انطلاق «سوق عكاظ» ببرنامج ثقافي تفاعلي يحفل بالندوات والأمسيات

جدة - صادق الشعلان |

انطلقت أمس فعاليات الدورة الجديدة من مهرجان سوق عكاظ، الذي دشنه مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة خالد الفيصل، وسط حشد كبير من المثقفين والشخصيات الرسمية. ومثلت حفلة الافتتاح فرجة من نوع رفيع، إذ انطوت على أنماط تعبيرية عدة، جعلت من الحفلة مناسبة في حد ذاتها، حازت إعجاب الحضور الذي شهد تنوعا. وشهد الحفلة التأكيد على أهمية سوق عكاظ، كمحطة رئيسة في تاريخ المملكة والجزيرة العربية، لما تمثله من دور اقتصادي وحضاري وثقافي على مدى عصور، وأنها تمثل أهمية تتجاوز دورها الثقافي كنشاط موسمي والسياحي والتراثي كفعالية وطنية مهمة إلى أدوار أعمق تتمثل في مكانتها التاريخية والحضارية، ما يجعل إحياءها والاهتمام بها هو إبراز للبعد الحضاري للمملكة، وهو أحد الأهداف الرئيسة للهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني. وفي الحفلة تسلم الفائزين في الحقول المختلفة جوائزهم.


أما على صعيد البرنامج الثقافي، أكد مدير جامعة الطائف رئيس اللجنة الثقافية لسوق عكاظ الدكتور حسام زمان، أن جامعة الطائف سعت، من خلال دورها القيادي في اللجنة الثقافية، إلى أن يكون البرنامج في دورته الحالية «ثقافياً تفاعلياً واستثنائياً في جميع تفاصيله، وأن يحقق نقلة جديدة في مضمونه، تحفل بالندوات الثقافية والفكرية، والمسابقات الشعرية والأدبية، والمنافسات المهارية والإبداعية». وقال في حديث لـ«الحياة» إن البرنامج ينطلق من رؤية تطويرية شاملة، «تضمن تحقيق عنصرَي التنوع والابتكار في مواضيع الفعاليات، ومواكبة المستجدات المحلية والإقليمية والدولية في مجالات الفكر والثقافة والأدب، ودعوة نخبة من أهم المتخصصين والمبدعين في المجالات التي تتناولها تلك الندوات والأمسيات للمشاركة فيها».

وقد أعلنت الجامعة تفاصيل البرنامج الثقافي لسوق عكاظ في دورته الـ12، الذي تشرف الجامعة على تنفيذه، بالتعاون مع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني.

وأوضح الدكتور زمان أن اللجنة حرصت على أن يواكب البرنامج الثقافي للدورة الحالية التجديد والتطوير المستمر الذي تحظى به أنشطة وفعاليات سوق عكاظ في كل دورة من دوراته، مؤكداً أن الجامعة عملت على أن يشمل التجديد والتطوير جميع فعاليات البرنامج، وأسماء المشاركين فيه من الأدباء والمثقفين والمفكرين السعوديين والعرب، إضافة إلى الجوانب التنظيمية للبرنامج.

وبين أن اللجنة أعدت برنامجاً متكاملاً ومتنوعاً يتناسب مع المرحلة الحالية الطموحة المواكبة لرؤية المملكة 2030 ، مشيراً إلى أن البرنامج الثقافي لسوق عكاظ يشتمل على مجموعة من الندوات والأمسيات الشعرية التي ستقام في «الخيمة الثقافية»، لافتاً الانتباه إلى أن الندوات موزعة على خمسة محاور يتضمن المحور الأول «ثقافتنا إلى أين»، وعقد ندوتين أولاهما عن اللغة العربية في كوريا، وثانيتهما ندوة الدولة الضيف جمهورية مصر العربية بعنوان: «التنمية الثقافية.. تحديات الحاضر وتطلعات المستقبل»، فيما يشتمل المحور الثاني «المرأة واختزال الحضارات» على ندوة نقدية للدولة الضيف عن الشاعر ليلى الأخيلية، وندوة أخرى بعنوان «المرأة وتشكيل الهويات الثقافية»، أما المحور الثالث للبرنامج الثقافي فيتضمن «نحو تفاعلية معرفية»، وندوة عن المشاريع الثقافية الشابة، وأخرى عن الأدب الرقمي ورقمنة اللغة «تطلعات ومعوقات»، بينما يتضمن المحور الرابع «تحديات الثقافة العربية» تشمل ثلاث ندوات، الأولى بعنوان «البياتي وحوار الثقافات»، والثانية «من التراث إلى ما بعد الحداثة، رؤية المجتمع العربي الراهن»، والثالثة عن «التجارب السينمائية الثقافة».

كما يشتمل المحور الخامس والأخير «المستقبل يبدأ الآن» على ثلاث ندوات أخرى تناقش مواضيع «المسرح من النص إلى العرض»، وصناعة السياحة ومستقبل التنمية، وأخيراً الفنون التشكيلية وتطوير المجتمع.

