تلاشي مفهوم سيادة الدولة مع انحسار القانون الدولي

نبيل السمان |

«يشبه بيت العنكبوت تعلق فيه الحشرات الكبيرة القوية فتخترقه وتتجاوزه» هذا الكلام لفردريك نيتشه ربما ينطبق على القانون الدولي لكونه تعبيراً عن إرادة المجتمع الدولي في فض النزاعات الإقليمية والدولية، ولأن نصوصه الموضوعية تعبّر عن مبادئ العدل والمساواة، كما أن مواده منفصلة عن رغبات مشرعيه الدوليين.


الحقائق التاريخية تشير إلى أن القانون الدولي قد نشأ وتطور في إطار الفكر الأوروبي، فدول العالم الثالث لم تترك بصمة على هذا القانون، ولم تشارك في إعداده، فمن الناحية النظرية عندما أقر العالم الأوروبي والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة ميثاق الأمم المتحدة لم تشارك دول العالم الثالث في صوغه. أما في مجال تطبيق القانون الدولي فإن المصالح الدولية تعطّل مواده وتقف بالقوة أحياناً في تطبيق مسار العدالة، فقرارات مجلس الأمن تأخذ أبعاداً مختلفة في مجال التطبيق لأن أصوات أعضاء مجلس الأمن تعبر إلى حد بعيد عن الصراعات الدولية حيث تضمحل المفاهيم القانونية أمام تسيس تلك المؤسسة الدولية، بحيث يتم تفسير كثير من قواعد القانون الدولي بحسب مصالح الدول الكبرى التي يمثلها الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن بما يؤدي أحياناً إلى ظهور قرارات متناقضة لقضايا متماثلة. أبرز مهمة اضطلعت بها الأمم المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية هي مبدأ منع استخدام القوة والتهديد بها وحل المنازعات سلمياً وإقامة نظام الأمن الجماعي العالمي. ولكن، ما مدى التزام الدول المتدخّلة في الحرب السورية، مثلاً، بميثاق الأمم المتحدة بل قرارات مجلس الأمن الدولي التي تهيمن عليه الدول الكبرى، لا سيما روسيا وأميركا، بحيث أصبحت قرارات المجلس مطية لتحقيق أجندات الدول الكبرى، وقد استخدمت روسيا حق النقض الفيتو على مدى سبع سنوات في ما يتعلق بالأزمة السورية. وعلى المستوى الإقليمي فإن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ضرب عرض الحائط بالقرارات الدولية كقرار التقسيم الذي ولدت بموجبه إسرائيل بموافقة روسية - أميركية.

