برازيليون يرون في الجيش أملاً لإنقاذهم من الفساد

برازيليا – أ ب |
رويترز.

يشعر كثيرون من البرازيليين بغضب من ساسة فاسدين، وبخشية من تدهور الوضع الأمني في البلاد، ما يدفعهم إلى المطالبة بتدخل عسكري لإقصاء قادة محتالين ومكافحة عصابات مخدرات مدججة بالسلاح.


إن الفرص ضئيلة لاستيلاء الجيش على السلطة في أكبر دولة في أميركا اللاتينية، لكن الدعوات إلى ذلك باتت جزءاً من النقاش الوطني، ما دفع جنرالات إلى نفي اهتمامهم بخطوة مشابهة.

لم يكن ممكناً قبل سنوات التفكير في هذه المناقشات، في بلد تحرّر عام 1985 من ديكتاتورية دامت 21 سنة، كما أن معظم مؤيّدي هذا الأمر يتجنّبون عبارة «انقلاب» أو «ديكتاتورية». لكن أضخم فضيحة فساد في تاريخ أميركا اللاتينية وانكماشاً اقتصادياً، أبرزا خطاباً مفاده أن وحدها القوات المسلحة تستطيع إنقاذ البرازيل.

وقال توني إمبروزيو أوليفيرا، وهو مدرّس تعليم بدني عمره 61 سنة في ريو دي جانيرو: «أغلِق الكونغرس واعتقِل جميع المتورطين (بالفساد) واغلِق المحكمة العليا. لماذا؟ لأن هناك تواطؤاً بين كل فروع السلطات الثلاث». واعتبر أن على الجيش تسلّم السلطة لفترة تكفي لصوغ دستور جديد ومحاكمة الساسة الفاسدين وتنظيم انتخابات عامة.

وكانت الدعوات إلى عودة الحكم العسكري تأتي فقط من مجموعات هامشية، لكنها باتت الآن تطاول الاتجاه السائد، وعكستها استطلاعات رأي ومواقع التواصل الاجتماعي وإضراب نفذه الشهر الماضي سائقو شاحنات، رفعوا خلاله لافتات كُتب عليها «التدخل العسكري الآن!». وقال دونيزيتي دياس بيريرا، مدير شركة «ترانزيران» للنقل بالشاحنات في ريو دي جانيرو: «أؤيّد التدخل العسكري لإيجاد ديموقراطية محترمة في البرازيل. ليس لدينا ذلك الآن».

وكان تحقيق كشف عام 2014 نظام فساد هائلاً أدهش البرازيليين إذ إن بلادهم كانت لفترة طويلة محصّنة من هذه الآفة. وشكّلت شركات مقاولات كارتلاً يقرر المؤسسات التي ستحصل على عقود مضخمة من شركة النفط العملاقة المملوكة للدولة «بتروبراس»، ويحصل بموجبها مسؤولون في الشركة وساسة ومسؤولون حكوميون على رشاوى ببلايين الدولارات. وأدى التحقيق وأدلة إلى سجن أفراد من النخبة في البلاد، بينهم الرئيس التنفيذي السابق لشركة «أودبريشت» مارسيلو أودبريشت والرئيس السابق لويس إيناسيو لولا دا سيلفا.

لكن ساسة كثيرين متهمين بمخالفات، بينهم الرئيس ميشال تامر، ما زالوا في مناصبهم. وتقدر مجموعات مراقبة أن 60 في المئة من أعضاء الكونغرس، إما أنهم مُتهمون وإما يُحقّق معهم في مخالفات، علماً أن كثيرين منهم سيخوضون الانتخابات النيابية المرتقبة في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل.

ويلفت ريجينالدو براندي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة ساو باولو المؤسس المشارك لمعهد «داتافولها» لاستطلاعات الرأي، إلى أن التعافي الاقتصادي البطيء بعد ركود عميق يفاقم القلق. ويضيف: «تثير الأزمة استياءً ومصاعب لعائلات كثيرة، وهناك تخيّل بأن الديكتاتورية العسكرية ستكون قادرة على وضع الاقتصاد على المسار الصحيح». وينبّه براندي ومؤرخون ومحللون سياسيون إلى أن هناك الكثير من الجهل حول حقبة الديكتاتورية، ويعود ذلك جزئياً إلى أن قانون العفو جنّب الجناة المزعومين المحاكمة.

