هنيبعل سروجي رسام الفضاء العائم

بيروت - مـهى سلطان |
الفنان هنيبعل سروجي (الحياة)

انتبه هنيبعل سروجي مبكراً الى مواطن قوة اللوحة المعاصرة التي ترمي إلى استنطاق الخامات من عناصر الطبيعة نفسها وتفعيل التأثيرات البصرية والبحث عن حوامل جديدة، لا سيما عند مفترق المرحلة التي تلت تجارب جماعة support–surface، وجماعة الواقعية الجديدة Nouveau réalisme التي قادها بيار ريستاني دفاعاً عن تبصيمات إيف كلين الذي أول من رسم وأحرق بالنار، غير ان سروجي الذي هاجر مع عائلته الى كندا إبان اندلاع الحرب اللبنانية كان يمتلك تلك الهبة الروحانية الشفيفة في مخاطبة واقع الحرب وآثارها العميقة في النفس، التي وجدها في انفجارات اللون وثقوب النار والحروق على القماش. ثم بعد عودته من باريس إلى لبنان، راح يكثف التجارب تلوى الأخرى التي تجسد تفاعله مع مادة استخدام الحرق كلونٍ مستقل، ومجاورة فضاء اللوحة من الداخل، أي من المناطق الغامضة لأثر الاشتغال على توليد الأشكال المتخيلة من وشم الحرق ونسج محيطه وتمزقاته قبل الخروج من إطار اللوحة وصياغات المربع والمستطيل إلى الاشتغال على الشكل الدائري والمتدليات. فهو يعتبر أن الإنصات إلى جماليات تلك المناطق الغامضة هي مادة للحلم والشفاء من آثار الحروب والكوارث «الايكولوجية» التي تدمر الطبيعة والإنسان. وهذا ما جعله يبحث عن دلالات تلك الآثار الزائلة المتمثلة في إشارات مقدمات الجحيم البيئي المرتقب.


يكشف هنيبعل سروجي في أعماله الجديدة التي عرضها بعنوان «دعونا نحلم» في غاليري جانين ربيز (الروشة- بناية مجدلاني)، عن سر لهبة الحرق على سطوح لوحاته الدائرية الشبيهة بالرّق أو بسطوح الزهور التي حرقتها الشمس وحولتها إلى ومضات من آفاق طقوس تجريدية لنقاط ضوئية غامضة، حيث الزمن الهارب، تماماً كالحلم، ينثر أشكاله الهلامية المجردة في لحظات التوق والهذيان الهائم، مثل فراشات ضائعة في أثير الحقول.

ما أبسط هذه اللغة، لغة صبغات التلوين مع لهبة الحرق، ولكن ما أكثف دلالاتها وايحاءاتها. فهي تجمع ما بين إيقاعات الهمس الوئيد والصراخ المكتوم. إنها أشبه بكتابة الشعر الذي يتوالد وينشطر ويتشظى الى ما لا نهاية. نشعر أحيانا ان رهافة تلك الفضاءات الشعرية تقودنا إلى ما يشبه خواء ذاكرة الحلم، تماما كما لو اننا نقف امام صورة «لما لا يمكن أن يُصور»، أو أمام طقوس مناظر العالم العائم التي لا يعرفها سوى الصوفيين، من المعلمين اليابانيين (هوكوزاي وهيروشيج) الذي غيّروا منطق رسم المنظر الطبيعي في الغرب حين نقلوا تأملاتهم على أنها انطباعات من فلسفة الرؤيا.

وهنيبعل سروجي في أسلوبه المتقشف، هجر اللون والتشكيل والتجسيم (كما هو متداول في الأطر التقليدية) ليحقق لوناً وتشكيلاً وتجسيماً لرؤيا فنية معاصرة، حققها بمتابعة وإصرار، من خلال ادخال مواد جديدة، للوصول إلى رحابة الخلاصات الشمولية المعبرة، التي تجسد رؤيته الفلسفية «أن سياقات الصورة التجريدية لآثار الحروب ومخاطر الدمار البيئي، ليست بعيدة من الحياة، إنها الحقيقة بعينها».

