آخر مهجّري الغوطة السورية ... وانكسار حلم العودة

يسعيان الى الحصول على مياه في الغوطة المدمرة (رويترز)
غازي عنتاب (تركيا) - حسن عارفة |

«عندما أجبر الفلسطينيون على ترك بلادهم، أخذوا مفاتيح بيوتهم لتأكيد حق عودتهم، أما أنا، فرميت مفتاحي وهاجرت، لأن بيتي دُمّر ولم يبق لي من أعود إليه»، يقول أحد أبناء الغوطة الشرقية الذين التقيتهم في مدينة غازيعنتاب التركية التي اشتهرت بكونها محطة للمعارضين السوريين من مدنيين وعسكر. وتلونت المدينة سريعاً بالألوان الحلبية، والإدلبية والشمال سورية، مع وجود خفيف جداً لأبناء مناطق أخرى. لكن في السنتين الأخيرتين، أصبح للريف الدمشقي البعيد عن الحدود التركية حضوره أيضاً في تلك المدينة التي نمت بسرعة، وذلك بعد تهجير أهالي الغوطة ومناطق ريف العاصمة.


وتخطى عدد المهجرين من غوطة دمشق، بعد سقوطها بيد النظام السوري، حاجز الـ180 ألفاً، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، معظمهم استقروا في محافظة إدلب الشمالية، فيما لجأ بعض مهجري دوما أكبر بلدات الغوطة الى مناطق «درع الفرات» شمالاً.

ومرة جديدة أصبحت غازيعنتاب محطة عبور وإقامة موقتة لأبناء الغوطة الشرقية، كما كانت للكثير من السوريين قبلهم. فيها التقيت هيثم بكار، وهو شابٌ آخر، هُجّر من مسقط رأسه في ريف دمشق.

عاش الشاب كل مراحل الثورة في الغوطة، لكن أقساها الأيام الأخيرة. ويروي هيثم تجربته قائلاً: «عشنا الحصار من عام 2011 والتصعيد حتى 2013، كان هناك معارك وقذائف، ثم دخل السلاح الثقيل والطيران. عام 2018 كان نوع الأسلحة جديداً وغير مسبوق من حيث الكثافة والقوة التدميرية... كان وقعه مختلفاً علينا».

وكان النظام السوري وحليفه الروسي بدآ حملة غير مسبوقة على مناطق غوطة دمشق الشرقية نهاية شتاء 2018 ودمّرا القطاعات الصحية فيها، واستطاعا إخضاع المناطق لاتفاقات هدنة نصت على خروج آمن لفصائل المعارضة وعائلاتهم ومن يريد الخروج من المدنيين، مع اعتبار من يبقى في بيته وأرضه «من الإرهابيين».

القادمون من هناك، يقارنون بين سنوات من الحصار والقصف والتصعيد خلال ثلاثة أشهر كانت أقرب إلى الجحيم. ويقول هيثم: «خلال الحملة التصعيدية الأخيرة كانت كل معيشتنا في أقبية الأبنية وهي بغالبها غير مجهزة ولا قابلة للاستخدام البشري. فكانت مساحة كل قبو تتراوح بين 200 و300 متر ويجب أن يتسع لـ50 أو 150 شخصاً».

يتذكر هيثم آخر لحظاته في بلده، حين خرج مع إحدى دفعات المهجرين يوم 12 آذار (مارس) 2018، وتوجهوا إلى ريف حلب. استغرقت الرحلة 40 ساعة من ريف دمشق إلى ريف حلب، بسبب التفتيش والتدقيق على أيدي قوات النظام، علماً أن المسافة بين المنطقتين تقدر بنحو 400 كم. ويقول «في منطقة السفيرة في حلب، تعمد بعض المؤيدين للنظام إلى الوقوف والهتاف لبشار الأسد على مسامعنا وهم يرفعون صوره، وحدث إطلاق نار على إحدى القافلات، فلم نصدق أننا قد نصل سالمين... وإذا بها حياة جديدة وكأننا ولدنا مجدداً».

كثيرة قصص القادمين من الغوطة المنكوبة، كغسان أحمد الذي كان يعمل في أحد مستشفيات المنطقة. وكان غسان ولد وعاش في بلدته دوما، ولم يعرف غيرها أو يخرج منها حتى عام 2018 حين تركها مرغماً.

