رندة الشهال: مبدعة استقت من الواقع أفضل أفلامها

رندة الشهال وزياد الرحباني (الحياة)
إبراهيم العريس |

هناك، على الأقل فيلمان يبرران، بقوة، وضع المخرجة السينمائية اللبنانية الراحلة شابةً، رندة الشهال، في خانة المخرجين اللبنانيين المميزين الذين صنعوا، بدءاً من السنوات الأولى للحرب الأهلية اللبنانية (1975-1989) مجموعة أفلام قدمت وثيقة متكاملة حول تلك الحرب، وأيقظت السينما اللبنانية من سبات عميق، ناهيك بأنها قالت- وكان هذا شيئاً جديداً في لبنان- إن للسينما كلمتها في السياسة (وفي النضال بالنسبة إلى مبدعين مثل رندة الشهال). واللافت أن هذين الفيلمين اللذين نشير إليهما هنا، وثائقيان، وليسا من النوع الروائي الذي واصلت رندة الشهال طريقها فيه، إنما بتوفيق جاء أقل من توفيقها في المجال الوثائقي: أول الفيلمين هو باكورة أعمالها، «خطوة خطوة» (1976)، والثاني «حروبنا الطائشة» (ويعنونه آخرون «حربنا الطائشة»). بين الفيلمين حازت الشهال نضجاً كبيراً، من الناحية السياسية كما من الناحية الفنية. والفيلمان يمكن أن يقال عنهما اليوم، إنهما رسما حدّي الحرب، البداية والنهاية. ففي الأول عرضت المخرجة «أسباب» الحرب ضمن إطار تصور يساري «معادٍ للإمبريالية» كان سائداً في ذلك الحين. وفي الثاني عرضت «نتائج» الحرب من خلال مشاهد رائعة وصادقة دارت حول عائلتها والمقربين إليها وكيف تعاطوا مع تلك الحرب، فلم يغيّروا في الواقع شيئاً، لكنها- أي الحرب- غيرت الكثير فيهم.


وثائقي وروائي وبين بين

إن مشاهدة هذين الفيلمين اليوم، والمقارنة بينهما وبين السينما الأخرى التي حققتها الشهال، ستكون لمصلحة سينماها الوثائقية على حساب الروائية، خصوصاً إذا أضفنا إليهما «تحفة صغيرة» أخرى حققتها كذلك عن «أيام زمان»، ما يشي في نهاية الأمر بأن هذه الفنانة الشابة التي فاجأت عالماً سينمائياً بأسره بموتها المبكر، كانت ذات حس مرتبط بزمن معين ومجتمع معين. كانت ستصل إلى قمة إبداع ومكانة حقيقيين في تاريخ السينما اللبنانية والعربية، لو أنها ركزت عملها عليه. لكنها، بدلاً من هذا، اختارت ما يصفه السينمائيون، عادة، بالطموح الأكبر: السينما الروائية. وهي حققت في هذا المجال عدداً لا بأس به من شرائط، قد يكون كل واحد منها حقق نجاحاً من هنا أو جائزة من هناك. بل إننا رأينا بأم العين نساء يبكين في عرض ثقافي قاهري لواحد من أعمالها الروائية الأخيرة، «طيارة من ورق» (2003). غير أن هذه الشرائط ظلت دائماً عند حدود الطموح و «الرغبات الفنية» أكثر مما عند مستوى الإنجاز المتكامل. ولعل السبب الأول في هذا، هو أن رندة الشهال أرادت من السينما الروائية أن تكون بين يديها أداة لقول القضايا الكبرى. وما قول القضايا الكبرى، على طريقة رندة الشهال، سوى الغوص في لعبة استفزازية، يقينا أنها كانت تتقنها، وتملك من الإمكانات المادية ومن الشجاعة ما يسهلها عليها.

هذا الغوص جاء مع دائرة التحدي التي رافقته، على حساب القدرة على تحويل الفيلم، من فيلم ذي نزعة إنسانية إلى فيلم عن الإنسان. ولعل ما نقوله عن سينما رندة الشهال هنا ينطبق على معظم السينما الأيديولوجية التي تنطلق من الأفكار لتصل إلى السينما. فالحال أن ما يقف وراء أفلام رندة الشهال الروائية، مثل «شاشات من رمل» (1986) و «الكفار» (1997) و «متحضرات» (1999) وأخيراً «طيارة من ورق»، كانت أفكاراً سياسية، صائبة أو غير صائبة ليس هذا هو الموضوع، تزيَّن، لتصل إلى الناس، بلغة سينمائية لا تخلو طبعاً من أناقة ومهارة وحداثة. فرندة الشهال تخرجت في أرقى معاهد السينما في فرنسا وكانت تنتمي بالتأكيد إلى سينما جيلها في العالم كما في لبنان، وكان المهم بالنسبة إلى المخرجة، إيصال هذه الأفكار، ما جعل شخصياتها أقرب إلى الرموز، منها إلى الكائنات البشرية.

كيسنجر بين خطواته وخطاياه

والغريب أن ما ترصده في سينماها التسجيلية (أو الوثائقية) هو عكس هذا تماماً، بما في ذلك ما تقدمه لنا في «خطوة خطوة» عملها المهم الأول. إذ هنا، حتى وإن أرادت أن تبرهن على أن الصراع الدائر في لبنان خلال مرحلته الأولى (1975-1976)، كان من فعل سياسة الوزير الأمريكي (الأسبق) هنري كيسنجر، المسماة سياسة الخطوة خطوة، داعمة هذا بتحليل سياسي يتوافق مع مقتضيات تلك المرحلة، ومع كونها- أي رندة الشهال- في ذلك الحين عضواً في تنظيم يساري، تمكنت في عدة مَشاهِدَ من الفيلم من تصوير البشر كائنات حية تعيش الحرب والصراع كما يعيشها أي إنسان يقلق، يحب، يأكل.