والسؤال: هل يوجد قانون دولي الآن؟ صحيح أنه موجود في بعض المجالات مثل القوانين الدولية البحرية وحقوق الديبلوماسيين والمعاهدات والتحكيم، ولكن ما علاقة القانون الدولي بالادعاءات القانونية لتبرير الحروب بحجة وجود إرهابيين، وإذا اعتبرت الادعاءات أن الأعراف والعادات يمكن أن تسمى قانوناً فهناك أسئلة لا بد من الإجابة عنها: إذا كان القانون الدولي حقاً قانونياً فمن يشرعه أو يرفضه بالقوة؟ وإذا كان القانون الدولي يمثل المجتمع الدولي فإنه يعاني من إشكالية تحوله إلى أداة في أيدي الدول الكبرى عندما تكون القوة هي المحك. فالغموض بالمحيط باستعمال القوة لتنفيذ قرارات مجلس الأمن تحت مظلة القانون الدولي، أثبت على مدى العقود الماضية أنه مطية لخدمة مطامع الدول القوية. وفي الآونة الأخيرة، تحول مجلس الأمن في ظل التنافس إلى منصة مباريات خطابية في ظل قرارات الفيتو واختباء الغرب خلفها في ظل إدانات فارغة المعنى لعدم وجود جدية دولية لحل النزاعات. لقد نص ميثاق الأمم المتحدة على عدم جواز أخذ الدول مبادرة فردية باستخدام القوة، وألا تستخدم القوة المسلحة في غير المصلحة المشتركة لدول العالم، بينما نصت الفقرة 4 من المادة 24 من الميثاق على أنه «يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة أو أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة»، أما الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة فأصر على ضرورة حل المنازعات بالوسائل السلمية، بينما نصّت الفقرة 3 من المادة 2 من الميثاق على ضرورة اعتماد الوسائل السلمية وهذا مخالف للواقع الدولي الذي انتهجته روسيا وإيران والولايات المتحدة، فالفقرة الرابعة من المادة 1 منحت الأمم المتحدة مجلس الأمن صلاحية حفظ السلام والأمن الدوليين، وأعطى الفصل السابع تحت عنوان عمل مجلس الأمن صلاحيات في حالة تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان، حيث نصت المادة 39 إلى سلطته باتخاذ تدابير القصر والقمع اللازمة لمواجهة الإخلال بالسلم ووقوع العدوان بمقتضى الصلاحيات المخولة لمجلس الأمن في المادة 41 بالعمل العسكري وفق معايير فضفاضة. وأجاز ميثاق الأمم المتحدة في المادة 51 لدول العالم استخدام القوة المسلحة دفاعاً عن النفس في حال وقوع هجوم مسلّح، إلا أنه وضع القيود لمنع استعمال الذرائع التي تلجأ إليها الدول لاعتبارات عسكرية سياسية واقتصادية لتبرير استخدامها القوة، فتذرّعت الولايات المتحدة بقرارات مجلس الأمن الدولي بموافقة روسية على التدخّل في ليبيا، بينما شرعن الروسي استخدام القوة في سورية والجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الجماعات المسلحة في آستانة تحت مسمى مناطق خفض التصعيد بصورة منفردة بناء على موافقة دمشق، ومن ثم الانقضاض عليها أو خروجها عن السيطرة، بالتالي حدثت الصفقات الدولية التركية - الروسية - الإيرانية والتفاهمات الروسية - الأميركية - الإسرائيلية - التي دفعت إلى خلل في السيادة السورية وإن اتخذ شبهة قانونية بوصاية روسية.

لكن استخدام القوة بمبادرات خاصة من الدول بناءً على المادة 51 رهن بما يفعله مجلس الأمن في هذا السبيل وبقوة الدول الدائمة العضوية فالصراع الأميركي - الروسي وغياب الصوت العالمي أديا إلى تعطيل مجلس الأمن من خلال قرارات النقض. إن قرارات الأمم المتحدة واضحة في حال استخدام القوة، أهمها القرار الصادر عن الجمعية العامة عام 1975 الخاص بموضوع العدوان والدفاع عن النفس التي تسمح باستخدام القوة من دون قيود وضوابط، لكنه فرض وجوب توقّف الدول عن استعمال القوة دفاعاً عن النفس لمجرد أن يستخدم مجلس الأمن التدابير اللازمة للمحافظة على السلم والأمن الدوليين، فالقرار أوضح بما لا لبس فيه ضرورة العودة إلى قرارات مجلس الأمن الصادرة والمواد القانونية التي اتخذت بموجبها هذه القرارات ليصبح استخدام القوة شراعياً، وبالتالي فضعف المجتمع الدولي منح القوى الكبرى استخدام القوى بمبادرات خاصة.

أثبت القانون الدولي أنه ليس أكثر من شبح يلاحق الضعفاء، فادعاء الدول التزامها سيادة القانون، بخاصة مبادئ حقوق الإنسان على الجميع، مفيد من الناحية العملية، لكنه على أرض الواقع ليس سوى ورقة التوت، وليس خياراً بل هو يمنح الشرعية للسلطات الحاكمة في بلادها بانتهاك القانون الدولي في ظل تسويات دولية، فدمشق طلبت من روسيا التدخل العسكري لمحاربة الميليشيات المسلحة المعارضة، ومنحها الشرعية بالقصف الجوي طلبها ذاك من الدولة السورية، إلا أن العمليات العسكرية الأميركية والبريطانية والتركية تجرى من دون موافقة دمشق مع اعتراض شكلي روسي إن لم يكن بتنسيق معها، كما أن الاتفاقات الروسية - الإيرانية - التركية بفرض أجندة من وزراء تلك الدول، على ما دعي مؤتمر الشعوب السورية، بما يتعدى الانتداب إلى الوصاية من دون تفويض من مجلس الأمن يخرق السيادة السورية وميثاق الأمم المتحدة، بحيث تسيطر دول أجنبية أو تابعوها على مناطق سورية ويصبح الحديث عن السيادة مجرد لغو سياسي.

