إلا الدستور!

مشرق عباس |

لا عجب أن يرفع زعماء الطوائف هذه الأيام أوراق الدستور العراقي على رؤوسهم ومن خلف خنادقهم وبنادقهم وصناديق اقتراعهم، فيتبارون في تفسير نصوصه ويتجادلون في الحفاظ على قدسيته، ويتباكون على خرق تعاليمه والتنكر لمبادئه، كما لا عجب في أنهم ضمناً يستعدون في لحظة الغضب المنتظرة لشق رؤوس العراقيين بكتيبات الدستور نفسه قبل التوجه إلى استخدام الرصاص.


عندما يتعلق الأمر بالدستور العراقي، فإن ثمة إجماع عراقي على ضعف العديد من نصوصه وتخبطها وغموضها وتضاربها، وأنه دستور طيّع أمام التأويل قد تحول مع مرور الوقت إلى معبر مرة للتفرد بالسلطة، ومرة للسرقة والفساد، ومرات لضرب السلم الاجتماعي.

لكن الرأي العام يذهب أيضاً إلى أن الدستور الذي مرر عام 2005 بتواطؤ وضغط أميركي وإيراني، ووسط جدل حول تزوير الاستفتاء حوله، يمثل الوثيقة الوحيدة الممكنة على علاتها ونواقصها التي قد يجمع عليها العراقيون يوماً، لإيقاف دوامات العنف المستشرية بينهم.

المشكلة الأساسية أنه لو أتيحت فرصة كتابة دستور جديد للعراق، وهو الأمر الذي كانت تنادي به القوى المدنية، بعد حرب «داعش» وقبل المضي إلى انتخابات برلمانية، فلن يمكن لزعماء الطوائف مهما حاولوا الاتفاق على نص موحد له، بدليل أن الخرق الدستوري الأكبر أقدمت عليه الأحزاب مجتمعة عندما فشلت في تطبيق المادة 142 منه التي الزمت أول برلمان تشكّل عام 2006 تقديم تعديلات شاملة على نصوصه خلال ستة شهور فقط، وأن يتم عرض التعديلات على الاستفتاء خلال شهرين إضافيين.

ومنذ ذلك التاريخ باتت رزنامة العراق تسجل الخروقات الدستورية في شكل يومي، مثلما أن كل المحاولات لحض القوى المتصدية للمشهد السياسي على إكمال القوانين التي فرض الدستور إكمالها لغرض تأمين الحدود الدنيا من متطلبات الدولة الطبيعية، تم صم الأسماع عنها، وتجاوزها، والسخرية من المطالبين بها.

ساهمت القوى السياسية التي تذرف الدمع اليوم على قدسية الدستور في تمزيق صفحاته، بمليشياتها، وأعمال القتل والتخريب التي ارتكبتها، والحروب الأهلية التي تسببت بها واستفادت منها، وبسرقاتها وفسادها ونخرها لبنية مؤسسات الدولة وتجاوز القانون وتزوير الانتخابات، وهي اليوم تهدد العراقيين مرة أخرى بالدستور، فتتحدث عن حروب أهلية جديدة إذا لم يتم الالتزام بتفسيرها الحصري المختلف عليه لنصوصه.

ليس الأمر أن جلسة البرلمان الأخيرة التي عدلت قانون الانتخابات شرعية دستورياً أم لا، وليس مهماً حقاً إذا كان تفسير المحكمة الاتحادية للقانون دستورياً أم لا، ولم يعد كافياً الحديث عن سابقة خطيرة بتمديد عمر البرلمان العراقي، وحتى تزوير الانتخابات وحرق صناديق الاقتراع ليس أمراً جوهرياً، فالأصل أن من يدافع عن شرعية جلسة البرلمان ومن يرفضها هم أنفسهم من منعوا أجراء التعديلات الدستورية، وتغاضوا عن القوانين الأساسية، ورفضوا إقرار مجلس الاتحاد، وهيئة الرقابة على إيرادات الدولة، ومجلس الخدمة، ومن تقاعسوا عن تمرير قانون محكمة اتحادية جديد، وقانون انتخابات عادل، وقانون استثمار نزيه، مثلما تمنعوا أمام تنفيذ قانون الأحزاب، وقانون صلاحيات المحافظات، والمادة 140 والقائمة تطول بما يصعب حصرها.

الأكثر مرارة أن من يدافع عن نزاهة العملية الانتخابية، ومن يطعن فيها، هم أنفسهم من زوّر الانتخابات عام 2005 و2010 و2014 وهم أنفسهم من زوروها عام 2018 أيضاً، أو ربما لم تتسن لهم فرص التزوير هذه المرة.

ومن وجهة نظر القوى المتصارعة نفسها، فان الفوضى والتهديدات بحرب أهلية جديدة قد تسمح بتسويات سياسية تضمن مصالحها، بعد الصداع الذي تسببت به مطالب إصلاح الدولة.

إن وعي الشعب العراقي بضرورة إحداث تغيير في صميم تشكيل الحكومة، وتصاعد لهجة العداء للمحاصصات الحزبية والطائفية والقومية، وتحميل من يدافع عن طريقة تقاسم مؤسسات الدولة حزبياً، مسؤولية الفشل والعجز والأزمات الاقتصادية والأمنية، بل وحديث الناس عن قانون الانتخابات الذي فصلته الأحزاب على مقاس قدراتها على تزوير إرادة الناخبين، هو الخطر الوجودي الأكبر الذي باتت تخشاه قوى التزوير والتدليس.

الوعي الشعبي أكثر أهمية من الدستور، وهو ما يتم التباحث في الكواليس لكسره.