هل شاهدتها؟ ليست شبحاً بل علوم تدير مونديال 2018

مشهديات الافتتاح أعطت شهادة لمزيج الأجساد والعقول (ويكيميديا)
فارفارا نوفيكوفاوإيفغينيا موسكوفسكي |

هل تعلم أنّ كأس العالم لكرة القدم- روسيا 2018، استُهِلّت بهدف مرتبط بالعلوم والتكنولوجيا؟ نعم. جاء الهدف الأول للمونديال من قدم اللاعب الروسي يوري جازينسكي، وهو خريج «جامعة دالنيفستوك الفيدرالية» في مدينة «فلاديفستوك» وهو عضو هيئة علمية تسمى «مجلس 5- 100». وتشرف الهيئة على برنامج حكومي يحمل اسمها يهدف إلى تحسين القدرة التنافسيّة للجامعات الروسيّة، إضافة إلى دعم البحوث العلميّة في الروبوت، وتصميم برامج تعليمية حديثة، ونسج تعاون مثمر بين العلوم الجامعيّة من جهة، والشركاء الصناعيين من جهة ثانية. وكذلك يهتم مشروع «5-100» بزيادة القدرة التنافسية للتعليم العالي الروسي وتعزيز إمكانات البحث العلمي في جامعات روسيا الاتحاديّة.


ويعتبر تنظيم كأس العالم من أضخم المناسبات الرياضيّة عالمياً. وتتصل القدرة على تنظيمه بمستوى الأندية الرياضيّة والبنية التحتيّة للمواصلات والاتصالات، واحترام رمزيّة الحدث، ومدى الصداقة والمودة في التعامل بين الشعب المُضيف وجماهير مشجعي منتخبات الدول والشعوب المختلفة وغيرها.

وبذل خريجو الجامعات المُشارِكة في برنامج «5- 100» قصارى جهدهم لإضفاء لمسة متفردة على ذلك الحدث العالمي، كما قدموا رؤية جديدة لكيفية تنظيم واستضافة المونديال الكروي.

أول من نال شهرة في المونديال كان «زابيفاكو» (اسم روسي معناه «الذي يحرز أهدافاً)، وهو الذئب الذي جرى اختياره ليكون تميمة كأس كرة القدم 2018. وترى كاترينا باتشاروفا، خريجة قسم التصميم الفوتوغرافي في الجامعة الحكوميّة بمدينة تومسك، أنه أصبح الأكثر شهرة عالمياً. إذ يرحب بالمتفرجين على القنوات التليفزيونيّة، ويقابل المشجعين الوافدين إلى روسيا، ويظهر على لوحات الإعلانات والقمصان والتذكارات وغيرها. وأوضحت باتشاروفا أنه يرمز إلى شاب رياضي طموح، وهو الأصغر ضمن عائلة كبيرة، يعاني كثيراً لكنه يحتفظ بالتفاؤل. ونال «فولك زابيفاكو» ما يزيد على نصف أصوات المواطنين الروس أثناء الاقتراع على اختيار تميمة الكأس. وأشارت باتشاروفا إلى أن ذلك الرمز يعطي قوة إيجابية للمنتخب الروسي كي يحاول الفوز بالكأس الذهبية.

عودة «السيف الذهبي»

كذلك رعت «المدرسة العليا للاقتصاد» في موسكو عمليات تصميم الإعلان الرسمي لبطولة الفيفا 2018. وعمل المختص إيغور غوروفيتش، رائد التصميم في تلك المدرسة وحائز على عدد من الجوائز العالميّة، على تصميم الإعلان الرسمي للمونديال الكروي. ويشغل المساحة الرئيسية في الإعلان حارس المرمى الأسطورة ليف ياشين الذي شارك في أربعة بطولات متتالية لكأس العالم لكرة القدم بين عامي 1958 و1970، وهو رقم قياسي، في صفوف منتخب كرة القدم السوفياتي آنذاك. ويتفرّد ياشين في تاريخ حرّاس المرمى الروس بكونه حاصلاً على جائزة «السيف الذهبي»، وهي توازي على نحو ما جائزة «الحذاء الذهبي» التي تعطى للاعبين الأكثر تألقاً في كرة القدم. وفي ذلك الإعلان المونديالي، يظهر الحارس ياشين بهيئته المعروفة مرتدياً «تي شيرت» أسود اللون، وشورتا، إضافة إلى قبعته وضمادته المشهورتين. وفي الإعلان، يظهر ياشين قافزاً وممتداً بجسده كي يصل إلى كرة نصفها مستوحى من أزمنة الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن العشرين، والآخر مستقى من الكرة الشتوية المميزة في روسيا. وترمز الأضواء المنبعثة من الكرة الخضراء إلى طاقة الفرق المشاركة، وهي تعبّر أيضاً عن تجهيز 12 ملعباً روسياً في 11 مدينة، كي تستضيف المباريات الـ64 لكأس كرة القدم العالميّة.