خلال الحديث معه، يتذكر غسان أقسى اللحظات التي عاشها، مستحضراً مجزرة الكيماوي التي جرت في بلدات زملكا، عربين، وعين ترما وغيرها، يوم 21 آب (أغسطس) 2013. والمجزرة الكبرى التي راح ضحيتها أكثر من ألف شخص بالسلاح الكيماوي.

ولا ينسى الشاب أيضاً آخر لحظاته في الغوطة، مستحضراً أخطر ما عاشه قبل التهجير بقوله: «في أحد الأيام كنت مع أصدقائي مساءً والهدوء الحذر يعم الأجواء. وكانت تصل إلينا أهداف الطيران المروحي قبل تنفيذ القصف بـ3 دقائق فقط، وذلك عبر مجموعات الرصد والتواصل. وفجأة وصلنا اتصال تحذيري بأن برميلاً متفجراً سينزل على البناء الذي نحن فيه، ضحكنا وحزنّا في الوقت نفسه، ولم نعرف هل نذهب إلى القبو البعيد عنا 100 متر؟ لكن إذا خرجنا باتجاهه قد نموت بالتفجير، وقتها قررنا البقاء، وصرنا ننتظر لحظات نزول البرميل علينا، لحسن حظنا، سقط على الشارع الذي أمامنا، أي أننا لو هربنا، كنا لقينا حتفنا».

ويقول غسان إنه قرر الهجرة عوضاً عن إبرام مصالحة والبقاء في أرضه، لأنه لا يثق بالنظام معتبراً أنه قد يتعرض للملاحقة أو الاعتقال أو حتى التجنيد الإلزامي. وكان أحد أصدقائه قرر عدم المشاركة في التظاهرات وقام سريعاً بتسوية وضعه مع الأجهزة الأمنية، ولكن بعد مدة، عادت مخابرات النظام لإلقاء القبض عليه.

كثرت الوجوه الدمشقية في غازيعنتاب، التي اشتهرت باسم «حلب الصغرى»، وسامر أحد هذه الوجوه التي وصلت حديثاً إلى المدينة، بعدما أجبر على مغادرة دوما، وها هو الآن يفكر في مستقبله.

التقيــــت سامر في غازيعنتاب، وقد تغيـــرت أحواله كثيراً. ففي عام 2011 كان يدرس في أحد المعاهد الجامعية في لبنان، وجاء لزيارة أهله خـــلال عطلة بين الفصلين، فشهــــد انطلاقة الحراك الثوري في منطقته، وقرر البقاء والمشاركة.

وخلال سبع سنوات، تعرض سامر للاعتقال مرتين، وعمل في مجال التصوير الصحافي، والإغاثة، إضافة إلى عمله كمتطوع مع منظمات طبية، وعاش لحظات الموت والتهجير.

يحكي الشاب عن لحظات الرعب في الغوطة عام 2018: «تسمع صوت إطلاق الصاروخ، ثم تسمع صوت الصفير، وبين الصوتين ثوان، قد ينزل الصاروخ خلالها علي، فأرتاح لدى نزوله في شارع آخر مع علمي إنه قد استهدف أحداً غيري وأنني نجوت موقتاً».

خرج الشباب مع بأولى دفعات المهجرين من دوما: «رفض الفصيل المسيطر على المنطقة (جيش الإسلام) وقتها دخول الباصات إلى دوما، وأجبرنا على الخروج مشياً إلى مناطق النظام».

وفيما يكمل سامر حديثه، يضحك ساخراً مما رآه خلال خروجه، «مشيناً نحو كيلومترين واصطف جنود النظام على الجانبين ووجوههم يملأها الحقد. لكن المفارقة إن الجنود الروس لم يسمحوا لعساكر النظام بأن يقتربوا منا، فكان دائماً الجندي الروسي يقف في الأمام وخلفه الجندي السوري».

وصل الثلاثة اليوم إلى بلد آخر بعد رحلة خطرة وشاقة، تاركين كل ما بنوه خلفهم باحثين عن مستقبل جديد. أما هيثم ابن بساتين الفاكهة والمواسم في الغوطة فيكفيه أن ابنه البالغ من العمر 4 سنوات ذاق أخيراً طعم الموز للمرة الأولى.