سحر كرة القدم

كرة القدم عشق من الطفولة (أ ف ب)
بشير مفتي |

لم تعد كأس العالم لكرة القدم شأناً رياضياً يخص المجتمع الرياضي من لاعبين ومدربين وجمهور بعينه، مهوس بالكرة ويتابع مقابلاتها وجمهورها ويدافع بشغف عن هذا الفريق أو ذاك، ومؤسسات اقتصادية كبرى تستثمر في هذه اللعبة التي تستقطب الاهتمام يوماً بعد آخر، وتدر على المنتصرين أرباحاً مذهلة تسيل لعاب من ينظرون من الخارج ويتأملون مشهداً تصنعه فرجة الكرة اليوم. بل صارت «كأس العالم» لكرة القدم الفرجة التي تمس شغاف العالم بأسره، وتستأثر باهتمام الجميع من الجنسين ذكوراً وإناثاً، ومن جميع الأعمار والمستويات والأوطان، بل صارت ظاهرة كونية تخاطب العالم بأسره. فكرة القدم هي رمز الشغف بعينه، اللعبة التي تمارس فيها البلدان حروبها السلمية، وتعطي الشعور للمنتصر أنه يتجاوز بالنجاح فكرة اللعبة نفسها إلى شيء أكبر من هذا بكثير، إنه يعطي لبلده مكانة في عالم المتقدمين، وهو يأخذ عند الشعوب والبلدان الفقيرة طابع الحلم، وحتى الوهم، رغبة في الانتصار المفتقد في الحياة، كأنه التعويض الأمثل عن الخيبة الواقعية والحلم الأكبر في التحقق داخل هذا الوجود. أما الفرق التي تمثل الدول المتقدمة فكأنها بدورها تريد أن تثبت جدارتها بالتفوق، مكانتها الأولى، قوتها التي لا تقهر أمام من يأتون من الهوامش حالمين بتلك الانتصارات التي تظل في كل المرات خيالات سحرية بعيدة نادراً ما تتحقق، وغالباً ما تأتي معاكسة للحلم فتضاعف من ذلك الإحساس أن المسافة بعيدة، وأنه ليس سهلاً حدوث ذلك إلا في حالات نادرة للغاية. كأن تحدث «المعجزة»، أو يحدث أن ينتصر الحلم فتصبح الأمنية حقيقة. ولعل هذا ما بقي في ذاكرة الجزائريين في كأس العالم من عام 1982 حينما حققوا فوزاً صارخاً على الفريق الألماني بهدفين لواحد، انتصار تاريخي يستحضر أهدافه اللاعبين الكبيرين في ذلك الوقت ماجر، وعصاد وبلومي، طعم الفوز الرائع الذي لا ينسى. الاحتفالات في الشارع دامت لأسابيع، كما لو أن كرة القدم وحدها من يملك هذه القدرة العجيبة في جعل الناس يستمعون ويبتهجون وهم يتبادلون الفرح بمتعة منقطعة النظير.


لعل الكثير من أبناء المدن العربية تعلموا حب كرة القدم من اللعب في ما بينهم، مقابلات للمتعة والرياضة وليس لهدف آخر. ثم تأتي مرحلة ثانية وهي تشجيع فريق محلي والذهاب إلى الملاعب واكتشاف الحماسة الجماهيرية، والهتافات والأغاني الرياضية، ثم اختيار فريق أوروبي أو عالمي لمتابعته على القنوات التلفزيونية ثم التحدث عنه في المقاهي كل يوم من دون كلل أو ملل. أما كأس العالم فهي شيء يختلف عن كل هذا، إنها القمة الكروية المنتظرة بشوق ملتهب كل أربع سنوات، إنها الصورة والرمز والخيال والصراع الكروي في أخلب صوره، وأروع تجلياته.

أتذكر ببهجة غامرة لحظات اللعب الطفولية بالكرة، كنا نصنع كرتنا من كيس الحليب الذي نحشوه بورق الجرائد حتى يصبح شبيها بالكرة ثم نترك لأقدامنا فرصة اللعب بمتعة ونحن نتقاذفها بيننا، أو تحاول كل قدم مراوغة الأقدام التي تسعى لأخذها منها. لعب حد النسيان ومتعة تذهب بالعقل والخاطر، ركض ومشاحنة ونزق مهرب من زمن الطفولة الجميل. ثم ستصبح الكرة كرة حقيقية مع الوقت زمن الثمانينات، واللعب في مساحات أوسع في الحيّ، أو بالقرب من الملاعب الكروية. التنافس ليس فقط على المتعة الكروية بل على نجاح فريق يمثل الحيّ، صورة أو اسم الحي الذي ننتمي إليه. كنا في زمن جزائري آخر قد يخرج فيه من حي مهمل وفقير قدم كروي حقيقي لمن يملك المهارة الأحسن، ولمن ينذر نفسه للعبة أكثر من غيره، أما البقية الكبيرة فستحتفظ بالذكريات الجميلة في أرشيف تاريخها الشخصي، وستتحول دون شك إلى جهة المشجعين، الذين يكملون مسارهم الكروي بمتعة البصر وليس القدم.

سحر كأس العالم، سحر كرة القدم يأتي من باطن الذكريات، من لحظات عشنا فيها مثل هذه المتعة، أو تربينا عليها صغاراً وكبرنا على حبها شباباً، ثم رجالاً نعلمها لمن يأتون بعدنا. لن تتوقف كرة القدم على ممارسة سحرها وهي تتوارث بهذا الشكل المبهر، وقد يهملها البعض لسنوات مع محن الحياة وظروف الزمن وتحولات العمر، ولكن لا يلبث أن يأتي كأس العالم ليذكرنا من جديد، ليعيدنا مرة أخرى إلى ساحة الملاعب بالشغف الأول نفسه، والحنين والحب نفسهما وسنهتف مع الهاتفين تحيا بلادي، تحيا كرة القدم.