً عن سلوك الأنظمة الرجعية التي ناهضتها. لم يكن هناك إجابة شافية داخل الإطار التقليدي للماركسية العربية عن هذه المعضلة. في المقابل، ظهر هذا التقليد وكأنه يملك تصور حول هذه المعضلة وذلك بالانتقال من التحليل الطبقي إلى سؤال التخلف والتقدم في التاريخ. إننا، كعرب، متأخرون، وواقعة التأخر لا تتعلق بطبقة بل بجماعة العرب أنفسهم، بنمط تحصيل المعاش والشغل والفعل في الطبيعة وتجاه الآخرين (النقاش بين مهدي عامل والياس مرقص حول أزمة حضارة أم أزمة برجوازيات يعبر تماماً عن هذا الخلاف).

سمح هذا الانتقال بالانشغال في شكل أوسع بسؤال الثقافة والعقلانية، أي الآليات التي نعتمدها لفهم عالمنا والتي على أساسها نحاكم أفعالنا وسلوكنا. بالطبع ترافقت هذه النقلة مع شيء من المثالية، من دون أن تصبح موقفاً مثالياً. ففي النهاية يمكن فهم إشكالية التأخر العربي من خلال النظر إلى نمط المعاش (الإنتاج) ولكن مفهوماً في شكل أوسع وأكثر سلاسة مما افترضته الماركسية التقليدية.

المعضلة العربية هي معضلة تأخر، ولا يمكن ردها إلى مجرد صراع طبقي أو تبعة استعمار لم يتعدَ العقدين في بعض الدول. وهذا ما يفسر السلوكيات غير العقلانية للأنظمة العربية وبمعزل عن الأيديولوجيا التي تبنتها أو عن منبتها الطبقي، بما يجعل من المسألة العربية مسألة لا عقلانية كامنة في صلب أي ايديولوجيا. هذا بالتحديد ما يجعل من هذا التقليد راهناً، حيث ما تزال اللاعقلانية جرحاً مفتوحاً.

يمكن الاعتراض على هذه الخلاصة، بأن سؤال التقدم والتأخر هو سؤال مركزي للثقافة العربية الحديثة منذ ما يقارب القرن، فأين امتياز هذا التقليد؟ الإجابة هي «التاريخ العام». فالتيار الإسلامي تناول هذا السؤال من باب الخصوصية الإسلامية، فصار موضوع البحث هو التدليل على أن الإسلام ليس بذاته متخلفاً، وهكذا صار لدينا مسلمون من دون إسلام وصار للأوروبيين إسلام من دون مسلمين. في المقابل فإن الليبرالية العربية، في لحظتها التاريخية التي امتدت حتى منتصف القرن الماضي، تبنّت خيار نقل التقاليد السياسية الأوروبية أو التقنية إلى بلادنا، التي ستحل المشكلات تلقائياً، أي حل المعضلة من خلال التربية، ولكن من سيربي المربين؟

إذا أردنا تلخيص «الراهن» في هذه الماركسية والذي يجعل منها الماركسية العربية، يمكن القول إنه الانشغال بسؤال التأخر والعقلانية بما يشرع الباب على مصراعيه للفعل والمبادرة الإنسانيين، كفعل سياسي ولكن عبر إخضاعه لمحكمة العقل. لهذا شدد العروي على الماركسية التاريخانية باعتبارها تكثيفاً للخبرة التاريخية، أو تلخيصاً مدرسياً ولكنه ضروري. فالماركسية عصارة وتكثيف لمشروع الحداثة والتنوير والنافذة التي ننظر من خلالها إلى الثقافة الحديثة والتاريخ. وهذا ما يجعل من الماركسية العربية استئنافاً في العقلانية والتنوير، كما كانت أساساً.

الأكثر قراءة في الرأي