وتعقد ضمن البرنامج الثقافي ثلاث أمسيات شعرية، يشارك في الأولى كل من الشعراء الدكتور حسن طلب، وجاسم الصحيح «شاعر سوق عكاظ»، وجمال الملا، ومحمد عبدالباري، ويديرها الدكتور منصور الحارثي، ويشارك في الثانية كلا من الشعراء محمد يعقوب وبديعة كشغري، وأحمد بخيت، ومحمد السداني، ويديرها الدكتور مازن الحارثي، فيما سيشارك في الأمسية الثالثة كلا من الشعراء عبدالله بيلا، وحسن الربيح، وحسن القرني، وذكرى الحاج، وتديرها الدكتورة أسماء الجميعي.

ويشتمل البرنامج الثقافي لسوق عكاظ أيضاً على مسابقة سوق جامعة الطائف للمشاريع الريادية، ومسابقة خطيب سوق عكاظ للنشء، كما يشتمل على ورش عمل عدة تتناول مواضيع العمل التطوعي وخدمة المجتمع، وتوفير الطاقة باستخدام الخلايا الشمسية في المنازل، والإعلام الجديد، والحرف والصناعات اليدوية، وصناعة الأفلام القصيرة، وكتابة السرد، والفنون التشكيلية، والتصوير الضوئي، وفن كتابة الخط العربي (معرض الخط العربي)، إضافة إلى مسابقة سوق عكاظ للعروض المسرحية التي ستقام في خيمة العروض المسرحية. كما سيشهد سوق عكاظ في دورته الـ12 إقامة فعاليات للأزياء الحرفية والتراثية من ضمن فعاليات السوق.

من ناحية، يعد سوق عكاظ أكبر أسواق العرب في الجاهلية والإسلام، وهو أشهر ملتقى للتجارة والفكر والأدب والثقافة المتنوعة للقبائل العربية، والوافدين إلى السوق من أنحاء الجزيرة العربية. يحضر فيه فحول الشعراء، والخطباء، والأدباء، ويمارس رواد السوق الألعاب الرياضية ومنها الفروسية والعدو والرمي.

وتجمع المصادر التاريخية والأدبية على أن تاريخ بداية سوق عكاظ كان في حدود عام 501 للميلاد، إذ كانت طرق التجارة قد انتظمت، وتقاطعت على جزيرة العرب مع تطور الممالك العربية في مختلف أنحاء جزيرة العرب، وكانت مكة المكرمة محجة للعرب من آلاف السنين، كما كانت مدن القوافل قد أخذت مكانتها التجارية والاقتصادية ومنها الطائف وما ولاها.

ومن الشواهد على قِدم سوق عكاظ الارتباط الوثيق بينه وبين إيلاف قريش، وبذلك استقرت تجارة قريش مع الممالك المجاورة. وقد احتلت سوق عكاظ مكاناً جغرافياً يستوعب التجارات المحلية والإقليمية والقوافل التي ترد من خارج حدود جزيرة العرب، وشكل توقيت تنظيم السوق في فترة زمنية تسبق موسم الحج، في شهر ذي الحجة، مدتها 21 يوماً.

وارتبط سوق عكاظ بنشأة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ونشر الإسلام بين قبائل العرب، والدعوة لدين الله، وقد احتضنت ديار بني سعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أتت به حليمة السعدية رضي الله عنها، ليقضي طفولته في مرابع قومها في أرض رعوية إلى الشمال من مكة المكرمة، وليست ببعيدة عن موقع سوق عكاظ. وقد جاءت به حليمة السعدية إلى سوق عكاظ عندما كان في حضانتها.

وكانت العرب قاطبة ترد مكة المكرمة أيام المواسم، وترد سوق عكاظ، ومجنة، وذو المجاز، وتقيم هناك الأيام الطوال. وشهد الرسول في سوق عكاظ حرب الفِجار، وفيه يقول: «حضرت مع عمومتي ورميت فيه بأسهم، وما أحب أني لم أكن فعلت»، وحضر الرسول، سوق عكاظ صبياً، وحضرها شاباً، وحضرها بعد البعثة، وذهب مع عمه العباس إلى عكاظ ليريه منازل أحياء العرب، فكان بعد هذا يتردد على من يتوسم فيهم مساعدته أو الاقتناع بدعوته لهم لدين الإسلام، وقابل في عكاظ قبائل عدة كان يعرض عليهم الإسلام، ويبحث عن من يمنعه حتى يبلغ رسالات ربه، حتى بعث الله إليه الأنصار، من أهل المدينة.

وبقيت سوق عكاظ مركزاً تجارياً خلال العصر الإسلامي المبكر، وكذلك محطة رئيسة على طريق الحج القادم من اليمن مروراً بنجران وعسير والحجاز.

أما موقع سوق عكاظ، المسرح الكبير، الذي شهد تجارات العرب، ووفد إليه قبائل العرب وزعمائهم، وقادتهم، وشعرائهم وخطبائهم، وعاداتهم وتقاليدهم، بقي موضعه الجغرافي وآثاره شاهد على تاريخ وماضٍ يتجدد، في أرض الرسالات وأرض الحرمين الشريفين.

كما أبدى الملك فيصل بن عبد العزيز حين كان أميراً على الحجاز اهتماماً بالبحث في تاريخ سوق عكاظ، وتحديد موقعها، وعمل عدد من الباحثين في ذلك العصر.

وبمباركة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، تولى أمير منطقة مكة المكرمة خالد الفيصل، فكرة إحياء «سوق عكاظ» بعد انقطاع 13 قرناً؛ لتكون السوق أحد أهم مخرجات الاستراتيجية التنموية للمنطقة.