ينفثون الدخان درءاً للتوتر فتمرض قلوبهم وتجف جيوبهم ويبقى التوتر

القاهرة – أمينة خيري |

حلقة مفرغة تلك التي تدور فيها حجة الاكتئاب والإحباط المنبعثة وسط دخان كثيف للشيشة والنارجيلة. الغالبية المطلقة من الوجوه المموهة معالمها والمكفهرّة ملامحها خلف الأدخنة المتواترة هي لشباب وشابات ومراهقين ومراهقات. منهم من يتحدث عن قرف الثانوية العامة وبلائها الرهيب. ومنهم من يفضفض حول الحياة العملية التي تلوح في الأفق بعد عام أو عامين تبقّيا في الدراسة الجامعية لكنها حياة مطموسة المعالم في ظل الأوضاع الاقتصادية المأزومة. ومنهم من يبكي على لبن الطموح المسكوب وسقف التوقعات المغدور حيث وظيفة لا علاقة بينها وبين طوفان الأحلام وتسونامي الآمال المغلق حالياً «بالأقفال».


مفتاح الهروب من الأزمات واللجوء إلى مهرب يخفف وطأة الشعور بالقلق أو الخوف أو الإحباط أو الاكتئاب أو كل ما سبق يبدو أنه يقبع في مكانين: الأول في كشك السجائر والثاني في المقاهي التي تقدم النارجيلة أو الشيشة التي باتت منتشرة في كل مكان دون رقيب أو محاسب أو مدقق.

التدقيق في تركيبة رواد المقاهي في القاهرة تشير إلى أن الغالبية شباب وشابات تبدأ أعمارهم من سن 14 و15 سنة وتصل إلى سن 35 سنة. فئات مختلفة، ودرجات متفاوتة، وانتماءات ثقافية وعلمية وتعليمية متراوحة، لكن الغالبية المطلقة تنفث دخان القرف أو القلق أو الملل أو انتظار حلم عصي على التحقيق.

حقق مروان هشام (25 سنة) ما كان يطمح إليه بالضبط في مجال التعليم. التحق بجامعة مرموقة وتخصص تخصصين مختلفين، الأول في العلوم السياسية والثاني في الاقتصاد، وحصل على درجة البكالوريوس في التخصصين، وقام بالخطوة التالية فتقدّم إلى جامعة في الخارج للحصول على شهادة الماجستير. ورغم أن والده كان سيسدد مصاريف الدراسة في الجامعة التي قبلته، فإن تأشيرة الدخول تأخرت كثيراً ففاته العام الدراسي الماضي. يقول: «يبدو أن ملايين الشباب في هذا الجزء من العالم بات يُنظَر إليهم باعتبارهم قنابل إرهاب موقوتة، لذا بات التدقيق والتأخير سمة من سمات الحصول على تأشيرة سفر».

مروان يمضي جزءاً كبيراً من وقته في مقاهي مصر الجديدة مع أصدقائه وأكثرهم تخرجوا معه في العام نفسه، لكن إحباطاً مماثلاً ضرب أكثرهم. بينهم رضوى كامل (24 سنة) التي تخرجت في كلية الإعلام على أمل الالتحاق بقناة تلفزيونية للعمل فيها مذيعة أو مراسلة. فوجئت بأن الساحة الإعلامية تضيق وتتقلص، وعدد كبير من وسائل الإعلام يعاني أزمات مالية تحول دون تعيين المتخرجين الجدد أو حتى الاستعانة بهم بعقود موقتة. تقول بأسى: «انتهى بي الحال بالعمل في مركز اتصال حيث أرد على هواتف عملاء شركة عالمية من كل أنحاء العالم. ورغم أن العائد المادي كبير، فإنها ليست مهنتي أو اهتمامي، ويكفي أن والدتي تعتقد أنني أعمل «عاملة سويتش»! (عاملة للرد على المكالمات الهاتفية).

التحدّي والتعدّي

مئـــات بل آلاف وعلى الأرجح ملايين من القـصـــص والحكايات يتداولها أصحابها من الشـــــباب والشابات أو يدورون في أفلاكها على مدار ساعات الليل والنهار في مقاهي مصر المحروسة. وهو تداول معبأ بالأدخنة وملغم بـ «أعمدة السرطان» كما يسميها بعضهم من باب التحدي والتعدي.

