السينما المصرية والفولكلور

غلاف الكتاب
القاهرة -هيام الدهبي |

تعتبر السينما من الوسائل المهمة لنشر الأيديولوجيات في المجتمعات البشرية على اختلاف مذاهبها، ومن ثم تلعب السينما دوراً محورياً في توجيه سلوك الأفراد، وبث قيم اجتماعية لكونها وسيلة فعالة لضبط اتجاهات الأفراد وتحديد أهدافهم داخل المجتمع. ويفسر لنا الكاتب الصحافي والناقد السينمائي زياد فايد في كتابه «السينما المصرية والفولكلور» - الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة - مفهوم الفولكلور بأنه الثقافة المنقولة شفوياً أي التراث الشعبي من شعر وموسيقى وفنون تعبيرية.


ويضيف فايد: «ولا شك في أن تاريخ السينما المصرية قد حفل بعشرات الأفلام التي اتخذت من المأثور الشعبي موضوعاً أو عنواناً أو مكاناً للحدث السينمائي سواء أكان هذا المأثور زياً أو عقيدة أو سلوكاً». وهناك من اتخذ من الحمام الشعبي مكاناً لأحداثه ومنها فيلم «حمام الملاطيلي» للمخرج صلاح أبو سيف، أو من اتخذ من الحارة مسرحاً لأحداثه ومنها فيلم «العزيمة» لكمال سليم، أو من اتخذ من مهنة اندثرت موضوعاً كما في فيلم «السقا مات»، لصلاح أبو سيف.

ويشير الكاتب إلى أن الثقافة التي قدمتها السيرة الشعبية منذ البداية هي ثقافة التعبير عن قضايا الإنسان من أوضاع لا يرضى عنها ولا يرضاها منهجاً وأسلوباً للحياة ومحاولة لتغيير هذه الأوضاع من طريق سيرة البطل في السيرة الشعبية التي تحدد معالم البطولة ولا ترتبط بالتفوق الجسدي أو المهارة الفردية وحدهما وإنما ترتبط أساساً بالفعل الجمعي من أجل تحقيق الهدف العام. وقد تحولت بعض السير الشعبية الى أعمال فنية مثل الزير سالم وعلي الزيبق وأبو زيد الهلالي وغيرها، وكلها أعمال مليئة بالإسقاطات المعاصرة التي تحمل هموم العصر ومشكلاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ويعبر الكاتب عن دهشته بقوله: «رغم تأثر السينما المصرية بالمأثور الشعبي منذ بداية هذا الفن -السينما- إلا أن مصر لم تنتج من السير الشعبية أو الأبطال الشعبيين بشكل مباشر سوى تسعة أفلام فقط في خلال الفترة ١٩٤٥بين -١٩٦٩ وهي («عنتر وعبلة» «ابن عنتر» «أبو زيد الهلالي» «الزناتي خليفة» «مغامرات عنتر وعبلة» «عنتر بن شداد» «عنتر فارس الصحراء» «بنت عنتر» وعنتر يغزو الصحراء»). واللافت أن هذا الاتجاه إلى السيرة العنترية أو الهلالية يكشف عن إدراك بأنهما بالفعل هما السيرتان الحاضرتان في الأداء الشعبي في فترة إنتاج هذه الأفلام. كما أن المعالجات السينمائية للسيرتين اعتمدت على النص المدون في طبعات شعبية دون النصوص الشفوية.

ويذكر فايد أن كاتبنا الكبير نجيب محفوظ قد اعتمد في كثير من رواياته على التراث والأسطورة سواء الفرعونية أو اليونانية، كما استلهم روح الشارع والحارة والأحياء الشعبية في روايات(«بين القصرين»، «قصر الشوق» و»السكرية»، و»خان الخليلي»، و»زقاق المدق»، و»القاهرة الجديدة، و»بداية ونهاية»).

كما يلفت الكاتب النظر إلى أن فن الأراجوز الشعبي يقوم على عنصر السخرية السياسية والاجتماعية في الشخصيات الحية والأحداث المعاشة فشخصية الأراجوز دائماً هي شخصية سليطة اللسان في مجتمع تحكمه التقاليد، فهو ضمير الشعب وصوته الصارخ بسخرية في وجه كل سلطة حاكمة... لذلك ظل وجوده قائماً ومستمراً في السينما المصرية سواء عبر الشخصيات التي تجلت بالكثير من سماته أو عبر استخدامه بذات صورته الشعبية في أكثر من فيلم سينمائي، بداية من فيلم المخرج سيف الدين شوكت («عنتر ولبلب») مروراً بفيلم المخرج صلاح أبو سيف («الزوجة الثانية») وصولاً إلى فيلم المخرج هاني لاشين(«الاراجوز»).

والحقيقة إن المفاهيم التي طرحها المؤلف في هذا الكتاب اللافت تدخلنا الى عالمين: عالم السينما وعالم الفولكلور. فهل استطاع السينمائيون استلهام عناصره في أعمالهم السينمائية؟