وفي الحقيقة، إذا ظهرت قرارات دولية تعبر عن توافق على العمل الدولي بمنع الحرب وتسوية النزاعات، فهي في حالات تبدو غير مرغوب فيها، إذ تتغير المعايير وفقاً لهيمنة الدول الكبرى، بالتالي فإن احتلال روسيا جزيرة القرم ودعم الجماعات الانفصالية في أوكرانيا والعمليات العسكرية الروسية في سورية والاحتلال الأميركي للعراق ودعم الولايات المتحدة جماعات معارضة لإسقاط حكومات في تشيلي وغيرها ومخالفة ميثاق منظمة الدول الأميركية الذي نص أنه لا يحق لأي دولة التدخل في الشؤون الداخلية أو الخارجية لدولها إنما تخالف القانون الدولي. وإذا عرف القانون ما يفعله المجتمع الدولي، فإن الإشكالية تتعمق في ما يتعلق باستعمال القوة، فالتاريخ يعلمنا أن الدول تفعل ما تعتقد ضرورياً وممكناً لأمنها ومصالحها، ويبرر دعاة القانون الدولي نظرياتهم بالقول إن الأحداث الدولية مسألة الجميع، بالتالي فالدول التي ليست لديها مصلحة في عملية عسكرية تصبح هامشية بامتناعها عن التدخل العسكري، فأعمال القتل في سورية لا تثير مشاعر الساسة الدوليين، فهي مبررة ما دامت تصب في مصلحتهم.

ولا بد من التساؤل: هل يعاني القانون الدولي من نكسة؟ فعنف الأفراد لتحقيق مآرب سياسية وضع في قالب صيغ الإرهاب، أما إرهاب الدولة وتعسفها ضد مواطنيها فتحميه سيادة الدولة، وقد يكون الأمر مطية من دول أخرى للتدخل في شؤونها الداخلية في ظل شرعة حقوق الإنسان، أما عنف الدول بعضها تجاه بعض بشن حروب تحت دوافع وأهداف معينة من خلال شعارات حفظ الأمن الدولي، فهي مطية للقادة العسكريين والحكام داخل دولهم حيث تحدث المجازر البشرية لسحق المعارضين أو التطهير العرقي في ظل سيادة الدولة، أو في حرب دولية في ظل مفهوم الأمن الجماعي أو استقرار النظام العالمي.

إن تعبير القانون الدولي مجازي وغامض، بالتالي فإن خطف عنوان القانون الدولي يشجع التضليل وأكذوبة أن هذا القانون واضح وأن مواده تتضمن مسائل السلم والحرب وتعالج جميع الخروقات الدولية. ذلك محض افتراء، وفي النتيجة، فإن أي مساءلة أو ادعاءات خالية من وضوح قانوني صريح تضع السياسة العالمية تحت رحمة ستار من الغموض وتخالف توافق المجتمع الدولي، فالأمم المتحدة تتألف من ممثلين لأنظمة حاكمة وكثر من أعضائها تحكمهم ديكتاتوريات يخرقون حقوق الإنسان وغير مؤهلين لقيادة شعوبهم، بالتالي يتوحد المجتمع الحقيقي فقط عندما يحدث توافق حول مبادئ أساسية تتمثل في الحرية وطبيعة الحقوق والواجبات كمصدر الشرعية، بالتالي فعبارة «المجتمع الدولي» مخالفة للواقع، فالقانون يجب أن يدعم الشرعية من خلال عملية سياسية إجرائية تتوفر للمجتمع الدولي، وفي الحقيقة فإن عبارة المجتمع الدولي هي أيضاً مضللة ومجازية.

* كاتب سوري