ومقارنة بالحكومات العسكرية الأخرى في أميركا اللاتينية، مثل الأرجنتين وتشيلي، كانت الديكتاتورية البرازيلية أقلّ قمعاً. ومع ذلك، قُتل أو اختفى ما لا يقلّ عن 434 شخصاً خلال تلك الحقبة، كما عُذِب آلافٌ وتعرّضت الصحافة لرقابة شديدة. وذكرت آنا ميراندا التي تقول إنها عُذِبت أواخر ستينات القرن العشرين وسُجِنت 4 سنوات لمشاركتها في تظاهرات مناهضة للحكومة: «مَن يريدون تدخل (الجيش) ليست لديهم أدنى فكرة عن الحكومة العسكرية».

على رغم ذلك، فإن الجيش هو أكثر المؤسسات التي تحظى بالثقة في البرازيل، وتُظهر استطلاعات رأي تراجع الدعم للديموقراطية وزيادة الدعم لتدخل الجيش. وفي نيسان (أبريل) الماضي، عندما كانت المحكمة العليا تناقش قراراً في شأن إبقاء لولا حراً خلال درس استئناف قدّمه لحكم بإدانته بفساد، كتب الجنرال إدواردو فيلاش بواش على «تويتر»: «أؤكد للأمّة أن الجيش البرازيلي، مثل جميع المواطنين الطيبين، يشاطر التطلّع إلى نبذ (سياسة) الإفلات من العقاب». وفسر كثيرون ذلك بوصفه تحذيراً للمحكمة العليا لكي تتصرّف ضد لولا. وأظهر استطلاع أعدّه معهد «داتافولها» بعد فترة وجيزة أن 61 في المئة من البرازيليين أيّدوا إعلان الجيش موقفه في شأن الوضع السياسي، في مقابل معارضة 33 في المئة.

وهناك الآن التباس حول الوضع الاقتصادي خلال الحكم العسكري. وقال أنطونيو كليبر دو ناسيمينتو، وهو اختصاصي تسويق عمره 26 سنة في مدينة ساو باولو، يدعم تدخل الجيش: «اسأل أي شخص عايش الحكومة العسكرية. كانت هناك وظائف جيدة، والمستشفيات تعمل» جيداً.

عندما تولّى الجنرالات السلطة عام 1964، كان التضخم بنسبة 90 في المئة ونموّ الناتج المحلي الإجمالي 3 في المئة. وبحلول أواخر الستينات، انخفض التضخم إلى أقلّ من 30 في المئة، وساهمت برامج ضخمة للأشغال العامة في نموّ الناتج المحلي الإجمالي بنحو 10 في المئة. ولكن في مطلع الثمانينات عانت البرازيل سنوات من الركود، وعندما طوى البرازيليون صفحة الحكومة العسكرية عام 1985، بلغ التضخم 235 في المئة.

ويؤكد الجنرالات البرازيليون الآن أنهم لا يعتزمون التدخل في شؤون البلاد. لكن الحكومة كلّفت الجيش منذ شباط (فبراير) الماضي مسؤولية الأمن في ولاية ريو دي جانيرو. وقال روبرت موغاه، مدير البحوث في مؤسسة «إيغاربي» التي تركّز على الأمن (مقرّها ريو): «عندما يكون الناس خائفين، يبحثون عن حلول سهلة وسريعة. النظام السياسي الآن في أزمة والنظام الاقتصادي منهار».

وقد يحصل مؤيّدو التدخل العسكري على مرادهم جزئياً، إذ إن عضو الكونغرس جايير بولسونارو، وهو نقيب سابق في الجيش يبدي حنيناً إلى الديكتاتورية، يحتل المرتبة الثانية في استطلاعات الرأي لمرشحي انتخابات الرئاسة، وراء لولا الذي قد لا يتمكّن من خوض السباق من سجنه. وتعهد بولسونارو استئصال الفساد وشنّ حملة على المجرمين، بما في ذلك من خلال منح الشرطة «تفويضاً مطلقاً» باستخدام أسلحتهم أثناء أدائهم واجبهم، وتوزير عسكريين. وعلّق كلاوديو فونتيلس، وهو عضو سابق في «لجنة الحقيقة»، قائلاً: «إن نيل مرشح مثل جايير بولسونارو الذي يدافع علناً عن الديكتاتورية والتعذيب، 20 في المئة في استطلاعات الرأي، يُظهر فشل المدافعين عن الديموقراطية» في البرازيل.