وهي لاحقاً، بعدما خفّت حماستها السياسية، وصورت «حروبنا الطائشة»، فعلت ما هو أفضل: أتت بأناس حقيقيين، بينهم أخوها تميم، لتضعهم أمام الكاميرا، طالبة منهم أن يرووا تجاربهم. فكانت النتيجة أن تلك الخطابات بدت صادرة من عمق أرواح تعاني حقاً وتعيش حقاً، فيما راحت كاميرا الشهال تخترق أفئدتهم وتقدم إلينا، من خلالهم، الإنسان في نضاله في سبيل العيش، لا المناضل/ الرمز في عيشه السياسة المؤدلجة.

بالنسبة إلى النقد الجاد، والجمهور المعني، كان في الوسع وصف «حروبنا الطائشة» بأنه فيلم نهاية الحرب. فيلم الدرس الإنساني العميق الذي يمكن لنفس مرهفة وفؤاد معني، أن يستخلصاه من صراع عبثي («طائش» بحسب العنوان)... ما جعل كثرا يتوقعون لرندة الشهال مستقبلاً سينمائياً يضعها على تماسّ مع قضايا وأفكار وتطلعات تعرفها جيداً ويمكنها أن تصورها بالكاميرا نفسها المحبة المتفرسة القلقة. لكن نجاح «حروبنا الطائشة» أيقظ في داخل المخرجة نزوعاً إلى تبني القضايا الكبرى. وكان هذا مشروعاً بالطبع، شرط أن يكون المبدع في قلب تلك القضايا معتبراً إياها جزءاً من حياة يعيشها ويرصدها، لا أن يتعامل مع تلك القضايا من مواقع أيديولوجية، معتبراً إياها جزءاً من سجال عام لا بد للكاميرا من أن تتدخل فيه. فتتدخل إنما من خارجه. وهكذا رأينا سينما رندة الشهال تدنو من قضايا ومسائل لعل من حقنا التساؤل دائماً عما إذا كانت عايشتها حقاً. مسخرة سينماها المتفوقة دائماً من ناحية اللغة، أما للحديث (الاستشراقي في نهاية الأمر) عن بعض أحوال نساء خليجيات متخيَّلات (في «شاشات من الرمل»)، وإما عن معاناة صحافيين وأفراد فرنسيين، أو غير فرنسيين في القاهرة مثلاً («الكفار»)، أو عن قضية العنصرية الاجتماعية المتفشية في لبنان تجاه الخدم السيريلانكيين وغيرهم («متحضرات»). ربما في أخيرها «طيارة من ورق» دنت كاميرا رندة الشهال من موضوع كان يمكن القول إنها على تماس معه... لكنها إذ وُفّقت في البُعد العام لفيلمها وموضوعه السياسي/ الإنساني، لم توفَّق في بعض التفاصيل، ومنها حشر صديقها الفنان زياد الرحباني في الفيلم، في دور ضرب إيقاع الفيلم كله، من دون أن يكون لوجوده أدنى مبرر.

لو أعطاها الزمن فرصةً

يقينا أن رندة الشهال لو عاشت أكثر ودرست في شكل أفضل تجاربها (الجريئة بالتأكيد)، لكان من شأن سينماها أن تكون أكبر. ولكن هذا ما اختاره لها القدر، لتلحق بأفضل زملائها، مارون بغدادي، موقعة في جيل بأسره من السينمائيين اللبنانيين والعرب، خسارة كبيرة، حاجبة ما كان طموحها وذكاؤها الوقاد، قادرين بعد على إبداعه.

وبالتأكيد ما هذا الرحيل المبكر لرندة الشهال، إحدى المؤسّسات الحقيقيات لجيل الحرب في السينما اللبنانية، وإحدى أبرز مبدعات السينما العربية الجديدة، سوى إشارة إلى موت جيل وربما أكثر من جيل: جيل من المحزن أن أفضل أهله يرحلون أو يصمتون، وهم بعد في عز عطائهم.

بقي أن نذكر هنا أن رندة الشهال ولدت في طرابلس شمال لبنان وسط بيئة مسيَّسة حيث الأم مسيحية شيوعية من العراق، كانت رائدة في النضال السياسي هناك قبل أن تنتقل إلى لبنان زوجة للطبيب الشيوعي المسلم قصدي الشهال. وهكذا، منذ نشوئها وجدت رندة نفسها في بيت سياسي يفيق على شعارات «يا عمال العالم اتحدوا» و»تحيا فييتنام»، وينام على صوت ببغاء ينادي «لينين... لينين». ولقد درست رندة الشهال السينما في باريس اعتباراً من عام 1972 مدعومة من والدها، ثم عادت بعد سنوات قليلة لتنخرط في النضال السياسي، لا سيَّما من طريق السينما... ثم لتعود وتتوجه إلى فرنسا حيث عاشت آخر سنوات حياتها.

* (بتصرف عن «القاموس النقدي للمخرجين» - الصادر عن «مركز دراسات الوحدة العربية»).