وأوضح المصمم إيغور غوروفيتش أن أسلوب تصميم الإعلانات الكرويّة اعتمد بين عامي 1920 و1930، على لغة رمزيّة مستقاة من ما عُرِف آنذاك باسم «الموجة الشعرية الجديدة»، مع التركيز على الأشياء الجامدة. وشكل ذلك معلماً مهماً في الثقافة الروسيّة العريقة. وكذلك لاقت تلك اللغة قبولاً عاماً لدى الشعب الروسي. وأوضح أنه استند إلى تلك اللغة الرمزية الشعرية في تصميم الإعلان الرسمي لمونديال 2018، مع إضافات تجعلها أكثر تطوّراً وحيوية.

وفي سياق متصل، أشارت السنغاليّة فاطمة سامورا، وهي الأمينة العامة لـ «الاتحاد الدولي لكرة القدم» وأول سيدة تشغل ذلك المنصب، إلى أنّ الشعار الرسمي لبطولة مونديال 2018 هو تعبير حقيقي عن عمق كرة القدم وإبداع الشعب الروسي سويّة.

كسر القواعد النمطيّة

شكّل التناغم والتفاعل بين الشعب الروسي وجماهير مشجعي المنتخبات المشاركة في الكأس الكرويّة، هدفاً أساسيّاً لعمل خبراء من جامعة الآورال الحكوميّة في مدينة يكاترينابورغ. إذ عملوا على إنشاء أول صرح تعليمي في روسيا يعمل على تصنيف جماهير كرة القدم وميزاتها والقوالب النمطيّة السائدة في صفوفها. وفي ذلك الصرح، جرى نقاش الاختلافات التي تميّز الشعب الروسي عن المشجعين الوافدين. إضافة إلى ذلك، يهتم اختصاصيون من جامعة الآورال بتشجيع الوافدين على المشاركة في مجمّع الخدمات المسمى «تفاعل». ويهدف المجمع إلى تنظيم التفاعلات الاجتماعيّة بين الجماعات المختلفة المتابعة للكأس، ويراقب الإشارات الحيويّة (= المؤشّرات البيولوجية) التي تتفاعل في أجساد المشجعين أثناء فترات الضغط النفسي، خصوصاً عندما تتعرض منتخباتها إلى خسارة مبارياتها. ويراقب مدى استعمالها مواد كيماوية لا تستلزم استشارات طبيّة، في تلك الحالات، وهو أمر ربما يؤدي إلى حالات من الإحباط، بل ربما الانهيار العصبي والنفسي.

في سياق متصل، تقف أمام المشرفين على تنظيم الحدث مصاعب كثيرة من بينها ضرورة تثقيف الأيدي العاملة المشارِكَة في تنظيم ذلك الحدث الكروي، إضافة إلى المتطوعين وعناصر الأمن. إذ برهنت التجربة على أهمية التثقيف عند استضافة حدث عالمي كبطولة كأس العالم لكرة القدم، خصوصاً أنها استضافة لا تتكرر إلا نادراً. لذا، عمل باحثون في جامعة «إيتمو» على تجهيز استاد رياضي افتراضي Virtual Stadium باستخدام أسلوب المحاكاة بالكومبيوتر Computer Simulation بهدف تدريب مشاركين على أساليب توجيه موجات المشجعين الحاضرة مباشرة في الملاعب.

وشارك في تلك التجربة وتدريباتها، طلاب من جامعات روسيّة كـ «المدرسة العليا للاقتصاد»، و «جامعة سمارا القوميّة للبحث العلمي»، و «جامعة كازان الفيدراليّة»، و «جامعة أورال الفيدرالية» (مدينة يكاترنبورغ)، «جامعة نيجني نوفجورد الحكوميّة» (تسمّى أيضاً «إي. إي. لوباتشوفسكي)، و «جامعة البلطيق الفيدراليّة» (تسمّى أيضاً «إيمانويل كانتا») وغيرها. ويتوقع أن يتحصل الطلاب على خبرات كبيرة جداً ستساعدهم في الالتحاق بكبريات الشركات التي تعمل في مجالات الترجمة المباشرة في 12 استاداً تستضيف مباريات الكأس الكروي، إضافة إلى مراكز البث والتغطية الإعلامية العالميّة في موسكو.

وتمتلك «المدرسة العليا للاقتصاد» شراكات متفردة مع تجمعات دوليّة كـ «الفيفا» و «المجتمع الدولي للثقافات التنافسيّة»، نظراً إلى قدرتها في مجال الإشراف على تقديم الخدمات الاحترافيّة في الإدارة الرياضيّة.

في السياق نفسه، جرى العمل على تدريب مدراء كرويين فنيّين من قِبَل جامعة الآورال الحكوميّة، للتمرس في تقنيات رياضيّة متطوّرة كتلك التي تُشاهَد في دوري أبطال أوروبا.

* صحافيتان في «مركز مشاريع التعليم والبحوث- وكالة سبوتنيك»