«لا أعد السجائر التي أدخنها. وطالما العلبة أمامي وشكلها ليس خالياً فأنا في الأمان. وحتى لو أتيت على ما فيها ومعي أصدقائي فهذا يعني أن المؤن مضمونة إلى أن تفرغ سجائر الجميع».

سارة سمير (20 سنة) طالبة جامعية، تؤكد أن مسالة العد وإحصاء ما دخنته أمر غير وارد. وهي تعلل ذلك بأن عقلها الباطن لا يريد أن يواجه شعوراً بالذنب في حق صحتها أو مراجعة ذاتية لأسلوب إنفاقها. تقول: «بصراحة شديدة في أوقات الامتحانات أو تعرضي لمشكلات أو ضغوط أهرب إلى السجائر.

قبل أيام وفي مناسبة اليوم العالمي للامتناع عن تعاطي التبغ، حذر مكتب شرق المتوسط في منظمة الصحة العالمية (إمرو) في القاهرة من مغبة تعاطي التبغ باعتباره أحد الأسباب الأساسية للوفاة المبكرة والإعاقة حول العالم، بالإضافة إلى كونه من عوامل الخطر الرئيسية التي تؤدّي إلى الإصابة بأمراض القلب التاجية والسكتة الدماغية وأمراض الأوعية الدموية الطرفية. وقال مدير «إمرو» بالإنابة الدكتور جواد المحجور أن أمراض القلب والأوعية الدموية هي السبب الرئيسي للوفاة والإصابة بالمرض في معظم بلدان إقليم شرق المتوسط، وأن 1.4 مليون شخص تقريباً في الإقليم فقدوا حياتهم بسببها عام 2015.

وتشير التقديرات إلى أن الوفيات بسبب أمراض القلب والأوعية الدموية، والتي يُعزَى معظمها إلى داء القلب الإقفاري في إقليم شرق المتوسط، ستزداد بشكل ملحوظ في العقد المقبل مقارنةً بأي إقليم آخر في العالم باستثناْء إفريقيا.

ويحذر المحجور من أن فئات عديدة من سكان شرق المتوسط يغيب عنها أن تعاطي التبغ بالإضافة إلـــى التدخين السلبي من الأسباب الرئيسية للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. ويضيف: «تعاطي التبـــغ ارتفع بين الرجال والنساء والفتيان والفتيات في دول شرق المتوسط، وتبلغ نسبة تعاطي التبغ في بعض بلدان الإقليم 52 في المئة بين الرجال و22 في المئة بين النساء». كما أشار إلى أن معدلات التدخين بين الشباب باتت تثير القلق بشكل خاص، إذ تصل إلى 42 في المئة بين الشباب و31 في المئة بين الفتيات في بعض دول المنطقة. ويشمل ذلك تدخين الشيشة التي يُقبِل عليها الشباب أكثر من إقبالهم على تدخين السجائر.

يشار إلى أن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أعلن أن عدد المدخنين في مصر يبلغ نحو 12.6 مليون شخص (فوق سن 15 سنة أغلبهم من الذكور، أي أن ما يزيد على 20 في المئة من المصريين مدخنون، وأن نسبة المدخنين في الفئة العمرية بين 24 و44 عاماً تبلغ نحو 25 في المئة، وهي نسبة بالغة الارتفاع.

وعلــــى رغم ذلك فإن واقع الحال في الشارع يشير إلى أن نسبة المدخنين بين الشباب أعلى بكثير. وبالطبع لا تقتصر الظاهرة على المقاهي حيث شباب الطبقات المتوسطة والعليا، ولكن ينتشر التدخين انتشاراً واسعاً بين فئات عدة مثل سائقي التوك توك والميكروباص والحرفيين وغيرهم من الشباب. وتتراوح الأسباب بين التسلية و«فش الغل» و «وسيلة الترفيه الوحيدة» و«تثبيت عملية الانتقال من الطفولة إلى الرجولة»، لكن المحصلة النهائية تكون أن آفة التدخين آخذة في الانتشار بين الشباب تارة بحجة الإحباط أو الاكتئاب، وأخرى بغرض الاندماج مع الشلة، ودائماً وأبداً لتخفيف حدة الضغوط وتيسير صعوبة الحياة. لكن المفاجأة هي أن لا الضغوط تخف ولا الحياة تتيسر على رغم كل هذا الدخان، بل يضاف إليها شبح أمراض قاتلة وغول ينهش في جيوب فارغة.