الشباب العرب وصدمة القِيَم في المهجر

يحتفلون باليوم الوطني للمتطوعين في كندا (جمعية ماسكولار ديستروفي)
مونتريال - «الحياة» |

تشهد الجاليات العربية في المهاجر نشوء جيل جديد يتنامى باتجاه تكوين شخصية اجتماعية ثقافية تتمايز وتنسلخ شيئاً فشيئاً عن كل ما يمت بصلة إلى محيطها العائلي والوطني. بتعبير آخر، هؤلاء الفتية الناشئة، يجري إعدادهم أكاديمياً وتنشئتهم مدنياً وتثقيفهم حياتياً ورعايتهم اجتماعياً، وفقاً لمعايير غالباً ما تخالف مشيئة ذويهم من جهة ولما هو سائد في أوطانهم الأم من جهة ثانية. وعلى رغم أن الغالبية العظمى من هؤلاء اليافعين ينتمون إلى منابت طبقية شعبية ومتوسطة، فإنهم يعيشون في ظل حالة من البحبوحة والرفاهية بحيث لا يشعرون بأي نوع من الحرمان والفاقة والعوز سواء في المأكل والملبس والمشرب والمسكن، ولا يكلفون ذويهم أعباء الإنفاق الباهظة على التعليم والطبابة والرعاية الاجتماعية، فمعظمها مجاني وعلى مستوى حضاري وإنساني لائق، حتى أن النشاطات اللامنهجية والترفيهية والرياضية والكشفية والهوايات ووسائل التسلية ومزاولة المطالعة والتثقيف الذاتي والتعود على الأبحاث العلمية والتدرب على أجهزة الكومبيوتر وأنظمة الإنترنت متوافرة في الأندية والمراكز الشبابية وفي متناول من يرغب في مزاولة أي من هذه النشاطات في كندا دولة «الرفاه والرعاية».


وتخصص الحكومة الكيبيكية موازنات ضخمة للأنشطة الشبابية تنفقها من خلال خطط إنمائية اجتماعية ثقافية متكاملة تهدف للانخراط في الحياة العامة انطلاقاً من ثلاثة أبعاد رئيسية: العمل والتربية والعيش الكريم. ورصدت لهذه الأغراض نحو 433 مليـــون دولار علاوة على ما تخصصه سنوياً للمؤسسات التابـــعة للأقليات المنظورة نحو بليون دولار من أجل إنفاقها على البرامج التثقيفية والترفيهية، كما رصدت وزارة العمل والتعاون الاجتماعي حوالى مليون و155 ألف دولار لتمويل 30 مشروعاً للجيل الناشئ من أبناء المهاجرين تستهدف تنمية طاقاتهم وقدراتهم الشخصية تمهيداً لانخراطهم في المجتمع الكندي.

ولئن كانت هذه الخطط والمشاريع تهدف كغاية قصوى إلى جعل هؤلاء الشبيبة مواطنين كنديين، فإنهم إزاء ذلك يقعون في مفارقة صارخة بين ما يؤهلون له وما يبديه ذووهم من رفض وممانعة ومعاندة، علماً أن هذا النشء بات أقرب إلى ذهنية أبناء البلاد التي يتواجدون فيها أخلاقاً وفكراً وثقافة وعادات. وجل ما يملكه الأهل إزاء ذلك من وسائل المناعة هو دفع أبنائهم إلى تعلم اللغة العربية وتحصينهم بالعلوم الدينية والانخراط بالحركات الكشفية التي تندرج أساساً في إطار هواجس العودة إلى الأوطان الأم أو الإبقاء ما أمكن على جوهر الشخصية العربية وأصالتها. بتعبير آخر، أن مثل تلك الجهود على أهميتها لا يعدو كونها في نهاية المطاف سوى مسكنات سرعان ما يتلاشى مفعولها عند أول خطوة يخطوها الأبناء خارج محيطهم العائلي والاغترابي، الأمر الذي يتطلب تفعيل المؤسسات القائمة أو إيجاد مؤسسات بديلة تستند إلى استراتيجية اغترابية موحدة توفق بين الحفاظ على مقومات الشخصية العربية من جهة وضرورة التكيف والتلاؤم من جهة أخرى، إسوة بما هو عليه حال الجاليات اليهودية والإيطالية والإسبانية واليونانية وغيرها. ومن السهولة بمكان أن يلحظ المرء مدى عمق المؤثرات والتحولات والاختراقات الحاصلة في عقول الناشئة العرب وأفئدتهم وانسحابها على حركاتهم وسكناتهم وطريقة عيشهم. فهم يستسهلون النطق باللغة الفرنسية أو الإنكليزية وسيلة للتخاطب فيما بينهم خارج البيت وداخله، ويرغبون بتناول وجبة في مكدونالد أكثر من طعامهم المنزلي، ويتصرفون بحرية تكاد تخلو من أي ضوابط، ويجهرون بجرأة تتجاوز حد المألوف أحياناً، ويتبادلون العلاقات العاطفية مع الرفيقات على الملأ، في المدرسة والأماكن العامة وأحياناً في منزل ذويهم، «خير أن يفعلوا ذلك بمعرفتنا من أن يفعلوه في مكان آخر» على حد تعبير إحدى الأمهات.

مع تلك العينات الصادمة في أوساط الشبيبة العربية الاغترابية والتي يبدو بعضها مستهجناً وشنيعاً وبعضها الآخر خارج نطاق المألوف والشائع في محيطهم العائلي والوطني، فإن المسؤولين المعنيين بالشؤون التربوية والتثقيفية والأمنية يسجلون لهؤلاء الفتية تمايزات حضارية وإنسانية لافتة وينوهون بسهولة تفاعلهم ويثنون على كفاءتهم العلمية واستجابتهم للأنظمة والقوانين المرعية وتحليهم إجمالاً بصفات الخلق القويم كحسن المعشر والكرم والضيافة، وهي صفات قلما تمتع بها غيرهم من الأعراق الأخرى.