انها اعمال رائعة لفنان بحّاثة يرمي نفسه في مهب التجربة عبر تطويع طاقات بصمات الحرق وتكييف حالات هلامية اللون في مهاوي الإلغاء والفراغ العدمي، الذي يتآلف ويتفكك وينصاع إلى ممكنات خصوبة السند الجلديّ للوحة، باعتباره مختبراً لصياغة متخيل جديد للعالم. ثمة ضرب من الأشكال الدائرية تندسّ كتوجّه وجودي في شروخ فضاءاته التشكيلية الجديدة. فهو يستدعيها عبر دوائر سطوح القماش مع «البلاكسي» وأضواء النيون، كسند لانبثاق جديد. كأنه بذلك يستنطق الزمن عبر فضاء كيان اللوحة المشرّع على الفراغ ووهج المعنى وحرقة الغياب. لذا يتوغل هنيبعل في أعماله الجديدة في دوائر الزمن، ليعبّر عن اختراق الحدود الفاصلة بين الفن والحياة وعن تواتر جريان الحياة الداخلية والاتصال بنظام الكون، عبر التأكيد على رصد الموجات المتفانية لحركات سديم اللون، الذي يشبه حركات جسيمات الرزاز الذري لكوكبة الإجرام «الميكروكوزمية»، التي تدور في فلك الرفيف الإشعاعي لحقائق الفيزياء العصرية، التي دمجت مفهومي المادة مع الطاقة.

هذا الإقرار بالعدم وهشاشة التسليم بالتحول الدائم، شبيه بحال الزوال في الطبيعة، مثل الرمل والغيم والموج، وسحابات الدخان المتصاعد. وذلك الوجود المتناثر في فضاء لا أفق له ولا مستقر، حيث تعوم حبيبات الضوء وذرات اللون المتلاشية والبقع المتفشية والمتحلّلة، يذكّر كله بالعالم المائي الجميل لبحيرات مونيه Monet بأزهاره العائمة المتدحرجة في حركة جريان المياه الخفيّة. شيء خفيّ آخر يحرك مشاعر الناظر هو الشفافية المتناهية التي تبدو معها قماشات سروجي شبيهة بالورق القطني التي تترقرق على سطوحها الألوان المائية وليست ألوان صناعية كالأكريليك، ولكن نكتشف ان سطوح اللوحات الرجراجة والفياضة والمضاءة احياناً بالنيون (ربما بلا دواعي حقيقية) من باب الإضافة المعصرنة، التي تعكّر صفو الضوء الداخلي للوّن ودرجاته الذائبة، إنما هي صفحات تجريدية من صنيع الندوب الناتجة عن ألوان الحروق المضافة إليها خامات لونية أخرى فحمية وأقلام لونية مدمجة ومتآلفة في تناغم شجيّ تمنح الشعور بأننا اغلقنا الباب امام العالم الواقعي ودخلنا إلى مكان خيالي بحد ذاته. لذا فإن لوحات سروجي لا تدعونا فقط لكي نحلم بل لكي نتخيل ولكي نخترق الغلاف الجوي كي نقف على عتبات سديم عميق تعرفه العصافير والمياه والأشجار في جو ربيعيّ غير حقيقي لفرط جماله ولكنه محسوس وزائل في آن واحد، لكأن الخروج من اللوحة هو بحد ذاته خروج من الحلم نفسه الى عالم اليقظة.

هكذا تتحول اللوحة إلى سطح مزدوج لا مجال فيه للظاهر والباطن ولا للممكن والمستحيل. كما لو أن سطح اللوحة المنذور للامحاء والذوبان يدعونا لنكتشف غور اللوحة، ذلك أن السطح الخفي هو فضاء مليء بالمعنى. لذا سعى هنيبعل إلى استبدال سؤال الخارج بسؤال الباطن في اشتغاله على صياغات النور الذي يتناغم مع حالات الفراغ ورذاذ الحقائق البيولوجية التي تنبت كحشائش في لعبة النسيان، أو عبر توليفات الضوء الهارب، الذي يتآلف مع صيروه لحظات الولادة لعالم بيولوجي غير قابل للرسم، لأنه لا يملك أي تحقّق مادي، تماماً كخيال الحلم الذي يجعلنا نعتلي آفاق السحابات في لحظات تبخّرها.